حزب الله: الوثيقة السياسية والثورة السورية
الأحد 12 مايو 2013

 

 بوزيدي يحيى

 

     اعتقد حزب الله أن الثورات الشعبية التي بدأت من تونس ثم مصر وأسقطت نظامين خاضعين للولايات المتحدة، وبشكل خاص نظام حسني مبارك (والمعروفة مواقفه من المقاومة) حلقة من حلقات تراجع المشروع الأمريكي وإخفاقه التاريخي في مقابل صعود محور المقاومة والممانعة، بل وحتى اختصار مسافات الصراع بينهما، كما نصت عليه الوثيقة السياسية الثانية للحزب التي صدرت قبل سنة من بداية الحركات الاحتجاجية الشعبية (نوفمبر 2009). واندفع الحزب وإيران وراء الذراع الشيعي البحريني في استغلال التحولات لتثبيت أتباعها في المملكة والتضييق على خاصرة الأمن القومي الخليجي، غير أن الثورة السورية خلطت الحسابات الأمريكية والإيرانية على حد سواء.

وإذا كان موضوع الانعكاسات الدولية والإقليمية شائك ومعقد تناولته الكثير من الدراسات التي ناقشت مستقبل النظام الإقليمي، فإن ما يعنينا في هذا المقام هو إلقاء مزيد من الضوء على وثيقة حزب الله السياسية الثانية، وما تضمّنته من أفكار انطلاقا من المستجدات على الساحة السورية وسلوكه نحوها. وأهمية مناقشة الوثيقة السياسية للحزب على هذا الأساس تكمن في أننا أمام أول اختبار عملي لما أعتبر تطورا في الفكر السياسي للحزب، لأن القراءات السابقة التي رأت في الوثيقة مجرد "خدعة تقيوية" من طرفه اتهمت بالتحامل عليه والعمالة، وغير ذلك مما هو مألوف في الأسطوانة المشروخة لطابور الولي الفقيه.

النهاية الأخلاقية

نصت الوثيقة على "أنّ معايير الاختلاف والنزاع والصراع في رؤية حزب الله ومنهجه إنما تقوم على أساس سياسي - أخلاقي بالدرجة الأولى، بين مستكبِر ومستضعَف، وبين متسلط ومقهور، وبين متجبّر محتل وطالب حرية واستقلال". هذه الهالة الأخلاقية التي أحاط بها الحزب نفسه كمضحٍّ بالغالي والنفيس من أجل الأمة وآخر قلاعها وحصونها في وجه الهيمنة الغربية، والتي اغتر بها كثيرون، كانت أهم مصادر قوته، وقد استطاع من خلال الآلة الإعلامية الإيرانية وملاحقها العربية التعتيم على كل ممارساته الداخلية والخارجية المتناقضة، وتوظيفها لصالحه.

هذا الرصيد الأخلاقي الظاهري الذي كان يستثمر فيه الحزب خدمة للمشروع الإيراني بدأ بالتآكل سريعا مع الثورة السورية حيث وجد الحزب نفسه في مأزق التوفيق بين الرأي العام الشيعي والعربي في تبرير انخراطه إلى جانب النظام النصيري في سفك دماء الشعب السوري.

وأبرز تجليات هذا المأزق وعلامات الانهيار الأخلاقي الغياب القسري لأمينه العام حسن نصر الله فضلا عن مضمون خطابه، ففي المرحلة الأخيرة لوحظ غياب كبير لنصر الله، وهو الذي كثر خروجه الإعلامي في بدايات الثورة السورية، وعلى عكس ما يفترضه التحليل المنطقي من أن يصبح حضوره الإعلامي أكثر بحكم التطورات والمستجدات الميدانية وخطورتها إلا أنه آثر الصمت وأسند توضيح الانخراط العلني في معارك القصير وتواتر الأنباء عن وجود عشرات الآلاف من مقاتليه في جميع أرجاء سورية -وهو رقم تدلل عليه جنائز القتلى-  لرجال الصف الثاني من القيادات.

وخطابه الأخير الذي صرح فيه بالدعم المباشر للنظام السوري مختلف كليا عن خطابه المعهود إذ اتسم بكونه خطابا دفاعيا أكثر منه هجوميا، فرغم أن الموضوع لم يكن يتعلق بمجرد صراع سياسي داخلي وإنما مرتبط بمسألة مصيرية لما يسمى بمحور الممانعة والمقاومة إلا أنه غابت عنه روح المبادرة، وهو أمر مختلف تماما عن خطاب نصر الله في معاركه ضد إسرائيل.

 وبكل تأكيد فإنه بعد مرور سنتين لم يعد أي مجال لأكاذيب نصر الله التي حاول فيها تغطية الحقائق ونفي الوقائع ظناً منه أن الأمور ستحسم في وقت قصير كما كان يردد بشار الأسد يومها، حيث خرج نصر الله على وسائل الإعلام نافيا ما تقوم به قوات النظام من تدمير لمدينة حمص مثلا، حاصرا الأمور من خلال "مصادره هناك" في إطلاق نار بسيط فقط، كما أن جرائم النظام لم يعد مجديا أن تبرر بنظرية المؤامرة ولذلك فإن خروج نصر الله بشكل متكرر كما في السابق، الذي فاق قيادات النظام السوري نفسه سيكون حديثا فجا ينهي ما تبقى للحزب من شبه مصداقية في عقول بعض الحمقى والمغفلين.

وقد كان نصر الله يردد عبارة "أننا لا نخجل بقتلانا لأننا نعتبرهم شهداء" في محاولة نفيه تواجد مقاتلي الحزب في سورية، وحاول أن يؤكد ذلك بحديثه عن الجنائز التي تقام لشهدائه، ولكنه استمر في لعبة النفي بتقليله عدد القتلى ووصف الأرقام المتداولة في الإعلام بالمبالغ فيها، وبغض النظر عن كل ذلك فإن الواقع يثبت أن الحزب في هذه المعركة لا يدير الحرب الإعلامية بنفس الصيغة التي كان يديرها خلال حربه مع إسرائيل، فغالبا ما تكون البيانات رد فعل على ما يكشفه الجيش الحر والإعلام من عمليات للحزب أو قتلى في المعارك، ينكرها الحزب في البداية ثم يعود ليؤكدها جزئيا، والتصريح بالدور القتالي لم يكن مباشرا وصريحا على غرار معاركه مع إسرائيل، إذ انتظر كل هذا الوقت ليقر بأن ما كان يجري بشكل غير علني أصبح يجري على العلن، وسبب التأخر في الإعلان هو إدراك ردة الفعل منها، بعدما انتزعت عنها كل الأغطية الأخلاقية، وحتى مجالس العزاء التي تقام تفرضها ضرورة الاعتبارات الداخلية لعلاقة الحزب بحاضنته الاجتماعية الشيعية.

وهو لا يصور معاركه وبطولاته في سورية، بل على العكس يحاول في سياق الحشد الطائفي لجمهوره أن يصور نفسه في موقع الضحية كما تشهد عليه التغطية لما جرى في بلدة الهرمل. وإعلامه يتحدث فقط عن إنجازات الجيش النظامي وليس بطولات حزب الله. وحتى المدافعين عن النظام ونصر الله عبر الفضائيات يجدون صعوبة كبيرة جدا في تبرير مواقف حزب الله والأسئلة المحرجة التي تطرح على غرار الدفاع عن مقام السيدة زينب. 

كل هذا يبين إدراك الحزب لحقيقة وحجم الفارق بين الماضي والحاضر، ولا يستطيع أبدا أن يحتفي بما يتصوره من إنجازاته في سورية للرأي العام العربي كما كان يفعل سابقا، وفي كل الأحوال مهما فعل الحزب فإنه لن ينظم عنه بيت شعر أو قصيدة تتغنى ببطولاته، والأحرى بمن فعل ذلك أيام حرب 2006 أن ينظم قصائد أخرى تهجوه.

ولكن في اتجاه آخر وفي ظل حديث نصر الله بصيغة "لن" التي تفيد الاستقبال وما تدلل عليه من قرار نهائي لحزب الله أو بتعبير أدق لطهران في المضي إلى جانب النظام حتى النهاية فإننا لا نستغرب أن يخرج حسن نصر الله ليتحدث ليس عن حيفا وما بعد حيفا وما بعد بعد حيفا، وإنما عن القصير وما بعد القصير وما بعد بعد القصير.

المقاومات: القطيعة النهائية

أعطت الوثيقة حيزا كبيرا للقضية الفلسطينية بشكل مباشر في الفصل الثالث أو من خلال الإشارة إليها في سياق المحاور الأخرى لدرجة يمكن القول إن شرعية الحزب مستمدة بدرجة أولى من موقفه من القضية الفلسطينية، كما أن موقف إيران منها يمثل عربونا يستوجب على كل الدول العربية في مقابله السكوت عن كل ما تقوم به طهران على حساب مصالحها وأمنها القومي، وفي سياق متصل حاول حزب الله توثيق علاقته بفلسطين من خلال تأكيده بشكل قاطع وجازم مساندته وتأييده ودعمه للشعب الفلسطيني وحركات المقاومة الفلسطينية ونضالها في مواجهة المشروع الإسرائيلي، واستغل هذا البعد لتجاوز الإطار الطائفي الذي كان ينعت به من خلال حديثه عن دور المقاومات وذكر بالاسم المقاومة العراقية وحركة طالبان.

وقد بدا أن هدف حزب الله من هذا الربط سد خلل واضح في نظرته إلى مفهوم "المقاومة"، والتي كانت مأخذا للآخرين عليه ودلالة على "مصلحيّة" دور المقاومة لديه و"ضرورة" ارتباطها بإيران حتى يتم تصنيفها على أنّها "مقاومة". وكان هدفه من ذلك سد هذه الثغرة وكسب الجماهير وإعادة الترويج لحزب الله "بشكل جديد" خاصة بعد الانتكاسات التي ضربت شعبيته في العالم العربي والإسلامي وخاصة بعد العام 2006. وبدل الرجوع إلى الأرشيف لتأكيد الفرضية كما فعل الباحث علي باكير([1])، فإن مواقف الحزب في هاتين السنتين بعد صدور الوثيقة تثبتها بما لا يدع أي مجال للشك.

فالمواقف المتناقضة بين حركة حماس وحزب الله من الثورة السورية وخروج قياداتها من دمشق، فضلا عمّا يتعرض له مخيم اليرموك للاجئين في العاصمة من تدمير وانتهاكات من طرف النظام كان بمثابة القطيعة شبه النهائية بين الطرفين، فالنظام السوري لم يرضَ بأن تلتزم حماس الحياد أو الصمت في المعركة وإنما أراد أن تنخرط معه وتبرر أعماله، والمرتزقة من اليساريين ممثلون في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين برئاسة أحمد جبريل اختاروا صف النظام طبعا ليس لمواجهة الإمبريالية وإنما بفعل النزوات والمصالح الشخصية التي جعلت من القضية الفلسطينية غطاء لإبادة شعب يتطلع للحرية.

أما حزب الله فبدل أن يرفد خيار النأي بالنفس الداخلي بالحياد محاكاة لحركة حماس، أدار ظهره هو الآخر لها خاصة بعد حديث نصر الله في خطابه الأخير عن الأصدقاء الحقيقيين لسورية الذين لن يسمحوا بسقوطها، وبمفهوم المخالفة فإن هناك أصدقاء آخرين غير حقيقيين وصادقين، ولا شك أن حماس تأتي في مقدمة هؤلاء في ظل الحملات الإعلامية ضد الإخوان المسلمين عموما وحماس خصوصا التي يشنها الإعلام الممانعاتي.

وأي تقارب جديد بين حركة حماس وحزب الله سيعني بالضرورة تباعد بينها وبين النظام الجديد في سورية الذي سيكون الإخوان المسلمون لاعبا مؤثرا فيه، وفي مقابل إمكانية دخول النظام الجديد في حرب مفتوحة مع حزب الله إذا ما ذهب الحزب بعيدا في تورطه مع النظام لتقسيم سورية، وهذا سيناريو محتمل نظرا لاستحالة تفريط طهران في موقع قدم لها في سورية مهما كان شكله، ولربما قد يجد نوعا من الدعم الغربي تحت ظل حماية الأقليات. كما أن النظام الجديد سيتيح للمقاومة الفلسطينية متنفس آخر للنشاط والعمل ربما بأضعاف ما كانت عليه في السابق، وهذا ما قد يرسخ القطيعة النهائية بين حماس وحزب الله.

الاندماج واللبننة

اعتبر البعض أن وثيقة حزب الله السياسية لعام 2009 تعكس الاندماج الفعلي للحزب في السياسة اللبنانية منذ تم انتخاب ممثلين له في مجلس النواب لأول مرة عام 1992، ومنذ بدأ في عام 2005 المشاركة في تأليف الحكومات اللبنانية المتعاقبة([2])، وأنها خطت خطوة مهمة نحو "اللبننة" عكست انخراط الحزب في الحياة السياسية الداخلية أسوة بالأحزاب والتيارات السياسية الأخرى([3])، ولكن الواقع أثبت أن الحزب مندمج في النظام السوري أكثر منه في النظام اللبناني بحيث تحول إلى جهاز أمني مساند في بعض المناطق ومتقدم في مناطق أخرى مثل القصير التي ملأ فيها الفراغ الذي تركه انسحاب جيش الأسد.

ونظرا للعلاقات التاريخية بين سورية ولبنان ناهيك عن التحالفات والاصطفافات بين القوى السياسية من مختلف القضايا الإقليمية اعتبر كثيرون شعار "النأي بالنفس" خيارا صعب التحقيق لحد الاستحالة، وهذا ما أثبتته الوقائع لاحقا، إذ في حين انحاز حزب الله إلى جانب النظام، أيدت قوى 14 آذار الثورة، ولكن مع فرق شاسع، فبينما توقف تيار المستقبل وحلفاؤه عند حدود الدعم السياسي فإن حزب الله انخرط في القتال إلى جانب النظام من اليوم الأول في الخفاء ثم أصبح الأمر معلنا والكلام لنصر الله نفسه، أما الدعم العسكري السني فقد جاء من الشيخ أحمد الأسير وغيره من العلماء اللبنانيين ولكن كرد فعل عن جهر حزب الله بقتاله في سورية، وتجدر الإشارة هنا إلى عدم المقارنة بين مليشيات حزب الله المدربة والمؤهلة، وبين متطوعين مدنيين من الطرف الآخر.

سبق ذلك أشكال مختلفة من الصراع كالمظاهرات المؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، إلى الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن، مرورا بالاغتيالات التي كان أبرزها اغتيال اللواء وسام الحسن المرشح المحتمل لخلافة اللواء أشرف ريفي في مديرية قوى الأمن، والشيخين السنيين، والمحاولة الفاشلة للوزير السابق ميشال سماحة الموالي لسورية، حيث خطط للقيام بتفجيرات واغتيالات في لبنان بالتنسيق مع مسئولي الأمن السوري.

ورغم كل هذا فإن خيار "النأي بالنفس" كان الخيار الوحيد الذي يفترض أن يضمن أمن واستقرار لبنان وعدم انزلاقه إلى منحدر خطير من الاحتراب الداخلي أو الحرب الأهلية التي عانى منها البلد في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

والذي يتحمل مسؤولية فشل هذا الخيار هو حزب الله لأنه هو من سخّر الحكومة التي كان يسيطر عليها خدمة للأوامر التي تأتيه من طهران دون مراعاة أي اعتبار داخلي، ولما استنفدت مهامها استقالت عندما أصبح وجودها لا يستقيم مع تحول الحزب إلى التصريح بدوره في سورية كون رئيسها هو صاحب فكرة النأي بالنفس، التي كان بإمكان الحزب أن يجسدها، ولا يمكنه أن يدعي أنه في المعارضة وأن الحكومة تخدم المشروع الأمريكي كما دأب عليه في وقت سابق.

والأسوأ من ذلك أن الحزب لم يكتفِ بتبرير مواقفه على المستوى الإقليمي والدولي، وإنما جعل من تدخله في سورية واجبا وطنيا، فالدفاع عن الشيعة في القرى السورية واجب وطني، وهذه المحاولة هي الأخرى لسد الثغرة الأخلاقية لتهذيب الخطاب أو عدم التصريح بحقيقة البعد الطائفي لأن الحزب هو ديني أولا وأخيرا.

 وحتى الواجب الوطني هو جزء من الواجب الديني وبالتالي فإن الحديث عن لبنان في الوثيقة الثانية للحزب لا يخرج عن هذا الإطار إطلاقا، وحتى إذا سلمنا جدلا بأن حماية اللبنانيين في سورية واجب وطني بعدما تخلى جيش الدولة السورية عنهم فهل حماية مقام السيدة زينب واجب وطني أيضا؟؟ والملفت للنظر أن النظام السوري لم يتحدث عن المقاتلين اللبنانيين الذين يدخلون من الحدود، ولم يتحدث عن السيادة السورية المنتهكة من قبلهم وعن دوره الوحيد في حماية الشعب السوري.

الطائفية والوجهة الثالثة لسلاح الحزب

النقطة التي كانت محل جدل بين النخب اللبنانية هي موضوع سلاح حزب الله الذي يتناقض مع حديثه عن دولة قوية، لأن أبسط أبجديات تعريف الدولة في العلوم القانونية والسياسية هي احتكارها للقوة وفرضها القانون، وقيامها بدور حماية المواطن من المخاطر الخارجية والداخلية، وسلاح حزب الله يتناقض مع هذا، ولتجاوز هذه الإشكالية كان الحزب يبرر امتلاكه للسلاح بأنه سلاح مقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وأنه دفاعي لن يوجه للداخل، وبعد تصريح حزب الله بدور الحزب في سورية فإنه أضاف مهمة جديدة أو وجهة ثالثة لسلاحه وهي حماية بلد آخر له سيادته أو يفترض ذلك،  فمنذ حرب 2006 أُغلقت الجبهة الإسرائيلية بشكل نهائي -حتى الآن على الأقل- بين حزب الله وإسرائيل، وفي سنة 2008 فتح الحزب الجبهة الداخلية، والآن انتقل إلى الجبهة السورية مخليا الجبهة الإسرائيلية.

والجديد في هذه الجبهة أنه انتقل من "المقاومة" والدفاع لحماية لبنان إلى الهجوم أو توسيع دوائر الدفاع على أسس شيعية وليست لبنانية رغم أنها مغلفة بهذا الغطاء، هذا إذا سلمنا جدلا بأنه يقاتل فقط في القرى الحدودية في القصير، ولكن هذه الحقيقة التي كان ينفيها الحزب في بدايات الثورة سرعان ما عاد ليؤكدها مؤخرا، ولن يكون غريبا أن يعود ويقر في وقت لاحق بتواجد الحزب في كل جبهات القتال، كما أقر بحماية مقام السيدة زينب.

وهذا يثبت طائفية الحزب التي حاول البعض نفيها عنه، بدليل مشاركته في النظام الطائفي اللبناني ولكن في إطار المقاومة ذلك لأنه لا يمكن أن تكون المقاومة طائفية. فهي في الجوهر مقاومة وطنية وفي السياق ذاته هي مقاومة قومية تتخطى الأصول الطائفية([4])، ولكن وكيل الولي الفقيه بدل أن يعمل على إلغائها في النظام اللبناني يريد في الحقيقة تعميمها في المنطقة كلها.

وكما بقراره تلطيخ يديه بالدم السوري وجرائمه في حق السوريين دق آخر مسمار في نعش اللبننة، فإن الحزب بتغييره وجهة البندقية من الصهاينة إلى السوريين ينسف أيضا كل ما جاء في الوثيقة الثانية من مساحيق تجميلية لأيدلوجيته الشيعية الطائفية، فالحزب ينطلق من أسس عقدية يستحيل النظر له من نافذة مغايرة لها، كما أثبت مدى تبعية النظامين السوري والعراقي للولي الفقيه الإيراني، وأكثر من ذلك فمشروع حزب الله ليس شرخا سنيا شيعيا وإنما محاولة لخندقة كل الأقليات في وجه عموم الأمة السنية، فإلغاء الطائفية من خلال الأقلية، في إطار تحالف الأقليات.

خلاصة

في وثيقته الأولى “من نحن وما هي هويتنا” عرّف فيها الحزب نفسه قائلا “إننا أبناء أمة حزب الله التي نصرَ الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد، نحن في لبنان نعتبر أنفسنا – وندعو الله أن نصبح جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف”.

هذا النص من الوثيقة الأولى أو الرسالة المفتوحة للحزب هو القراءة الحقيقة لحزب الله وفكره، والتي أثبتتها مواقفه وأعماله ضد الثورة السورية، يومها كان هامش التقية بفتوى من الخميني قليلا جدا للفورة والحماسة التي طبعت نظام الملالي حينها، عندما ظن أتباع ولاية الفقيه أنهم سيكتسحون العالم، وأن هذا زمنهم وزمن حضور مهديهم، ولكن الحرب الأهلية والتطورات التي شهدتها المنطقة وإيران نفسها، والمساءلة السياسية للحزب والتطور في وسائل الإعلام الذي عرّف عموم أهل السنة بحقيقة حزب الله والمعتقدات الشيعية دفعت الحزب إلى العودة إلى لحاف التقية والمناورة مرة أخرى.

 وربما كتب لهذه الخطوة النجاح النسبي، غير أن الفاصل الزمني القصير بين الإعلان عن الوثيقة وحركات الاحتجاج التي انتهت إلى ثورات شعبية سرعان ما انتقلت إلى سورية كشفت حقيقة الحزب مرة أخرى، ولكن السؤال الذي يطرح: ماذا بعد هذا؟ هل هي نهاية حزب الله أم أنه سينجح مرة أخرى في خداع الأمة؟؟

 



([1])  لتفاصيل أكثر أنظر: علي حسن باكير، ملاحظات أولية على وثيقة حزب الله السياسية2/2، مجلة الراصد، العدد 80، صفر 1431، على الرابط:

 http://alrased.org/main/articles.aspx?selected_article_no=4119

([2])  جمال عبد الجواد، وثيقة حزب الله السياسية. ما الجديد؟، الأهرام اليومي، 11/09/2009، على الرابط:

 http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=18068&eid=184.

([3])  أحمد الزعبي، قراءة في وثيقة حزب الله: حدود التلاقي والافتراق بين الانتماء الوطني والنزعة الإيديولوجية، جريدة المستقبل، العدد 3500،  03/12/2009، على الرابط:

http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=381575

 

([4])  مروان فارس، قراءة قومية في وثيقة «حزب الله»، على الرابط:

 http://ssnp.net/content/view/13490/

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق