الثورة السورية بين علماء السلطان وسلاطين العلم
الأحد 12 مايو 2013

 

 عمّار الشُرفي

(هذا مقال قديم لكن لأهميته نعيد نشره. الراصد)

 

جرت العادة أن لكل سلطان حاشيته من علماء الدين، يسوقون ويزوقون، يسوغون ويهللون، ويضفون على قرارات الحاكم لبوس الدين وقدسية الشّرع، ومباركة السّماء!

وبالمقابل هناك علماء يخالفون  وينتقدون، ينكرون ويذمّون، وإلى التغيير والإصلاح يهدفون .

وهذا أمر غير مستغرب، فأفهام الناس متباينة، ومصالحهم مختلفة، كما عبر عن ذلك البيان الرباني { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) .

ولا أدلّ على هذه الحالة من موقف علماء ودعاة الإسلام السوريين من الأحداث التي تشهدها بلدهم إذ وقفوا صفين متباينين:

 صف إلى جانب السلطان في وجه الشعب الثائر، الذي برأيهم لا يعرف مصلحته، ولا يدرك ما يراد له، ولا أين يتجه به، لذا فكروا بدلا منه، وقرروا نيابة عنه، وباسمه بايعوا "ولي الأمر" على السمع والطاعة، حتى وإن سجن وعذب، ومنع الاسلام من الحياة العامة بكل الأشكال. وانبروا ينظرون ويحذرون ويخونون.

ينظرون للواقع المرير وفوائده، فالديكتاتورية عندهم خير من الديمقراطية التي برأيهم لا تأتي إلاّ بشر في الدين والدنيا، وهي عبارة عن استعمار عن بعد من الغرب!

ويحذّرون من المخطط الخارجي، وكيد الآخر، وعدوانه، مما يجعل قانون الطوارئ مطلبا دينيا وقوميا، لأنه حاجة ملحة، لأن البيئة السورية حالة خاصة، ولا يمكن مقارنتها بالحالة التونسية أو المصرية، رغم أن دولة الاحتلال الصهيوني رغم كل ما يحيط بها لم تفرض حالة الطوارئ.

وعلى الشّعب أن يختار بين الديكتاتورية وتبعاتها، أو الاقتتال الطائفي، وليس هناك  فهم ثالث.

وكل من سولت له نفسه غير هذا فهو عميل متآمر، وخائن مأجور، ومخرب مغرض، ومخرب مندس!

ووفق هذه الرؤية تحشد النصوص الشرعية في سياق وفي غير سياق، تجتزأ من هنا ومن هناك، تقدم فتوى لأنها تلبي المصلحة، وتؤخر أخرى لأنها لا تتوافق مع الواقع العام، بل وفي هذه المرحلة "الحرجة" على الآراء أن تتحد تحت سقف الوطن، والمقصود بالوطن حزب البعث الحاكم من عشرات السنين.

والكلام عن سلب الحقوق، والاعتداء على الحريات، والقبضة الأمنية التي تحكم البلد، ونهب خيرات وثروات الوطن ليس الوقت مناسبا للكلام عنها في هذا الظرف الرّاهن!

بهذه النظرة كان تعاطي الشيوخ الموالين للنظام السوري مع الأحداث التي تشهدها البلد، بدءاً بالدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي قال عن الشباب الثائرين بأنهم نتاج مؤامرة خارجية، وبأن وجوههم ليست وجوه مصلّين، ولا تتم المطالبة للحقوق إلا بـ"الحوار" مع النظام الحاكم حقناً للدماء، وعلى هذا المنوال جرى من بعده كالدكتور مصطفى البغا.

أمّا الشيوخ الرسميون كالمفتي العام أحمد حسون الذي وصف الشباب الثّائرين بالمخربين، والدكتور محمد الحبش عضو مجلس الشّعب، وعبدالسلام راجح عضو مجلس الشعب أيضا،  ومفتي الحنفية في دمشق "الدكتور" عبد الفتاح البزم، و"الدكتور" حسام الدين الفرفور، والدكتور محمد شريف الصواف الرئيس العام لمجمع كفتارو، وعلماء الشّيعة في سورية، فكلهم هتفوا بصوت النظام ، وذكروا روايته، ولم يزيدوا على ما قاله سوى أنّهم حشدوا ما صح وما لم يصح من النصوص الشرعية لدعم توجه النظام في وجه "المتآمرين، والمندسين، الذين ينفذون مخططات تآمرية خارجية"!

وأضحى ظهور هؤلاء الشّيوخ على وسائل الإعلام السورية مسلسلا يوميا، بعد أن كان الإسلام ممنوعا منعا شاملا من الظهور في وسائل الإعلام، اللّهم إلاّ من وجه أو وجهين "بعثيين أكثر من حزب البعث".

يتحدّثون عن الفتنة والمؤامرة التي تحاك ضد سورية في الظلام، والوحدة السورية، والقيادة الحكيمة للرئيس الأسد، وأنه المجدّد المرجو كما قال ذلك الدكتور محمد الحبش، وعن حرمة الخروج عن ولي الأمر، وعن "الحكمة" في طلب الحقوق، والحوار، و...

وأجمعوا على كيل التهم للعلاّمة القرضاوي الذي بزعمهم هو داعية فتنة، وعالم سوء مأجور، وحزبي تابع، و...

وما تعرضوا للدماء التي سالت على أيدي قوات الأمن تجاه الشباب الأبرياء المسالمين، بل أكثر من ذلك أنّهم ذهبوا مذهب النظام في تفسير ثورة الشباب من أنهم مخربون ومندسون!

علماء ودعاة في صفّ الثّورة

وفي الوقت الذي التزم فيه بعض الشيوخ الصمت كالدكتور الفقيه وهبة الزحيلي والداعية المعروف محمد راتب النابلسي الذي اتبع منهج "إن لم تستطع أن تقول حقا، فلا تقل باطلا"، اصطف علماء ودعاة وشيوخ آخرون إلى جانب ثورة الشباب كالعالم الجليل الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي خطيب جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي بدمشق، والذي شهد مسجده مظاهرات عارمة تطالب بالإصلاح، ويمكن القول من أنه أصبح لسان حال شباب الثورة السورية ضد النظام الحاكم. وهو من وقف بكل إباء يتحدث عن الظلم الذي يمارسه النظام، وعن حتمية رفع قانون الطوارئ الجاثم على صدور السوريين من نصف قرن من الزمن، وعن حقوق الإنسان في البلد، وعن المعتقلين، والحريات، والحياة السياسية في البلد.

وتبعا للشيخ، سارَ من يسمون في سورية بـ "جماعة زيد" كالشيخ سارية الرفاعي، والشيخ نعيم العرقسوسي، ولو أنهم لم يزيدوا على القول اللين في النصح للنظام الحاكم.

وانضم إلى هؤلاء الشيخ نعيم الحريري، الذي سقط قريبون له شهداء في الأحداث، والشيخ معاذ الخطيب خطيب الجامع الأموي سابقا، والممنوع من الخطابة، والدكتور عماد الدّين الرّشيد نائب عميد كلية الشّريعة الذي تمّ اعتقاله من الأمن هذا الأسبوع. وأيضا انضم إليهم الشيخ محمد كريم راجح شيخ قراء دمشق الذي ورغم عدم وقوفه مع أهل درعا، إلاّ أنه عاد من جديد ليدعم الشباب المطالبين بالإصلاح العام في خطبته الأخيرة، دون نسيان الشيخ أحمد صياصنة خطيب الجامع العمري بدرعا، وكل خطباء درعا.

أمّا الشيوخ المغتربون عن الموطن كُرها كالدكتور محمد علي الصابوني، والشيخ العرعور، فقد وقفوا بجانب شباب الثورة، وأيدوها ببيانات، وتصريحات.

وهؤلاء الشيوخ غُيب صوتهم، ومُنعوا من الظهور الإعلامي، والتجمعات، وروقبت حركاتهم، وضُيّق عليهم في كل مناحي الحياة.

وبين هؤلاء وأولئك، ووسط سقوط عشرات الضحايا المدنيين، وجرح المئات منهم، تمضي الثورة السورية إلى مصير لا يعلمه إلاّ الله.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق