من يغزو الآخر؛ إيران أم مصر؟!
الأحد 12 مايو 2013

 

 

 د.مصطفى محمدي - أستاذ جامعي إيراني

 

بالتعاون مع موقع سُني نيوز

أخذت الثلوج تذوب بين إيران ومصر شيئا فشيئا...

لا يعنيني إن كانت الحكومة المصرية أُجبرت على هذا القرار الذي اعتبره كثير من المصريين علقما مرّا بسبب دعم الأنظمة الغربية والعربية لفلول النظام السابق وإدارة الفتن في البلد، أم بسبب الضغوط الاقتصادية التي لم يتعاطف معها العالم العربي بل زاد الطين بلة بضرب حصار اقتصادي على مصر وسحب أرصدته منها...

ما يعنيني كمواطن إيراني أن الباب الذي ظللنا طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن نطرقه آملين أن يفتح في وجوهنا أخذ في الفتح ولله الحمد والمنة...

كنت أتصور أن المؤسسات الدينية والجماعات الإسلامية التي انخدعت بعضها في فترات من تاريخها بالشعارات الإيرانية الرنانة ثم رزقت توبة نصوحا ستفرح بهذا القرار وتحاول أن تكفر عن ماضيها بسطور جديدة ترتب حروفها وكلماتها لتعود جملة التوحيد فعلية في إيران!

إيران والإخوان

تمنت إيران مثل غيرها من الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة أن يموت جنين الثورة المصرية في رحم الشعب وأن تخسف الأرض جميع ثورات الربيع العربي، لكن الشعب أراد الحياة فاستجاب له القدر!..

لم تكن الصلات الإيرانية الإخوانية قد أكملت شهر العسل في بداية ثورة الخميني 1979م وإذا بإيران تقلب ظهر المجن في وجه جماعة الإخوان باغتيال أبرز قياداتها في إيران – الشيخ ناصر سبحاني وأحمد مفتي زاده – والضرب على نشاطاتها بيد من حديد لكنها ظلت تحتفظ بصلات دبلوماسية مع الجماعة في الخارج لحاجتها الإعلامية والاستراتيجية في استغلال القضية الفلسطينية التي تمثل حماس رأس الحربة فيها، ولتتخذ حسن صلاتها مع الإخوان وغيرها من الجماعات والشخصيات الإسلامية قنطرة للوصول إلى المجتمعات السنية.

دخول إيران إلى العراق على دبابات أمريكية وإدارتها للمجازر الطائفية كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وفجرت في وجهها الموقف الإخواني الرافض بكل قوة على لسان الشيخ يوسف القرضاوي، لكن ظل "حماس" التائه بين أهله بحاجة إلى تهدئة الموقف حفاظا على بعض المكتسبات السياسية والعسكرية، حتى انفجرت الثورة السورية بعد أن تبسمت تركيا في وجه حماس وانتصرت ثورة مصر فكان الطلاق الإخواني البائن لإيران..

لم تعد إيران إلى مصر من موطن اليد العليا وإنما اليد السفلى، ولم تأت بها إلا الحاجة!

فالخطر على إيران من مصر وليس العكس كما يتوهم بعض الناس!

الغزو الشيعي

تتم إدارة التبشير بالتشيع الصفوي من خلال المؤسسة المذهبية والمؤسسة السياسية؛ تخوض المؤسسة السياسية أو النظام هذا الميدان تحت لافتة "تصدير الثورة" ويهدف إلى صناعة عملاء وأجندة عسكرية لأهداف سياسية بحتة ليس المذهب فيها إلا أداة تخدم الهدف.

تدعم المؤسسة الإعلامية الضخمة التي تدير قنوات فضائية عملاقة والإذاعات والجرائد والمجلات والمطبوعات التبشير السياسي للتشيع الصفوي بشكل قوي، وتستغل العمل الإغاثي والإنساني للوصول إلى مآربها. التشيع الحكومي يركز على الشعوب المضطهدة والبيئات الفقيرة التي يكثر فيها الجهل والأمية. كما أنه يحاول أن يشتري بسخاء كبير ذمم أصحاب الأقلام والإعلاميين والسياسيين وأصحاب النفوذ في المجتمع المدني من الذين يتصفون بقلة الالتزام الأخلاقي وممن ليست لهم جذور دينية عميقة.

كما أنها تقيم صلات ضعيفة تتراوح بين المجاملات والوعود والشعارات مع الأحزاب والجماعات الإسلامية والحركات العلمانية، وتسعى لتوظيفها في الميدان السياسي. (الصلات الإيرانية بالجماعات التكفيرية والجهادية في دول المغرب العربي قبل عقدين من الزمن، وصلاتها الخفية ببعض المنظمات الجهادية في أفغانستان، وصلاتها برموز العلمنة في السعودية والخليج لم تعد خافية على أحد).

إن كان النظام الإيراني يتخذ المذهب الشيعي أداة لأهداف سياسية، فالمؤسسة المذهبية – أو المراجع – تنظر إليه كورقة اقتصادية.

يعتبر كل مرجع شيعي دولة مصغرة في النظام الحاكم ويتحرك في استغلالية تامة بما يملك من الرصيد الاقتصادي المهول، وهناك حرب صامتة شرسة بين النظام الحاكم والمرجعية المذهبية في تقسيم التركة – الخمس أو نذورات القبور -!

وقد استطاع آية الله الخامنئي بقوة الحرس الثوري القضاء على المراجع الذين لم يكونوا يهتفون له، واستطاع أن يحدث نوعا من الاستقرار المبطن بالغضب الثائر الذي يموج تحت الرماد، وسرعان ما يظهر للعيان أول ما تغيب شمس الخامنئي!

يحاول كل مرجع شيعي أن ينشر مذهبه في أي مجتمع إنساني يملك مالا. عيون المرجع الشيعي لا ترى في المذهب إلا "الخمس" الذي يختطفه الشيعي من عرق جبينه ليقدمه قربانا للمرجع!

تتفق المؤسسة السياسية والمذهبية على أن الأقليات الشيعية في العالم لابد وأن تعيش حالة من الذعر المبرمج والشعور بالخوف من المجتمع الكبير ليظهر بعده الإعلام الإيراني بوجه الناصح الأمين يدافع عن حقوقها فيحدث شرخ عميق في هويتها الوطنية وولاء الشيعة لبني قومهم وتتجه أموالهم قبل قلوبهم إلى إيران حيث القبلة الآمنة.

عم تبحث إيران في مصر؟

كان الاتفاق الإيراني الغربي أن تلعب إيران دور الذئب الذي يخوف به النعاج، فتصدر شعارات جوفاء كتصدير الثورة والقضاء على الخليج العربي في لمحة بصر أو أقل من ذلك، فيهرع العرب إلى الحضن الغربي ويبدأ الآخر في سلب ثرواتهم ومقدرات شعوبهم ومسخ حضارتهم. وقد كان!...

لكن إيران تدرك تماما أن الغرب لن يسمح لها بأن تكون دولة قوية لها سياستها، ويسعى لتفتيتها إلى دويلات إن لم يكن اليوم فغدا. فحاولت أن تجد لها كبش فداء ليوم الملحمة، إذا ما انتهت الصفقة بينها وبين الغرب. فكانت حرب "حزب الله" ضد إسرائيل حافظا للوحدة الوطنية الإيرانية وكانت سوريا الطريق والمأوى.

والآن وقد حان وقت أفول شمس بشار الأسد تسعى إيران لإحداث بديل آخر عن "حزب الله" في مصر. وجود حزب عسكري موال لإيران في مصر وشراء ذمم أفراد من السنة والمسيحيين وأصحاب القرار السياسي والإعلامي كفيلان بكسر الوحدة الوطنية وإرجاع مصر إلى دوامة لبنان. فمََن يحكم لبنان لا مناص له إلا التجاوب مع السياسات الإيرانية مهما كانت الظروف، فمفتاح الأمن اللبناني في إيران وليس في بيروت!..

لكن ينبغي ألا ننسى أن ما تطمح إليه إيران في مصر ليس أكثر من أحلام وآمال، وهي ليست وليدة اليوم، فمنذ ثلاثة عقود وإيران تسعى للحصول على هذه الأماني ولم تستطع إنجاز شيء منها يوم أن كان الشارع المصري يطرب بالشعارات الإيرانية الرنانة للدفاع عن فلسطين والوحدة الإسلامية، فماذا عساها أن تنجزه اليوم بعد أن انكشفت عورتها في الشارع المصري؟!

مصر في إيران

المجتمع الإيراني كحلفائه من الروس والصينيين يشبه الإناء الفارغ الذي مج الثقافة الموروثة وأوصلته ضغوط الديكتاتور الحاكم إلى حالة من الثورة على كل ممتلكاته الثقافية وتراثه الديني.

يعاني المجتمع الإيراني هروبا من الدين؛ لا يرتاد الحسينيات إلا عجائز لا تتحملهم البيوت، ولا يشارك في البكائيات والطقوس المذهبية إلا من يجر مرغما إليها بسلاسل القانون الحديدي من موظفي الدولة.

أصبح رجل الدين منبوذا يطرد من الأبواب وتهال عليه الشتائم والأحذية والبيض الفاسد من نوافذ البيوت!

لا تقف سيارات الأجرة لرجل عليه ملامح الدين إلا إذا أراد السائق المشاغب حمله من الظل ليتركه مهانا على الشمس!

يتحدث أصحاب الفكر في إيران عن هذه الظاهرة المرضية بالهروب من الدين، في حين أن كاتب هذه السطور يراه هروبا من المذهب ونتاجا طبيعيا وردة فعل على فرض المذهب بقوة السلاح على الشعب المقهور الناقم الذي يعيش ازدواجية في جميع معانيها ويسمع النفاق يصرخ به في خطابات رجالات المذهب والسياسة، ويرى بأم عينيه كيف تنهب ثروات البلد ومقدراته.

إذا كان هناك نسب ضئيلة من الشباب ضلت الطريق نحو المجوسية والشذوذ الفكري فالمجتمع الإيراني الملتزم بطبعه يشهد حركة واسعة النطاق للعودة إلى منهج أهل السنة بين رجال الدين والمثقفين – وبنسب أعلى بين الأقلية العربية – اشتدت مع العولمة الثقافية ولاسيما بعد ظهور المواقع والقنوات السنية باللغة الفارسية.

الصلات الإيرانية المصرية تفتح الأبواب على مصراعيها للمجتمع المدني الإصلاحي في مصر المتمثل في الأزهر الشريف والحركات والجماعات الإسلامية من جماعة التبليغ إلى السلفيين وإلى الإخوان المسلمين، أن ينزلوا ضيوفا كراما على إخوانهم السنة في إيران ويساهموا في إعادة المياه إلى مجاريها، فالصفوية ليست أصلا في هذا البلد، وإنما هي سحابة صيف لابد وأن تنجلي.

وهْم الغزو الشيعي:

استغربت كثيرا ممن يهين المصريين من خلال تضخيم الغزو الشيعي لمصر!..

ولا أريد أن أكون ممن يستهين بخطر عدوه فيقع فريسة سهلة في مخالبه، ولكنني أريد أن أقرأ الواقع بحنكة وموضوعية:

ثلاثة وثلاثون عاما والنظام الصفوي يحاول بكل ما أوتي من القوة والدهاء مع سنة إيران ولم يفلح حتى اليوم من تغيير دين واحد منهم، بل هناك الألوف من الشيعة عادوا إلى التوحيد!

منذ قرون ولإيران تواجد قوي في دول الخليج العربي؛ اقتصاديا وثقافيا ومذهبيا، وبما أن أكثرنا يعتقد بأن المستوى الثقافي للمواطن المصري أرفع من نظيره الخليجي وأن نسبة الجهل في هذه الدويلات أكبر بكثير من مصر، لم نسمع يوما أن إيران استطاعت أن تشيع أناسا في هذه الدول؟! وكذلك الحال في باكستان وأفغانستان وإندونيسيا وغيرها من الدول..

أجل!...

اشترت إيران ذمما ووظفتها لسياساتها.. ساهمت في إفساد أخلاق بعض التائهين بفتنة بنات المتعة.. لكنها لم تفلح في كسب شيعة لها، بل خسرت كثيرا من عقلاء الشيعة ومفكريهم في تلك الدول بما أدارت من الفتن والاغتيالات في صفوفهم!

ترتفع يوميا نسب من يعودون إلى التوحيد والرشد ويعتنقون الإسلام السني من الحجاج والمعتمرين الإيرانيين مع كل ما يتخذه النظام من المحاذير!

بل أكثر من ذلك تشكو المؤسسة المذهبية في قُم من ارتفاع نسب المهتدين في صفوف السياح الإيرانيين إلى تركيا وسوريا!

هل يليق بإخواننا في مصر أن يستقبلوا أهالينا من السياح بالأهرامات والفول والكركديه المصري ولا يقدموا لهم شرابا عذبا من التوحيد الصافي؟!

وختاما أدعو إخواني الدعاة في مصر بكل اتجاهاتهم الفكرية أن يضموا إيران إلى صدورهم ببث الدعوة فيها وإحداث قنوات فضائية ومواقع الكترونية باللغة الفارسية.

وأتساءل: لماذا مواقع المراجع الإيرانيين على الإنترنت تخرج مترجمة بعشرات اللغات منها العربية ومواقع دعاة السنة لا تخرج إلا بالعربية – هذا لمن كان له موقع!!..-.

لماذا تدير المؤسسة المذهبية في قم عددا من القنوات الفضائية بالعربية ولا يكون للأزهر الشريف قناة فارسية؟!

ولماذا تكتظ الجامعات المذهبية والعلمية في قم ومشهد بالطلاب العرب ولا تكاد تجد طالبا إيرانيا في الجامعات الإسلامية والعلمية في العالم العربي وعلى رأسها جامعة الأزهر الشريف؟!..

ودعوني أقول بملء في: لا خطر من إيران على العالم الإسلامي، وذلك لأن التشيع - على الأقل في وجهه الصفوي الإيراني– يكتظ بما يناطح العقل ويعارض الفطرة ولا يتماشى مع صريح القرآن الكريم، وإنما العالم الإسلامي فخطره من نفسه؛ حيث الجهل والفقر والاستبداد وضياع الشخصية وفقدان الهوية...

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق