ملاحظات أولية على وثيقة حزب الله السياسية2/2)
السبت 16 يناير 2010

علي حسين باكير / الباحث في العلاقات الدولية

خاص بالراصد

في الجزء الأول من المقال الذي يعكس ملاحظاتنا الأوّليّة على وثيقة حزب الله السياسية الصادرة مؤخرا، تناولنا وضع حزب الله الداخلي وعلاقته مع الدولة اللبنانية وركزنا على دور سلاحه من زاوية التقسيم والفدرالية ومن زاوية العلاقة مع الجيش اللبناني وموقفه الحقيقي من الإستراتيجية الدفاعية كما أشرنا إلى خلفية إعطاء وثيقته الطابع السياسي فقط دون الديني الذي يبين مدى الارتباط العضوي لحزب الله بمنظومة الولي الفقيه الشيعي الإيراني والهدف من وراء ذلك.

أما في هذا المقال فنتناول البعد الخارجي لحزب الله ووضعه من خلال ما عكسته الوثيقة التي قام بإصدارها.

 

حزب والمقاومة في العراق وأفغانستان

صدّر حزب الله وثيقته بفصل كامل عن الهيمنة الأمريكية العالمية وكيف انّ محور المقاومة استطاع هزيمة الاستكبار الأمريكي وغطرسة واشنطن، وقد ضمّ في إطار حديثه عن المقاومة بشكل عام، المقاومة العراقية والمقاومة الأفغانية ذاكرا حركة طالبان بالاسم.

وقد بدا انّ هدف حزب الله من هذا الربط سد خلل واضح في نظرته إلى مفهوم "المقاومة"، والتي كانت مأخذا للآخرين عليه ودلالة على "مصلحيّة" دور المقاومة لديه و"ضرورة" ارتباطها بإيران حتى يتم تصنيفها على انّها "مقاومة".

ولا بد من الإشارة هنا إلى انّ سد هذه الثغرة هو أمر تكتيكي غير مبدئي هدفه كسب الجماهير وإعادة الترويج لحزب الله "بشكل جديد" خاصة بعد الانتكاسات التي ضربت شعبيته في العالم العربي والإسلامي وخاصة بعد العام 2006.

ويمكن لأي منصف الرجوع إلى الأرشيف أو إلى أدبيات حزب الله أو إلى محيطه حيث يستطيع الباحث التماس الموقف الحقيقي للحزب ولقاعدته الشعبية من "المقاومات الأخرى"، فهو لا يعترف بها وينظر إليها من منظار النظام الإيراني. لا بل انّ موقف الحزب من حركات المقاومة الأخرى انتقل في مرحلة من المراحل من التجاهل إلى المحاربة الفكرية والسياسية وحتى الميدانية في كثير من الأحيان لا سيما في العراق.

ومن هذا المنطلق، فقد بدا حديث حزب الله عن مقاومة عراقية وأفغانية في وثيقته السياسية غير منسجم مع واقعه ومفاهيمه ومبادئه لمن يعرفها، ويبدو انّ الحزب كان بحاجة الى الحديث عن هذه المقاومة في إطار التطرق إلى هزيمة الاستكبار والغطرسة الأمريكية، كونها اللاعب الحقيقي الوحيد الذي استطاع إخضاع واشنطن وإفشال مشروعها وليس الحزب أو داعميه.

والقارئ للوثيقة يستطيع ان يلاحظ انّ الحزب ومن خلال سياق الكلام ضم نفسه إلى ما لا ينتمي إليه وصادر انجازات غيره ونسبها اليه زورا ليمرر نتيجة مضللة عن انه محور المقاومة وانه افشل المشروع الأمريكي العالمي وانهى حقبة الأحادية القطبية وبالتالي يجيّر انجازات الآخرين لصالحه وهو الأمر الذي يبرع في إظهاره عادة.  فسياق الحقائق يقول انّ ضربات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 كبدت امريكا خسائر مالية تاريخية وقللت من هيبتها وقوّضت من ردعها، فيما انهكت حروب افغانستان والعراق القوة العظمى الوحيدة في تكاليف بشرية ومادية هائلة ناهيك عن المالية التي تخطّت الـ 2 تريليون دولار، وليس لحزب الله أي فضل في ذلك، وانما راكب للموجة حينما يفيده ذلك، ومحارب لها حينما يريد تبييض صفحته.

 

تقسيم العالم الى قسمين

في التقديم للوثيقة وتحديدا للفصل الأول منها، نلاحظ انّ الحزب تعمّد تقسيم المسار العام للأحداث إلى قسمين.

-       الأول يسميه "مسار المقاومة والممانعة" الذي أدى إلى "إمالة موازين القوى في المعادلة الإقليمية لصالح المقاومة وداعميها" ونشدد على هذه الجزئية ونضع خطّين تحت كلمة داعميها.

-       أمّا الثاني فيسميه "مسار "التسلط والاستكبار الأميركي – الإسرائيلي" وله "أبعاده المختلفة وتحالفاته وامتداداته المباشرة وغير المباشرة".

 

ولهذا التقسيم بطبيعة الحال أرضيته الثابتة في التأطير الإعلامي والنفسي لحزب الله، وقد سبق وحذّرنا من هذا المنحى في مقالات كثيرة سابقة. والمقصود بهذا التقسيم الفخ، الإيحاء بأنّ كل من ليس مع الـ"مقاومة المدعومة من فاعلين إقليميين (أي إيران وسوريا)" فهو مع المشروع الأمريكي الصهيوني. وطبعا يكون الهدف من هكذا كلام السكوت على المشروع الإيراني في المنطقة وتمريره بدون مقاومة له ولاتباعه وأداوته تحت ذريعة انّه داعم للمقاومة وانّه إذا لم تكن معه فأنت مع المشروع الأمريكي الصهيوني.

وبهذا المنطق، فان القارئ إما مع إيران وأتباعها وإما مع أمريكا وإسرائيل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ماذا إذا كنت مع المقاومة العراقية مثلا التي تقاتل الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي وفي نفس الوقت تعارض المشروع الإيراني الذي لا يختلف عن الأمريكي والإسرائيلي؟! في أي خانة يتم تصنيف هذا الموقف؟ الجميع يعلم ان المقاومة سواء في العراق أو أفغانستان أو الشيشان أو غيرها من المناطق ليس لها داعم إقليمي يسعى إلى التموضع في معادلات إقليمية، ذلك انّ هدف هذه المقاومات إخراج المحتل الروسي أو الأمريكي صاحب القطب الأوحد في النظام الدولي بعد إحراجه وإغراقه، وليس تحسين شروط التفاوض لهذا البلد أو تشكيل رافعة إقليمية لذاك، وهو ما يميز دور حزب الله الذي يسعى إلى خدمة الأجندة الإيرانية الإقليمية تحت شعار المقاومة، واستفادة النظام السوري والنظام الإيراني من هذا الجهد، عبر توظيف المقاومة الفلسطينية للتموضع إقليميا.

 

حزب الله وايران

يقول الحزب في وثيقته عن إيران: "وفي هذا الإطار يَعتبر حزب الله إيران الإسلام دولةً مركزيةً مهمةً في العالم الإسلامي، فهي التي أسقطت بثورتها نظام الشاه ومشاريعه الصهيونية - الأميركية، ودعمت حركات المقاومة في منطقتنا، ووقفت بشجاعة وتصميم إلى جانب القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية".

يعيد الحزب التركيز على أمور أصبحت من المسلمات الإعلامية حال الحديث عن إيران. والمتابع لهذا الشأن يعلم انّ بناء الأمجاد على الأوهام لا يدوم. إذ يعيد لنا حزب الله الأسطوانة المشروخة من انّ الجمهورية الإيرانية ضد أمريكا وإسرائيل ومع القضية الفلسطينية. وكم ركبت أنظمة وقيادات موجة هذا المثلّث لنرى انّ أعمالها تصب في نهاية الأمر لصالح أمريكا وإسرائيل وضد القضية الفلسطينية وضد العرب والشعوب العربية.

 

وفي إشارة أخرى يقول: "إنّ اختلاق التناقض مع الجمهورية الإسلامية في إيران من قِبَل بعض الجهات العربية يمثّل طعناً للذات وللقضايا العربية، ولا يخدم سوى "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية.

ونستطيع أن تستنتج أنّ الحزب يقول أن لا فرق بين إيراني وعربي وان كان على حساب العربي. إذ كيف يمكن ان نصرف كلامه هذا لأبناء العراق مثلا الذي قامت القوات الايرانية باحتلال جزء من أراضيهم قبل أيام (منطقة بئر الفكة وجزيرة ام الرصاص وضمها لمساحات شاسعة من شط العرب إلى سيادتها)، أو لأبناء اليمن الذي يعانون اليوم من التفتيت الداخلي بسبب الدعم الإيراني لطرف منهم وتسمية شارع في طهران على اسم كبيرهم "الحوثي".

ماذا نقول لأبناء البحرين الذين تطالب ايران بدولتهم على اعتبار انّها ممتلكات تاريخية (على طريقة اليهود الصهاينة يعني) كما تدّعي؟ كيف نفسّر للإمارات العربية المتّحدة وكيف تبرّر لهم الاحتلال الإيراني لجزرهم الثلاث؟! وهل المطالبة بهذه الجزر أو بالأراضي العراقية المحتلة يصبح وفق عرف حزب الله اختلاقا للتناقض مع إيران ودعما لإسرائيل وأمريكا؟! المطلوب وفق ما يقول الحزب في وثيقته السكوت على ما تستبيحه إيران في العرب.

 

والإشارات في النص تكثر ولا تقل والهدف واحد، وضع السم في العسل، فهذه كفّة واسطوانة القضية الفلسطينية كفّة، كمسمار جحا المعروف. لكن لفت نظري جملة احترت في تفسير المغزى منها. اذ يقول: "واختلاق التناقضات القومية بين كُرد وتركمان وعرب، وإيرانيين.. وتخويف الأقليات وترهيبها، والنزف المسيحي المستمر من المشرق العربي وخاصةً من فلسطين والعراق فضلاً عن لبنان، كل ذلك يهدد تماسك مجتمعاتنا، ويقلل من منعتها، ويفاقم من عوائق نهضتها وتطورها. وبدل أن يمثِّلَ التنوعُ الديني والقومي مصدر غنًى وحيويةً إجتماعيةً فقد أسيء توظيفُه، وتم استخدامه كعامل تمزيق وفُرقة وتفتيت مجتمعي".

 

ففي إطار حديثه عن القوميات، يقول الحزب في وثيقته "واختلاق التناقضات القومية بين كُرد وتركمان وعرب، وإيرانيين"  والمعروف انّ الكردية والتركمانية والعربية هي قوميات لكنّ الإيرانية ليست قومية، وبما انّه من شبه المستحيل ان يكون التعبير خاطئا في هذا المقام، فان التحليل الوحيد الذي يمكن تفسير هذا السياق به، هو انّ الحزب يريد حتى أن يترفع عن ذكر "الفارسية" لما لها من وقع يعبر عن مكنون الهيمنة والاحتلال والأطماع التوسعية كي لا يقع في تناقض مع حديثه التكامل مع إيران، فإيران دولة تضم قوميات متعددة والإيرانية بهذا المعنى ليست قومية.

لكن المتمعن في كامل الفقرة يلاحظ انها تنطبق على الدور الإيراني في المنطقة تمام انطباقها على إسرائيل، ولعل المسيحيين في العراق ولبنان يستطيعون ان يجيبوا على ذلك أيضا، حيث العامل الإيراني التفتيتي للداخل العربي.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: