ثورة السنة في العراق .. سلمية "تموت" والبندقية تنتفض
الأحد 12 مايو 2013

 

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

مثلت المذبحة التي ارتكبها جيش المالكي في ساحة اعتصام الحويجة بمحافظة كركوك العراقية، نقطة تحول في تاريخ الكفاح السني ضد الحكم الطائفي الذي يحكم قبضته على البلاد منذ مجيء الاحتلال الأمريكي عام 2003.

فتلك المذبحة التي أوقعت أكثر من 60 متظاهرا سلميا عراقيا وعشرات المصابين، لم تأت اعتباطا أو كخطأ استراتيجي من قبل قادة جيش المالكي، بل تم الترتيب لها جيدا، بعد أن اشتعلت المحافظات السنية بالمظاهرات المطالبة برحيل رئيس الوزراء نوري المالكي والكف عن تهميش السنة وإقصائهم تحت مزاعم اجتثاث البعث ومكافحة الإرهاب.

فجاء اقتحام ساحة الاعتصام بنفَس طائفي بحت، ويظهر فيديو تم تسريبه حديثا ذلك الوجه المقيت لطائفية جنود المالكي، وهم يركلون وجه أحد المعتصمين السنة بعدما أردوه قتيلا.

اعتراف وتهديد

وللحديث عن تبعات تلك المذبحة يجب تتبع مسارها وتحديد كافة الأطراف الضالعة في تنفيذها، ففي البداية تحدثت مصادر سنية عراقية عن مشاركة فيلق القدس الإيراني في أحداث الحويجة، الأمر الذي نفته حكومة المالكي جملة وتفصيلا، فجاء اعتراف إيران بالمشاركة في أول عملية للحرس الثوري الايراني في منطقة كركوك بالعراق، ونقلت صحيفة ''أخبار روز'' الإيرانية عن العميد ناصر شعباني ''أن الحرس الثوري الإيراني نفذ في الأسبوع الماضي أول عملية أمنية له في العراق بالاشتراك مع الجيش العراقي منذ إعلان الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الشاه في إيران''، مهددا بأن هذه العملية لن تكون الأخيرة، بل إنها قد تكون بداية لتعاون أمني عسكري إيراني عراقي.

مضيفا ''أن العملية الأمنية التي استهدفت ساحة يتجمع فيها المئات من المتمردين الوهابيين في إحدى مدن كركوك نجحت في القضاء على إحدى أهم نقاط قوة المتمردين'' .

ويحمل هذا الاعتراف في طياته تهديدا إيرانيا خطيرا، فكما أن "حزب الله" اللبناني لم يعد يجد غضاضة في الاعتراف بالمشاركة في المعارك الدائرة بحمص السورية، فإن طهران هي الأخرى أرادت توجيه رسالة مهمة للسنة من خلال الاعتراف الوقح والذي قد يثير دهشة البعض بالضلوع في قتل العراقيين.

رسالة إيرانية

الرسالة مفادها أن حكم الملالي في طهران لن يسمح بأي حال بالقضاء على مشروعه الطائفي في العراق ولن يسمح بخسارة مكتسبات المشروع الشيعي، وصعود الشيعة إلى سدة الحكم، واتخاذ العراق منطلقا للتمدد نحو باقي الأقطار العربية.

وفي حين يرى محللون أن إيران التي تحارب قواتُها إلى جانب قوات الأسد في سوريا، قد تضحي بحليفها في دمشق ذات يوم، فإنهم يؤكدون أنه من المستحيل أن تقبل بسقوط حلفائها الشيعة في العراق، وذلك انطلاقا من عدة أسباب، على رأسها الأهمية الاستراتيجية التي توليها طهران للعراق، باعتبارها  قاعدة انطلاق نحو التهام بقية منطقة الخليج، فطهران لم تستطع تركيع بغداد بالقوة العسكرية، خلال حرب الثماني سنوات 1980-1988م، ووقفت بلاد الرافدين حجر عثرة أمام ما يعرف بتصدير الثورة الإيرانية، إلى أن تمكنت إيران من تحقيق أطماعها الاستعمارية عبر الاحتلال الأمريكي للعراق فقدمت الدعم اللازم لواشنطن وهو ما اعترف به من قَبل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، ونائب رئيس إيران السابق محمد علي أبطحي.  

وتدرك طهران كذلك أن بفقدانها المؤكد لحليفها السوري، ستكون قد خسرت أحد أهم ركائز مشروعها في المنطقة، وانقطعت همزة الوصل بينها وبين حزب الله اللبناني، الذي يعتبر الإيرانيون وجوده انتصار للثورة الخمينية في الخارج، ومن ثم، فإن التضحية بنظام الأسد ستمثل زلزالا قويا في طهران، وانتكاسة شديدة للمشروع الشيعي، الأمر الذي يجعل من خسارة العراق أيضا أمرا غير مقبول بالمرة بالنسبة لإيران، التي استطاعت بعد قرون طويلة من التربص والأحقاد التاريخية للعراقيين والعرب، الذين قضوا على الامبراطورية الفارسية المجوسية، أن تأخذ العراق على طبق من ذهب.

الأحواز

وبخلاف ذلك فإن نجاح الثورة العراقية سوف يتبعه بالتأكيد وصول هذا المد الثوري إلى داخل إيران نفسها، في مناطق الأحواز العربية التي تحتلها الدولة الصفوية والتي تقطنها غالبية من العرب السنة.

وما يؤكد تلك الفرضية ما لاقته الثورة العراقية من ترحيب من قِبل الحركة الوطنية الأحوازية التي فقدت عمقها الاستراتيجي المتمثل بالعراق، بعد هيمنة إيران على بلاد الرافدين، وملاحقة المخابرات الإيرانية للنشطاء الأحوازيين داخل العراق، وقتلهم بأبشع الطرق وإلقاء جثثهم في نهر دجلة.

سيناريو التقسيم

لذلك سوف تدفع إيران بمليشياتها من جيش المهدي وأخواته، أو تتدخل بشكل مباشر كما حدث في الحويجة لإبادة أهل السنة وإعادة أجواء الحرب الطائفية التي شهدتها البلاد بين عامي 2006- 2007م، وسوف يتم ذلك من خلال ارتكاب مجازر جديدة ضد المعتصمين في ساحات الاعتصام بست محافظات عراقية ينتفض فيها أهل السنة، وكذلك من خلال استهداف مساجد السنة، وهو ما يحدث حاليا، أو إعادة عمليات القتل على الهوية واختطاف العراقيين السنة وتعذيبهم وظهور ألف مجرم طائفي على شاكلة "أبو درع".

وتخطط إيران لتكون الحرب الطائفية مقدمة نحو تقسيم العراق وإقامة دولة شيعية كبيرة تضم محافظات النجف وكربلاء وميسان وذي قار والديوانية وواسط والبصرة وبابل والقادسية وقسم الرصافة من العاصمة بغداد بعد سقوط الأسد في سوريا، وهو ما كشفه مصدر رفيع في حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي التركي، في حديث لـصحيفة "السياسة" الكويتية، حيث أكد أن عددا من القيادات الإيرانية اقترحت على التحالف الشيعي، الذي يقود الحكومة العراقية برئاسة المالكي، إقامة تلك الدولة، وذلك لقناعة طهران والمالكي معا أن سقوط الأسد سيؤدي إلى قيام تحالف إقليمي قوي، يضم تركيا ومصر ودول الخليج العربي والأردن، والحكم الجديد في سوريا، لدعم السنة في العراق والعمل على إعادة ترتيب الأوراق بعد الإطاحة بالحكم الشيعي في بغداد.

وأكد المصدر التركي أن "المرشد الأعلى" الإيراني علي خامنئي وقيادات إيرانية رفيعة، تعتقد أن قيام دولة شيعية قوية في العراق أفضل بكثير من حكم شيعي ضعيف على كل العراق، سرعان ما يسقط هو الآخر بعد سقوط الأسد، وأنه من الأجدى إنشاء دولة قوية للشيعة، تحصل على ما يتجاوز الـ 70% من الثروة النفطية في العراق.

كذلك باتت طهران على قناعة تامة بأنها مضطرة لتحصين نفسها مما باتت تسميه بـ" المد الإسلامي السني" في المنطقة، والذي رسخ له ربيع الثورات العربية.

كفاح السنة

ولم يكن من الممكن بحال أن يقف السنة مكتوفي الأيدي إزاء تلك التطورات الخطيرة منتظرين الذبح تحت المقاصل الصفوية، فكان أن بدأت العشائر في المحافظات السنية الثائرة تشكيل جيش لمواجهة وحوش الطائفية، حيث أعلن قادة المعتصمين في خمس محافظات عراقية بينها الأنبار وصلاح الدين ونينوى عن تشكيل جيش أطلقوا عليه تسمية (جيش العزة والكرامة) للدفاع عن النفس والوقوف أمام أي "اعتداء" من الجيش النظامي.

وقد أعلن عن تشكيل النواة الأولى لهذا الجيش في محافظة الأنبار غرب العراق، وأوضح الشيخ سعيد اللافي، أحد المتحدثين باسم ساحة الاعتصام في الأنبار، أن السنة قرروا تشكيل "جيش العزة والكرامة" للحفاظ على أمنهم، وقال: إن "الجيش مكون من 100 فرد من كل عشيرة للدفاع عن الأنبار... وملاذ آمن لأهل السنة من أي مكروه"، داعيا أفراد الشرطة والجيش من السنة، إلى الانضمام لصفوف جيش العزة والكرامة، فيما هنأ الشيخ عبدالملك السعدي أبرز علماء العراق "المجاهدين"، بإعلان تشكيل الجيش.

المقاومة حاضرة

وفي حين أعلنت فصائل المقاومة الإسلامية في السابق، قبل أربعة شهور، إثر اندلاع الاحتجاجات في المحافظات السنية، أنها مع سلمية الثورة العراقية، وأن دورها سوف ينحصر في حماية ساحات الاعتصام، والتصدي لأية محاولة لاقتحامها من قبل جيش المالكي، تؤكد المصادر أن فصائل المقاومة- التي كانت تقاتل المحتل الأمريكي- تقوم حاليا بتجهيز الجيش الجديد، والتخطيط لعملياته، بعدما لفظت "سلمية" الثورة العراقية أنفاسها الأخيرة، بعد مذبحة الحويجة.

انفجار وشيك

وتبقى الأمور مرشحة للانفجار خلال الأيام القليلة القادمة، حيث بات من المرجح أن المالكي- الذي استغل هذه الأحداث لتزوير انتخابات مجالس المحافظات لصالح الأحزاب الشيعية- سوف يقدم على ارتكاب حماقة جديدة بتعليمات من طهران، ستكون بلا شك حماقته الأخيرة، قبل أن يتحول العراق إلى كتلة لهب، وحرب ضروس بين السنة وأجهزة المالكي ومليشياته الأمنية، وسط تأكيدات على أن الإطاحة برئيس الوزراء بات مطلبا لايمكن التراجع عنه بالنسبة للمعتصمين من أهل السنة، في وقت تلتزم فيه المراجع الشيعية وعلى رأسها "علي السيستاني" الصمت، باستثناء دعوات تطلق على استحياء منادية بضرورة الحوار، ونبذ ما يسميه الشيعة عنف المعتصمين.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق