السياحة والفن والإعلام .. إيران والحرب الناعمة
الأحد 12 مايو 2013

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

على الرغم من أن قادة الدولة الإيرانية الشيعية لم يستبعدوا مطلقا استخدام القوة الخشنة في تصدير مبادئ ثورتهم الخمينية التي وقعت عام 1979م إلى بعض البلدان العربية والإسلامية المجاورة للدولة الإيرانية سواء كان ذلك بدعم بعض الحركات الموالية لهم أو المتعاطفة مع مبائ هذه الثورة إلا أنه بقي أن شعار هؤلاء القادة هو "ما لا يمكن أن تحققه بالقوة يمكن أن تحققه بغيرها" فبدا أن هذا هو النهج الأصلي والثابت لديهم خاصة وأن كل نماذج استخدام القوة الخشنة أثبتت عدم جدواها بل على العكس كان لها آثارها السلبية على إيران وما تريد أن تصدره.

فالحرب الإيرانية العراقية التي استمرت لثماني سنوات متتالية (1980 – 1988م) كانت سببا في اصطفاف عربي إسلامي ضد إيران بغض النظر عن صاحب الحق في القضية التي اندلعت بسببها الحرب إذ استشعر العرب أن إيران ساعية إلى إثارة التوتر والقلق في المنطقة وأن حربها مع العراق ليس إلا بداية لسلسلة من نزاعات إقليمية تنوي أن تشنها لتحقيق طموحاتها الشعوبية التوسعية والتي تسخدم فيها الإسلام ستارا لتحقيق مآربها وهو التفسير الذي أيدته سياسات إيران سواء فيما يتعلق بالجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) أو في البحرين.

كذلك فقد كانت تجربتها الأخيرة في اليمن نموذجا يؤكد لها أن القوة ليست هي الحل وليست السبيل الأمثل لتحقيق ما تريد، فعلى الرغم من حالة الاستياء التي سادت الشعب اليمني ضد قيادته آنذاك المتمثلة في الرئيس علي عبد الله صالح وعلى الرغم أيضا من عدم القبول التام لصالح لدى الشعوب العربية والإسلامية إلا أن الرئيس اليمني لاقى كل الدعم من شعبه ومن الشعوب العربية والإسلامية في مواجهة التمرد الحوثي عندما استشعر الجميع خطر نجاح هذا التمرد الذي لم يكن إلا شوكة أرادت إيران أن تضغط بها على بلدان الخليج عامة والمملكة العربية السعودية خاصة.

في هذا السياق فقد أدركت طهران أن القوة الناعمة هي الطريق الأفضل الذي يجب أن تسلكه، فالقوة الناعمة ووفق التعريف الاصطلاحي لها تعني (أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره كما يطلق هذا المصطلح على وسائل الإعلام الموجهة أو ما يسمى بالإعلام الموجه لخدمة فكر ما)، وتعتبر القوة الناعمة من أفضل الأسلحة السياسية العسكرية إذ أنك تستطيع السيطرة على الآخرين وأن تجعلهم يتضامنون معك دون أن تفقد قدراتك العسكرية. ومن ثم فإن سلوك هذا الطريق سيوفر على إيران الكثير من التضحيات التي تقدمها في حال استخدمت القوة الخشنة، وفي ذات الوقت فإن النتائج المتحققة جراءها ستكون أفضل بكل تأكيد سواء على المستوى السياسي وهو ربما الأهم أو على المستوى الفكري والعقائدي الذي ليس إلا وسيلة لتحقيق فكرة الولاء والتبعية لقيادات قُم.

وتحركت الدولة الإيرانية الشيعية على مستويات عدة في حربها الناعمة للنفاذ إلى عقل وقلب المواطن العربي المسلم السني حيث حددت المستوى الذي تتحرك بشأنه وفق الظروف والملابسات السياسية التي تمر بها المنطقة فضلا عن التطورات التكنولوجية الحادثة في المعمورة فما أن حدثت ثورة الاتصالات الهائلة وأصبح بإمكان أية دولة في العالم أن تبث قنوات فضائية ناطقة بأية لغة حتى سارعت إيران إلى أن تبث عددا من القنوات الفضائية الناطقة باللغة العربية والتي تحتوي مضمونا فكريا وثقافيا ومعلوماتيا موجها للمواطن العربي وفق الرؤية والنظرة الإيرانية.

ولم تكتف إيران بذلك بل إنها أوعزت أيضا إلى الأحزاب الشيعية في بعض البلدان العربية وخاصة العراق لكي تبث قنوات فضائية تعبر عنها لنشر أفكارها التي تصب في نفس الاتجاه الذي تريده إيران.

والحقيقة أن إيران نجحت إلى حد كبير في خطتها حيث تمكنت من استقطاب قطاع عريض من المشاهدين العرب الذين وجدوا في بعض القنوات الشيعية ما لم يجدوه في غيرها من القنوات العربية التي وبكل أسف التزمت في شكلها ومضمونها وحتى سنوات قريبة بالتقاليد الغربية للإعلام فحرمت المشاهد العربي من وجود وسائل إعلامية تتوافق مع ثقافته ورؤاه إذ كان يصعب مثلا أن تشاهد مذيعة محجبة في إحدى هذه القنوات العربية.

وكان هذا النهج بمثابة دس السم في العسل حيث كانت هذه القنوات بشكلها المقبول إسلاميا أداة للنفاذ والاختراق وإثارة القضايا الكلامية والعقائدية لإفساد عقائد أهل السنة فضلا عن الترويج والدعاية للمواقف السياسية الشيعية ما كان له نتائجه السيئة بعد أن ساهمت هذه القنوات في نشر التشيع في عدد من البلدان السنية ومن ذلك مثلا المملكة المغربية.

كما كان لهذه القنوات أثرها في تبني العديدين لنفس الرؤى السياسية الإيرانية فاتسعت دائرة المدافعين عن القيادة الإيرانية بعد أن أشاعت أنها النموذج الممانع الأفضل للإمبريالية الغربية وبعد أن أوهمت الجميع بأنها الحصن الحصين المدافع عن المقدسات الإسلامية وخاصة المسجد الأقصى الذي يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني منذ عقود.

وقد أحسنت الدولة الإيرانية استغلالها لأزمتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي فضخمت إعلاميا تدهور علاقاتها بالغرب وأنها مستهدفة كونها تقف بالمرصاد ضد الهيمنة الغربية وهو ما لمس أوتار مشاعر العرب السنة الذين يطمحون إلى قوة تقودهم لتحقيق الاستقلال خاصة وأن القوى السنية في غيبة تامة عن تحقيق مثل هذه المواجهة غير أن هذه القنوات تناست أو ربما تجاهلت ازدواجية السلوك السياسي لإيران في التعامل مع قضايا العرب والمسلمين ففي الوقت الذي تزعم ما تزعمه من أنها القوة الممانعة إلا أنها تتحالف مع أمريكا في غزو العراق وأفغانستان، وفي الوقت ذاته تواصل احتلالها للجزر الإماراتية وتدعي حقها في البحرين وتثير القلاقل في اليمن وتدعم الرئيس السوري بشار الأسد في قتل وذبح أبناء الشعب السوري وتدعم الميليشيات الشيعية في العراق وغير ذلك الكثير وهو ما يعني أن هذه القنوات تقوم بدور التزييف للحقائق واللعب بالعقول.

ومن بين أساليب الحرب الناعمة التي لم تتردد إيران في استخدامها هو استغلال تفوقها في مجالي السينما والدراما في الوقت الذي يشهد فيه هذان المجالان تراجعا شديدا في البلدان العربية بعدما أصبح تحقيق المكسب المادي السريع هو المحرك الأساسي للقائمين عليه ما كان سببا في إنتاج ضعيف للغاية لا يهتم لا بالمضمون ولا بالشكل وهو ما أوجد حالة من إحجام المواطن العربي عن متابعة ما ينتج عربيا والبحث عن منتج آخر أكثر جودة.

ويفسر ذلك انتشار ظاهرة دبلجة المسلسلات المكسيكية ومن بعدها التركية وأخيرا المسلسلات الإيرانية التي وجدت قبولا ليس بالمستغرب في ظل ما ذكرناه لدى المشاهد العربي الذي ملّ من سذاجة وتهافت المنتج العربي.

وبالطبع ليس من المنطق أن يكون جلّ انتقادنا وإبداء تخوفاتنا من دبلجة المسلسلات الإيرانية، بل إن الموضوعية تقتضي أن نحذر ونعرب عن هواجسنا من نقل ثقافة الآخرين دون رقابة حقيقية وجادة على ما ينقل خاصة إذا كانت هذه الثقافات وما تتضمنه من أفكار وقيم مخالفا ومتعارضا مع القيم الإسلامية الثابتة الأمر الذي يهدد الأمن المجتمعي العربي ويحقق من حيث لا ندري حالة من الضعف والتفكك داخل هذه المجتمعات.

فالواجب يدفعنا ويدفع كل المخلصين للتحذير من هذه النوعية من الأفلام والمسلسلات (الأجنبية – التركية – والإيرانية) على السواء والتي يتم دبلجتها باللغة العربية أو بلهجات بعض البلدان العربية لتقديمها سهلة ميسرة للمشاهد العربي، وقد احتوت ما احتوت عليه من كوارث أخلاقية وسقطات فكرية يتشربها المشاهد وخاصة الشباب والأطفال بلا وعي ليكون المحظور مباحا أو على الأقل يقابل بما لا يليق به من الاستياء والاستهجان والرفض.

والخطورة التي تمثلها الأعمال الفنية الإيرانية لم تعد أمرا خافيا على المواطن العربي خاصة وأن الكثيرين قُدر لهم أن يطلعوا على بعض هذه الأعمال وما تخللتها من إشكاليات تتعلق بالطائفية ونشر أفكار التشيع عبر موضوعات وقصص ترتبط بالأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام أو ببعض الصحابة رضوان الله عليهم.

ولا يقلل من خطورة هذا قول القائلين بأن مثل هذه الأفكار الشيعية احتلت مساحة صغيرة داخل هذه الأعمال وهو قول مردود عليه إذ أن هذا النهج هو عين الحرب الناعمة التي لا تستهدف إحداث صدمة قوية، ما يوجِد حالة من رد الفعل القوي لمواجهتها وإنما ما يراد هو الاختراق البطيء الذي يتحسس خطواته فلا يثير رد فعل يصعب من المهمة بل ويعقدها.

كما أن من الواضح أن الخطة الإيرانية تستهدف الأجيال الشابة التي بدا أن حالة الانبطاح التي تعيشها أغلبية البلدان السنية فضلا عن حالة الحراك السياسي التي تشهدها بلدانهم جعلتهم يتطلعون لنماذج أكثر راديكالية ومن ثم فإن إيران تقدم نفسها باعتبارها هذا النموذج، فهي التي تدعم الأحزاب والجماعات المنتفضة ضد الفساد والاستبداد، وهي التي تقف ضد أمريكا وأوروبا، وهي التي تتحدث عن نهاية الكيان الصهيوني وتحرير المسجد الأقصى، وهي التي تحاول أن تقدم فنا راقيا يعكس القيم والأخلاقيات الإسلامية والذي استطاع نظرا لتقنيته العالية وإخراجه المتميز أن يكون منافسا قويا لصناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.

لم يكن إذن من السهل أن تحجب المشاهد العربي عن متابعة ما تقدمه إيران من أعمال سينمائية أو درامية فهو الشر الذي أصبح مفروضا على المشاهد العربي وهو ما جعل إيران تتمسك بالمسألة تمسكا شديدا للغاية حتى اعتبرت أن التعاون الفني بينها وبين بعض البلدان العربية أقصى طموحاتها وهو ما يفسر الزيارات الأخيرة التي قامت بها وفود فنية عربية خاصة من مصر لزيارة إيران وبحث سبل التعاون بين البلدين بالتزامن مع الضجة السياسية والإعلامية التي أثيرت مؤخرا حول قضية فتح الباب للسائحين الإيرانيين في مصر ومدى ما يمثل هذا من خطورة على مصر وهو ما يؤكد أن إيران غير آبهة بما يحدث، فهي عازمة على الاستمرار في طريقها وطرق أبواب كل أساليب الحرب الناعمة بل والسير في كل الطرق في خطوط متوازية لا يشغلها أن تفشل أو تتعثر في أحدها، المهم أن تحقق ما تريد.

وبالطبع لم تكن إيران لتنجح وتخطو خطوات ثابتة في ذلك لولا أنها تلقى دعما ومساعدة من أطراف سياسية وفكرية استغفل بعضها واستدرج لأن يكون مجرد أدوات مساعدة لتحقيق الطموح الإيراني التوسعي فيما كان يتحرك البعض الآخر عن وعي وإدارك بحقيقة ما يتم وقد وقعوا في براثن الإيمان بهذا المشروع.

فما تشهده بلدان الربيع العربي في المرحلة الحالية من محاولات للانقلاب على السياسات السابقة الخاصة بقيادات هذه البلدان هو الفرصة السانحة أمام طهران إذ هي واحدة من القوى المستفيدة حيث كان الموقف المصري مثلا زمن المخلوع حسني مبارك من طهران موقفا غير منسجم مع تطوير علاقات البلدين وهو ما كان مرضيا لقطاعات شعبية في حين رفضته أخرى كونه ليس نابعا من منطلق المصلحة المصرية العليا بقدر ما كان استرضاء للولايات المتحدة في إطار سياسات التبعية التي كانت تعيشها القاهرة في عهد مبارك ومن ثم فقد حرصت وما زالت بعض القوى السياسية على أن تغير من نهج التعاطي مع الدولة الإيرانية بما يعمل على التقريب بين البلدين وهو نهج بالحسابات السياسية صحيح مائة في المائة إذا كان قائما على أسس تبادل المصلحة المادية وأن يعمل كل بلد على حماية نفسه ضد محاولات أي طرف من الأطراف يسعى لإحداث تغييرات تضر بصالح البلاد والمواطنين. ومن ثم فإن مثل هذه الملفات يفترض أن توكل إلى من هم حريصون ولا أقول متطرفون في الحرص على المصالح العليا للبلاد وأن لا يترك لمن يعرف عنه تساهله أو ميله بعيدا عن هذه المصالح وهو ما يدفعنا إلى إبداء التساؤل بل والاستنكار عن قيام وفد صوفي مصري بقيادة المستشار محمد الدمرداش العقالي – الشيعي - مستشار وزير الإعلام بزيارة إلى طهران والذي كان من بين ما ناقشه هو موضوع "دبلجة" المسلسلات والأفلام الإيرانية باللهجة المصرية وعرضها على شاشات التلفزيون المصري دون وضع أية اعتبارات أو معايير تراعي مصالح المصريين.

وهنا يجب أن نشير إلى أن الحديث الذي طالما تطرق إلى فكرة التقريب بين السنة والشيعة أو بين البلدان العربية وإيران ركز وباستمرار على قبول المسلمين السنة بما هو عليه الشيعة أو أن يرحب العرب السنة بالنهج السياسي لإيران وأن يقبلوا بكل ما تتحدث فيه وعنه دون نقاش أو انتقاد حتى لو كان كل ذلك على حساب المصالح العربية أو على حساب المسلمين السنة بمعنى أن السنة يجب أن يقبلوا بالمشروع الطائفي في العراق، وأن يقبل السنة في لبنان بمشروع بقاء حزب الله دولة مع الدولة، وأن يقبل العرب باحتلال الجزر الإماراتية وأن يقبلوا بفكرة أن البحرين المحافظة رقم 28 لإيران، وأن يقبلوا بالتدخلات الإيرانية في المملكة العربية السعودية واليمن وغيرهما.  

إذا كان هؤلاء موضوعيين فعلا في ما يدعون إلى تحقيقه من تقارب فإن الأصل أن يتم طرح كل الأوراق للنقاش وأن يكون الحديث بمنتهى الشفافية والإنصاف وأن ترفع إيران يديها عن التدخل في الشئون العربية وشئون المسلمين السنة وأن تتوقف عن تكرار تاريخ الدول الشيعية التي كانت لا تعدو عن كونها شوكة في حلوق الدول السنية حيث كان توسعها دائما على حساب أهل السنة وما ذكر لنا التاريخ أبدا أن دولة شيعية قامت بعمل توسعات أو فتوحات إسلامية تجاه بلدان غير إسلامية. وفي الدولتين الصفوية التي دخلت في حروب متعددة مع الدولة العثمانية ومن قبلها الدولة الفاطمية التي دخلت في حروب مع الدولة العباسية دليلان يؤكدان على ذلك.

ولا يمكننا أن نتغاضى في هذا السياق عن نقطة طالما أثارت الكثير من الجدل ترتبط بمدى خطورة الأعمال الفنية الإيرانية التي تحاول كما أشرنا أن تحدث حالة اختراق للذهنية السنية وتقفز فوق الكثير من المحرمات التي يجب أن لا يتم الاقتراب منها وفق منهج السنة الذين تفرض عليهم عقيدتهم إبداء الإجلال والتوقير لأنبياء الله تعالى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وتبدي أيضا توقيرا شديدا لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما ارتبط بقضية تجسيد الأنبياء والمبشرين بالجنة والخلفاء الراشدين.

ويستفزنا في هذا المقام تلك التصريحات التي أدلى بها الطاهر الهاشمي الأمين العام للطريقة الهاشمية وعضو الوفد الصوفي الذي زار طهران حيث أكد أن القصص القرآني بتجسيد حياة الأنبياء والرسل يؤكد جواز العرض التجسيدي لهم في التمثيل الدرامي مضيفا أن الوصف الإلهي لما حدث لنبي الله يوسف عليه السلام من حوار ونقاش بينه وبين أخوته وبين أخوته وأبيهم ومسيرته إلى مصر هو جانب تجسيدي يجعل تصويره دراميا مقبولا وجائزا.

ولا أعرف على أي أساس استند الهاشمي في فتواه بجواز هذا التجسيد على الرغم من أن رأي الأغلبية من علماء السنة إن لم يكن جلهم هو القول بمنع وتحريم هذا التجسيد إذ ووفق العشرات من الفتاوى الصادرة عن علماء لأهل السنة فإن مثل هذا التجسيد يعد فعلا محرما لا يجب الاقتراب منه.

ومن ذلك ما أصدره الشيخ محمد بن عبد الله الإمام الذي قال إن من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله فضل الأنبياء والرسل على سائر عباده المؤمنين وأوليائه المقربين بالبعثة والرسالة إلى أقوامهم وأيدهم بالمعجزات وعصمهم من الكبائر والمنكرات وجعل المساس بهم بأي أذى أعظم من المساس بأتباعهم وخلفائهم قال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهينا} [الأحزاب: 57] فحكم سبحانه على مؤذي رسولنا باللعن في الدنيا والآخرة، وتوعده بالعذاب المهين والجزاء من جنس العمل، فإن المؤذي لنبينا مستهين به ومستخف به، فكان العذاب المهين جزاء هذا العمل وهكذا الحكم في سائر الأنبياء والرسل لأن حرمتهم مثل حرمة نبينا.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري ومسلم، وهكذا من كذب على سائر الأنبياء والرسل.

ألا وإن من المؤاذاة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام تمثيلهم، لأن التمثيل لهم ينافي تعظيمهم وتوقيرهم وإجلالهم، قال الله: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقّروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: ٩] وهكذا يجب تعظيم سائر الأنبياء، فإن تعظيمهم من تعظيم الله، وحقهم تابع لحق الله، وتمثيل الأنبياء ظهر في عصرنا على أيدي شرذمة من اليهود والنصارى، ومعلوم أن اليهود والنصارى قد أساؤوا إلى أنبياء الله ورسله بإساءات كثيرة، قديماً وحديثاً، إساءات اليهود أكثر وأقدم وأمكن، وحصل مؤخراً أن تلقف تمثيل الأنبياء والرسل شذاذ من المنتسبين إلى الإسلام فحاولوا القيام بذلك، فما أن علم أهل العلم بهذا إلا وقاموا بما أوجب الله عليهم من بيان الحكم الشرعي على التمثيل المذكور، ومن ذلك:

أنه لما تم توقيع عقد بين الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي وممثلي بعض الحكومات العربية على إخراج فيلم بعنوان (محمد رسول الله) تصدى لذلك هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فأصدروا قراراً بتحريم إظهار هذا الفيلم، مع بيان بعض المفاسد في ذلك، كما أفتت بحرمة هذا العمل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

وقبل فتوى هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة أفتى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة بعدم جواز ذلك، كما قام المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بتحريم العمل المذكور، وصدر أيضاً قرار من المنظمات العالمية الإسلامية يستنكر استنكاراً شديداً محاولة إخراج هذا الفيلم.

فهذا إجماع من علماء المسلمين على تحريم تمثيل رسولنا عليه الصلاة والسلام، وهو شامل لتحريم تمثيل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن وُجد من يخالف هذا فلا عبرة بقوله، ولا مجال لقبوله.

وكل من ذكرنا فتواهم وقراراتهم آنفاً ينصّون فيها على تحريم تمثيل الصحابة، وبعضهم يزيد قرابة الأنبياء والرسل، فيكون تمثيل الصحابة وآل بيت النبوة أمراً مجمعاً على تحريمه، فليُعلم هذا.

ومبنى هذا التحريم على ما عُلم من المفاسد في التمثيل المذكور، فإنه يشتمل على مفاسد كثيرة ومنها:

* المخالفة لحكمة الله في منع شياطين الجن من التمثل بالرسول عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في الحديث المتواتر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالحكمة في هذا المنع صيانة شخصية رسولنا عليه الصلاة والسلام من أن تكون محل عبث ولعب وغير ذلك. فالممثلون له منتهكون لهذه الحكمة العظيمة.

* أن التمثيل للأنبياء والرسل كذب عليهم في شخصياتهم وأفعالهم وأقوالهم، لأن الممثل تقمص شخصية النبي الكريم، وقام بحركات قولية وفعلية زاعماً أنها حركات للنبي المُمَثل به وهذا كذب لأن الشخصية والحركات هي للممثل، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن محاكاة الشخص (وهي الفعل مثل فعله والقول مثل قوله) كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذهبت أحكي امرأة أو رجلاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: (ما أحب أني حكيت أحداً وأن لي كذا وكذا أعظم ذلك).

فكيف بمن يتقمص شخصية النبي بحيث يرى المشاهدون أن هذا هو النبي الفلاني، ألا ساء ما يفعلون!!

* ومنها أن التمثيل هذا فيه تنقص للأنبياء والرسل واستخفاف بهم، حيث يظهرهم الممثلون بمظاهر لا تليق بهم: من اختلاطهم بالنساء غير المحارم وسيرهم على عادات وتقاليد الناس في الزواج غير ذلك كما ظهر ذلك جلياً في مسلسل (يوسف الصديق) في قناة الكوثر الإيرانية.

فلما كان التمثيل مشتملاً على الاستخفاف والتنقّص للأنبياء والرسل لم يكن صادراً إلا من كفار، أو ممن يتشبه بهم، ويقلدهم من منافقي المسلمين وسقطهم، فكيف لو كان هؤلاء السقط أجراء لجهات حاقدة على الأنبياء والرسل كالماسونية وغيرها! وكيف إذا كانوا متاجرين بهذا التمثيل! أيتاجر بأنبياء الله ورسله؟!! قاتلهم الله أنى يؤفكون.

* ومنها أن التمثيل المذكور يفتح أبواباً من الطعن في الأنيباء عند بعض المشاهدين والسخرية منهم وبعضهم يتندر بهم على جهة الجد أو المزاح واللعب، وكل هذا منذر بشرٍّ عظيم، قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [ التوبة: ٦٥ – 66].

فلم يعذر الله من وقع في شيء من الخوض في حق نبيه بطريق المزاح واللعب، فالممثلون لا يخرجون عن أن يكونوا في تمثيلهم للأنبياء والرسل ما بين جاد ولاعب، وهكذا بعض المشاهدين فليتنبه الممثلون والمشاهدون لعواقب فعلهم هذا.

* حصول الغلو في بعض الأنبياء والرسل، كتمثيل بعض الممثلين لعيسى بن مريم لغرض الغلو فيه بإظهاره بمظهر الربوبية، ومعلوم أن الإسلام حرم تصوير الأنبياء والصالحين حتى لا يُتخذوا آلهة يُعبدون من دون الله، إلى غير ذلك من المفاسد..!!

ومن المعلوم أن القاعدة الشرعية في التحريم عند أهل العلم أن الشريعة لم تحرم شيئاً إلا لما فيه من الضرر المحض، أو لما فيه من الضرر الغالب.

وقد بان بهذا الإيضاح عظيم الضرر والفساد في العقيدة والعبادة وفي الدين والدنيا بسبب هذا التمثيل.

ألا وليعلم المسلمون أن انتهاك حرمة الأنبياء والرسل انتهاك لحرمة أتباعهم وخلفائهم لأن المنتهك لحرمتهم يسهل عليه الطعن في أتباعهم بقوله: (أنتم تعظمون الأنبياء وتحذرون من المساس بهم وتتبعونهم وفيهم وفيهم من أمور التنقص والعيب) فعلى الأمة الإسلامية كافة أن تقوم بواجبها الشرعي في الذب عن الأنبياء والمحافظة على مكانتهم والوقوف ضد من يتعرض لهم بشيء من الإيذاء خصوصاً في هذا العصر الذي ظهر فيه الإلحاد واستطار شره في عالم المسلمين، وانتشاره في بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها، فإن تساهل الأمة فيما ذكرنا يسبب ازدياد القدح والطعن فيهم، وليس للأمة أن تتنازل عن موطن الدفاع عن جميع الأنبياء والمرسلين، كلٌ حسب قدرته واستطاعته.

وعلى حكام المسلمين الواجب الأكبر في الدفاع عن الأنبياء والرسل، وعن الصحابة والقرابة، وعليهم أن يحيوا الدفاع التي كان عليها ولاة الأمر من أسلافهم.

وعلى ما سبق بيانه في ذكر مفاسد تمثيل الأنبياء والرسل، وذكر إجماع أهل العلم على تحريمه يتحتم على المسلمين سد أبواب الذرائع الموصلة إلى الإعانة للممثلين والقبول لتمثيلهم، أو السكوت عنهم، فما هو حاصل الآن في قناة الكوثر الإيرانية من عرض تمثيل النبيين يوسف ويعقوب عليهما السلام وتمثيل جبريل عليه السلام أمر لا يقرّه شرع ولا عقل. فالواجب على المسلمين منابذة هذه القنوات والتحذير منها ودعوة القائمين عليها إلى التوبة إلى الله، بإلغاء هذه الأفلام وما كان على شاكلتها من أفلام تمثيل الصحابة وغيرهم.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق