الإنتاج الفكري العراقي في مواجهة التشيع (2)
الأحد 12 مايو 2013

 سعيد بن حازم السويدي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تناولنا في الجزء الأول أهمية الموضوع لاسيما في هذه الفترة ثم افتتحنا البحث بآثار ومؤلفات علامة العراق أبي المعالي الألوسي وتلميذه الأستاذ الأثري، واليوم نتوقف عند عَلَمين من أعلام الموصل لننظر في مساهماتهم:

3- محمود الملاح ... العلامة اللغوي والشاعر الأديب

ولد في الموصل سنة 1891م، ولازم شيخه العلامة عبد الله النعمة، أبرز علماء السلفية في العراق، والملاح من الأعلام البارزين في العراق، وإنما أحببنا تسليط بعض الضوء على إنتاجه المتميز ودوره الفريد وجهاده الفكري المستمر حتى وفاته عام 1969م رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة، فبرغم مكانته المتميزة بين الأدباء والشعراء وأهل اللغة، لكن الناظر في مؤلفاته المطبوعة يجد أنه تفوق أيضاً على كثير من علماء الدين وأهل الاختصاص بالمعارف الشرعية لاسيما في مجال التصدي للتشيع والفرق المنحرفة كالقاديانية والبهائية.

قومية الملاح: كان الملاح من رموز الاتجاه العروبي الذي يجمع بين الدين والقومية، غير أنه نبذ طريقة القوميين التقليديين في جمع الأمة وتوحيد صفوفها دون أي اعتبار لخطر الوجود الشيعي بخرافاته وجهالاته وخياناته، لذا رأى الملاح أنه لا بد من محاربة الأفكار الدخيلة والغزو الثقافي والدس في كتب الاعتقاد والتاريخ والأدب حتى يسلم للعرب تاريخهم وتراثهم بعيداً عن الدس الشعوبي والتدليس الشيعي، يقول الملاح: (إن اجتماع الأمة على ثقافة واحدة هو جُلّ مطلوبي وإن فاتتها السياسة الواحدة (والتي عليها مدار دندنة القوميين) لأن الأمة إذا حملت روحاً واحدة لا يضرها أن يحمل ساستها أرواحاً مختلفة، والوحدة إنما تتحقق بفهم الحقائق على وجهها، ومهما وقفت العوائق في سبيل الحقائق فسوف يكب العوائق على وجهها إيراد الحقائق على وجهها.

وإيراد الحقائق على وجهها موقوف على الجرأة والصراحة والتجرد من العصبية الحمقاء والتخلي عن المطالع والتضحية ببعض المنافع)([1]).

من هنا تميز الإنتاج الفكري للأستاذ الملاح حيث كان قلمه سيفاً فريداً ووحيداً في مواجهة التشيع، لأن التيار الديني في العراق والعالم الإسلامي كان في غالبه يسير في اتجاه (التقريب والتقارب مع الشيعة)، بحجة التصدي لأفكار الإلحاد والشيوعية، وهو ما دعاهم بشكل أو بآخر إلى التقارب مع الشيعة([2]) بغية توحيد الصف وحماية المجتمع من الغزو الفكري الهدام.

وكان رحمه الله واسع الاطلاع على كتب الشيعة، شديد المتابعة لكل ما يصدر عنهم من رسائل ومؤلفات وأخبار وتحركات ونشاطات، وفي الوقت ذاته كان متابعاً لما يصدر عن السنة المتساهلين الذين نعتهم بـ(المائعين)، فهو يرصد الغزو الشيعي من جهة، والتراجع والتخاذل السني من جهة أخرى، وهذا مما دفعه للوقوف بحزم والمرابطة على هذا الثغر لإيقاظ الغافلين وتنبيه الجاهلين من أبناء وطنه وأمته، ومن أهم مؤلفاته في هذا الشأن:

1- الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد.

2- الرزية في القصيدة الأزرية.

3- تحذير المسلمين من المتلاعبين بالدين.

4- حجة الخالصي: مناقشة الخالصي في بعض آرائه.

5- تعليقات وحواشي على كتاب ابن سينا.

6- تشريح شرح نهج البلاغة.

7- حقائق ودقائق في مقدمة ابن خلدون.

8- البابية والبهائية.

9- الآراء الصريحة لبناء قومية صحيحة.

10- تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب.

11- المجيز على الوجيز.

12- نظرة ثانية على مقدمة ابن خلدون.

وللملاح رسائل لم تنشر بعد، بالإضافة إلى مقالاته في صحيفة السجل، وصحيفة الفتح، فضلاً عن رسائله وتعليقاته التي عزم على إخراجها ولم تصلنا.

منهجه: يلاحظ على آثار الملاح ومؤلفاته ما يلي:

1- قوة العبارة ومتانة الألفاظ وجودتها، فهي اللائقة به كأديب وشاعر ومحقق لغوي، وباحث واسع الاطلاع والنظر.

2- اللغة والتعابير الساخرة التي يعتمدها للنيل من خصمه وفضحه والتعريض بمخازيه وتناقضه وتهافت حُججه وسقوط شبهاته، فالقارئ للملاح لابد له من إلمام جيد بموضوع الخلاف بين المسلمين والشيعة حتى يتسنى له فهم مراد الملاح ومقصده من بعض المفردات والمفاهيم التي تختزل علما كثيرا وخبرة واسعة.

3- شمولية الطرح: فردود الملاح تحيط بالموضوع من كافه جوانبه النظرية والواقعية، الدينية والسياسية والتاريخية.

4- سعة الاطلاع: فمن يطالع فيما دوّنه الملاح يجد بين يديه مكتبة من المؤلفات والرسائل الشيعية والسنية (القديمة والمعاصرة) التي نظر فيها الملاح ونقل منها أو علّق على بعض ما فيها أو نقد شيئا من أفكارها.

فالملاح ليس مجرد مثقف عروبي جرّد قلمه للدفاع عن دينه وتراث أمته، وإنما هو بحاثة محقق وخبير مدقق لا يقل شأنه عن ذوي الاختصاص والمعرفة بعلوم الشريعة ومسائل الدين ومباحثه الدقيقة، وعباراته تدل على خبرته وعمق معرفته بمكائد الشيعة ودهاليزهم في الالتفاف والخداع والدس والتسلل.

يقول الملاح: (إن العالم الشيعي مهما كَبُر لا يخرج عن دائرة الروزخون في تفكيره)([3])، والروزخون: هو خطيب ما يعرف بالمنبر الحسيني الذي يقرأ رواية مقتل الحسين ويستعرض المظالم المزعومة التي تعرض لها أهل البيت ليهيج عاطفة الجهلة العوام.

ويقول أيضاُ: (كنت أظن ابن مطهر على شيء من دقة النظر لما بلغني أنه كان يصارع ابن تيمية في ميدان المناظرة فلما وقفت على طرز كتابه هذا (إثبات الوصية) تبين لي أن بعض الحجا مقتطع من الحجارة (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء).. ولا عجب من شيعي أن يكون أديباً وشاعراً لأن الأدب والشعر سمة للشيعة لترجيحهم جانب العاطفة في التنشئة الأولى)([4]).

الملاح ومقاومة الغزو الفكري الشيعي

تكشف جهود الملاح المتميزة عن بُعد نظر وحسن إدراك ووعي للمشكلة، لكنه وعي جاء متأخراً، حيث يقول: "وجدنا ذلك (يعني سب الصحابة والتعريض بذمهم) في جريدة كانت تصدر في العراق قبل عشر سنين لشيعي أبوه مجتهد كبير، ومن هنا تعلم إنّ "التحرش" (يعني الهجوم الشيعي) قديم ولم ننتبه له إلا بعد أن طمي السيل"([5]).

كان الملاح يتابع كل خبر أو مقال أو كتاب يصدر حول الفرق والنحل لاسيما التشيع فيرصد ما يكتبه الفريقان (السنة والشيعة) ثم يدون تعليقه إما بمقال أو مصنف صغير أو رد وافٍ، وكانت جريدة السجل لصاحبها الأستاذ الفاضل طه الفياض العاني رحمه الله هي الساحة الأولى التي يستعرض فيها الملاح إبداعه الفكري وتميزه ودقة نظره وعمق تجربته.

حرص الملاح على إيصال رسالته إلى كافة مكونات المجتمع الإسلامي على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، كالأزهريين والصوفيين والعلمانيين؛ فقد أورد مناقشةً جرت بينه وبين أحد الصوفية في كتابه "المجيز على الوجيز"، كما حذر من خطورة "دار التقريب" في القاهرة محذراً الأزهريين وعلماء مصر من عواقب بقائها.

كما كتب مخاطبا حكام تركيا العلمانيين قائلا: (ولا يزال في تركيا اليوم رواسب باطنية برغم الانقلاب الكمالي، ونسمع عن بعضهم أشياء ربما كانت الحكومة التركية غافلة عنها باعتبارها علمانية! ونرى من مصلحة الحكومة التركية أن تفتح أعينها برغم علمانيتها، وأن تنوط التهذيب الديني بعلماء مدركين كيلا يكون لتسويلات الباطنية منافذ في الشعب التركي العزيز، فقد بلغنا أن في تركيا اليوم مشعوذاً معلوماً يروّج بين الطبقة الغافلة (صاف دل) سلع الباطنية البائرة، ستكون رأس رمح في المستقبل، ولا يغر الحكومة مبدأ (حرية العقيدة) إذ ليست كل عقيدة تستحق الحرية، لاسيما إذا كانت غطاء لأغراض باطنية فهي بمنزلة جمعية سرية تغذيها جمعيات سرية من قريب أو بعيد)([6]).

التصدي لمكر التقريب المزيف

حرص الملاح في كثير من مؤلفاته على فضح محاولات التقريب التي يقوم بها الشيعة، والتي كان يرى فيها محاولات للتخدير بغية نشر الفكر الشيعي وتشويه الحقائق وطمسها.

وكان يتوجه بالنداء المحذر والنذير المتكرر إلى أعلام الأزهر، يقول الملاح: (متى يدرك المغفلون أن هذه النجاسات (بعد أن سرد نماذج من غلو الروايات الشيعية) لا يشتغل بها قلب طاهر؟ ومتى يقنع أدعياء "الوحدة الإسلامية" أن مخازيهم قد افتضحت فلا سبيل إلى تصديق دعاويهم ولا الاستماع إلى دعاويهم؟ والإشكال ليس هنا، بل الإشكال في العمائم المتدحرجة إلى دار التخريب

فلو أن دائي من حبيب مقنع               عُذرت، ولكن من حبيب معمم

فأرشدكم الله يا أمثال أبي زهرة ومحمد عرفة، فقد أصبحت عناوينكم ماركة معارة لترويج بضاعة (المغارة) فمتى تستيقظون)([7]).

ويقول أيضاً: (من هذا الباب (يعني التقيّة) فتك (فحل التقريب) – ولعله يقصد الخالصي- في فحول أهل مصر! فمنهم من قضى نحبه كالشيخ عبد المجيد سليم وعلي علوبة باشا والقليبي ومنهم من ينتظر كبعض كبار العلماء، وسوف أتعقبهم حتى يعلنوا براءتهم من دار التقريب)([8]).

 ويركز الملاح على محاولات المرجع محمد مهدي الخالصي الذي تظاهر برفض بعض البدع الشيعية وأظهر الترضي عن الشيخين ودعا إلى الوحدة والاجتماع، واغتر به بعض أهل السنة، فكان الملاح له بالمرصاد لاسيما في كتابه "الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد".

وفي بعض مؤلفاته كان الملاح ينعت الخالصي بـ (دجال مدينة الجهل)، يعني بذلك مدرسة "مدينة العلم" التي كان يرأسها في الكاظمية ببغداد، كما نعته في بعض المواضع بـ(ابن مطهر عصره) باعتباره داعية إلى التشيع كحال ابن المطهر الحلّي صاحب كتاب "منهاج الكرامة" الذي ردّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القيم (منهاج السنة).

الملاح وتهمة "الطائفية": عانى الملاح مما يعاني منه المتصدون للتشيع في زماننا من الاتهام بالطائفية وإثارة النعرات المفرقة، ولذلك كتب موضحاً ومبيناً: (إنما يهمنا أمر الطوائف التي لها بيننا دعاة كالاثنا عشرية والبهائية والأحمدية المنتمية إلى غلام أحمد القادياني، ولهؤلاء وسائل ماكرة قولية وعملية وتحريرية، ولذلك لا ينبغي حمل عملنا على التحرش ولا وصمنا بالطائفية؛ لأنا مدافعون والدفاع حق شريف)([9]).

تغييب الملاح: يقول الأستاذ أحمد دهش النعيمي: (لقد غُيّب الملاح كآخرين مثله نالهم ما ناله من التغييب عن الساحة الأدبية والفكرية في حياته وبعد مماته والتي وسّعت لكثير من العراقيين، وكذلك للكثير من القادمين من المجهول وكبروا باسم العراق ونالوا مباركته بشتى الوسائل و"ملاحنا" كان بعيداً عن كل الوسائل سوى وسيلة الصدق بالحق التي لا تروق للكثيرين فهو بعلمه ملاح سفينة قد سافر في عبابه والآخرون يجدفون في زوارق لا يتعدون المياة الضحلة قرب الساحل وشتان، وقد قيل قديماً: إن البغاث في أرضنا يستنسر)([10]).

4- عبد المنعم الغلامي .... النسّابة والمؤرخ الموصلي

ولد في الموصل عام 1899م، في أسرة عرفت بالعلم والأدب، فوالده العلّامة محمد سعيد الغلامي، وأخوه الأكبر "محمد رؤوف الغلامي" من مثقفي الحركة الوطنية المناهضة للإنكليز.

كان الغلامي وأخوه "محمد رؤوف" من رموز التيار السلفي المعروف آنذاك بالإصلاحي (الذي يجمع بين الاتجاه الديني والقومي)، وقد تبنى هذا الاتجاه عدد من أعلام الموصل منهم (قاسم الشعار ومحمود الملاح وداؤد آل زيادة ونشأت المفتي وفاضل الصيدلي وضياء يونس وحسين النعلبند ورؤف الشهواني وغيرهم)([11]).

من مؤلفاته في هذا الباب: بقايا الفرق الباطنية في الموصل. 



[1]  - الوجيز، ص 4.

[2] - يراجع ما كتب عن نشاط الإخوان المسلمين في تلك الفترة: الإخوان المسلمون في العراق لمحسن عبد الحميد، الإخوان المسلمون في العراق لإيمان عبد الحميد الدباغ، صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق لمحمد محمود الصواف، أمجد الزهاوي: عالم العالم الإسلامي لكاظم أحمد المشايخي.

[3] - المجيز على الوجيز، ص 105، هامش.

[4]- الرزية في القصيدة الأزرية ص 79.

[5]  - المجيز على الوجيز، ص 84 هامش 1.

[6]  - المصدر السابق، ص 110.

[7]  - المصدر السابق، ص 78-79.

[8]  - المصدر السابق، ص 99 هامش 1.

[9]  - المصدر السابق، ص 87.

[10]  - ديوان الملاح، جمعه: أحمد دهش النعيمي ص 19.

[11]  - موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين للأستاذ عمر الطالب.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق