جولة الصحافة\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
الثورة السورية أسقطت قناع الوهم المسمّى بالمقاومة
الأحد 31 يوليو 2011
أنظر ايضــاً...

 علي سيريني

إيلاف – 11/7/2011

 علينا أن نضع النقاط فوق الحروف، وأن نتحدث بالوضوح دون مواربة. فهذا شأن عظيم، وكلّ الشؤون لا تبلغ عظمة إهدار دماء البشر. وأي حديث بخلاف الوضوح الكامن في قرارة أنفسنا، حيث تتفق اليقينيات، إلا أن الأكثرية لا تفصح عن ذلك علناً خشية التهم، لن يكون سوى الإبتذال الذي يتحول بكميات كبيرة إلى نفايات، تأكلها الأيام في فناءاتها بتكرار ممل.

إلى ما قبل هذه الثورات وفي مدة طويلة نسبياً، كنت وصلت إلى القناعة بأن مجرى الأحداث يتجه نحو الصياغة الجديدة القديمة للمنطقة، وهي تقسيم عالمنا الشرقي نحو قطبين متحاربين الشيعي والسني. لكنني افترضت تحويل العالم السني إلى ميليشيات متفرقة، بعد سقوط نظام البعث في العراق، لمواجهة الهيمنة الإيرانية، كطريقة مثلى للاستنزاف بين الطرفين. والعلّة وفق تفكيري المذكور أن السنّة أكثرية، فلا بدّ من خلق توازن بين الفئتين بتقوية الأقلية بدولة قويّة، وتقسيم قوة الأكثرية إلى أقل من قوى نظامية، لكي يستمر الصراع أطول مدة ممكنة. اليوم لم تتغير قناعتي إلا في ما يتصل بتفاصيل الصياغة المذكورة، أو لعلني لست أجزم ما إذا كانت القوة السنيّة تبقى في حدود الميليشيات والجماعات المسلحة، أم أن دولة سنيّة قوية ستتشكل عبر مخاض عسير؟ المهم في ذلك أن هذا الصراع الدموي سيبقى، رغم تأكيدات متكررة من قبل الأطراف السياسية على نبذ "الطائفية" رغم أنها، أي الطائفية، هي التي تحرك السياسات الكثيرة في منطقتنا الإسلامية في رقعتها المشرقية الواسعة.

في ما يتصل بالشيعة، فليس لهم رصيد تاريخي في ما يتعلق بالصراع مع الغرب، أو الصراع مع أوروبا المسيحية في القرون التي خلت. وهذا الأمر يشكل عقدة نقص على صعيد الجماعة وهويتها. وقد يفسر البعض أن ذلك عائد إلى طبيعة التكوين الشيعي وإلصاق تهمة الخيانة به. لكن ذلك لا يبدو صحيحا، بقدر ما يتوقف الأمر على جوهر هذا التكوين. فالأدبيات التي يتربى عليها الإنسان الشيعي تتصل بالبعد الداخلي على الصعيد السياسي، وتخلو من أي ذكر من مفردات الصراع مع الغرب أو الصليبيين، لأنه ببساطة لم يحدث ذلك بين الشيعة والغرب إلا ما ندر، لأن اللبنات التي كوّنت أسس الشيعة جاءت في خضم المعارضة العنيفة لمركز الدولة الإسلامية، التي تحولت إلى جزء من التراث السنيّ. ولا شك أن الصراع القائم اليوم بين السنّة والشيعة ليس إمتداداً للصراع الذي وقع بين معاوية وعلي، أو يزيد وحسين، لكن الأدبيات التي تكوّن مفردات الصراع، تُستمد من وحي هذا التراث، عبر تَشَكُّل هوية هذه الجماعات عبر فترات تأريخية طويلة. فالعلوييون السورييون مثلاً، بعيدون كلّ البعد عن الجوهر الذي التزم أهل البيت النبوي أنفسهم به من عقيدة وعبادة ومعاملة، لكن الوعي الجمعي للمكون العلوي ركّز تاريخيا على مظلوميته من قبل السنّة، مما شكّل أدبيات ممتلئة بمفاهيم البغض والثأر والإنتقام دون مسائلة هذه المفردات لجهة الإتصال بالجوهر ذاك، أو متطلبات الأسس التي من المفترض أن أمدت وجود الجماعة وكوّنت هويتها. وهكذا بقيت الأدبيات التي تحض الفرد على الإنتقام والثأر، وضاع المحتوى كلّيّاً في ما يخص رابط العلّة والسبب. الأمر بالطبع يختلف مع الشيعة قليلا لأن الشيعة حافظوا على المحتوى الذي يربطهم بالأسس التي يدعونها، لكنهم وظفوا على الدوام كلّ ما يمت بالعقيدة والشريعة والعبادة بجوهر الإنتقام والثأر، والبقاء على الخصومة مع السنّة لأن ذلك ضروري لإبقاء دعوى الجماعة حيّة والهوية قوية ويقظة. وظل أي مولود جديد من هاتين الجماعتين، عبر العصور، خاضعاً لعملية التلقيح بهذه الأدبيات المذكورة، مما أضفى بعداً دائماً ومستمراً للنشاط السياسي والإجتماعي الذي يملك أرشيفه التاريخي وتراثه السياسي. وعموم الشيعة ماعدا القليل، يقوم ويعمل في عالم السياسة والإجتماع وفق هذا الأرشيف والتراث، كضوابط تحدد بوصلة الحركة الإجتماعية والنشاط الجمعي لهذا المكون.

يتضح هذا من الأربعين عاماً من حكم الطائفة العلوية في سوريا. فرغم عدم التزام أرباب الحكم في سوريا بالإلتزامات الدينية إلا في المناسبات العامة لغرض الدعاية، فإن الهاجس التاريخي والأدبيات التي تمد هوية الجماعة بأوكسجين الحياة، ظلت قوية في أذهان هؤلاء الأرباب. وهذا ما دفع نظام الحكم في سوريا إلى الوقوف كليّاً مع إيران الفارسيّة ضد العراق العربي في الحرب التي دامت بين البلدين لثماني سنوات. ومقابل ذلك وقفت إيران مع مجازر النظام السوري ضد الإخوان المسلمين في بداية الثمانينيات، رغم أن إيران الإسلامية كان يفترض بها أن تقف مع الإسلاميين ضد نظام علماني بعثي. على أن المفهوم البسيط للسياسة يقول لنا، كان من المفروض وقوف سوريا إلى جانب العراق، لما بينهما من وشائج ومشتركات على الصعيد القومي والأيديولوجي وحتى الحزبي حيث كان البعث يحكم كلتا الدولتين. ومع تطور هذه الشبكة من العلاقة بين سوريا وإيران، ولِد حزب الله في لبنان ليشكل إمتدادا حقيقياُ لهذا الخط الذي يملك هويته وتراثه. لكن هذه القوة الواعية بمفردات وجودها، كانت تعاني من مسألة الرصيد التاريخي في مسألة مقاومة الخارج أو الإحتلال الخارجي، أو ما يعرف في الأدبيات السياسية بمقاومة الإستعمار، الذي فُسر على أنه امتداد للحملات الصليبية. وبما أن فلسطين تتشكل من مسلمين سنّة، فإن فرصة إحتكار مقاومة إسرائيل من قبل سوريا العلوية وإيران الشيعية لم تكن سهلة، إلا عبر أحقاب طويلة من عمل دؤوب لخلق هذه الهوية للمقاومة عبر البعد القومي سوريّاً، والبعد الإسلامي إيرانيّاً، حتى خُلق بمرور الزمان ما أرادته هذه الفئة، من إصباغ الصراع مع إسرائيل صبغة تحمل هوية التراث الشيعي العلوي. وجاء هذا الأمر في الأصل كمتطلبات السيطرة والهيمنة، لكنه في بعده التكتيكي، جاء كرد فعل للشعور بالنقص إزاء خلو تراث هذا المكون من أدبيات المقاومة ضد الخارج (مع الإستثناء الذي يثبت القاعدة كصالح العلي في سوريا، وهو رقم واحد بين أرقام كثيرة، وكذلك العشائر الشيعية في العراق ضد الإنجليز في بداية القرن العشرين، لكن الصراع السنّي ضد الغرب يمتد إلى قرون طويلة). لذلك فإن الصخب والضجيج الذي رافق هذه المحاولات الحثيثة لإيران وسوريا، للتأكيد على تبنيهما لخيار المقاومة إزاء ما أسموه ضمناً: إستسلام الدول العربية السنيّة لقوى خارجية، ظل يعاني الركّة والإفتقاد إلى المصداقية المقنعة. بل وصل الأمر أحيانا شذوذاً وإبتذالاً عاد بالوبال على الإسلام نفسه، لمجرد تسجيل موقف سياسي على حساب المصالح الكبرى للشعوب الإسلامية. فالشيعة الذين ما برحوا يطعنون تاريخياً في السيدة عائشة زوجة الرسول (ص)، خرج الخميني ليفتي بقتل سلمان رشدي على خلفية روايته الآيات الشيطانية، لأنه رسم في مشهد متصل بالغرائز الإنسانية، الرسول (ص) يراقب عائشة وينظر إليها حتى تختفي أمام ناظريه. هذا ما أثار "غضب" الخميني الذي ألحق ضرراً كبيراً بسمعة الإسلام، رغم أن سلمان رشدي لم يقل في خصوصيات الرسول ما يشكل الواحد من الألف مما يقوله الشيعة بخصوص زوجاته وأصحابه. لكن الأمر لم يكن دفاعاً عن الإسلام، بل كان جهداً مستمراً لاحتكار تمثيل الإسلام وتسجيل مواقف لصناعة وعي عام لدى المسلمين، أن الشيعة ايضاً لهم رصيد في مقاومة الخارج الغربي أو المحتل الخارجي. هذا بالتزامن مع العمل على خلق صلات قوية مع الجماعات الفلسطينية الإسلامية، وتضخيم صورة المقاومة ضد إسرائيل في لبنان، في العملية التي سميت بمحور المقاومة والممانعة. لكن أحداثاً مهمة ساهمت في تكسير هذه الصورة التي تشكلت جديداً، ولم يكن لها رصيد تأريخي على أية حال. فإيران والجماعات الشيعية في العراق مهدت لأمريكا إحتلال العراق، وقبل ذلك ساهمت إيران في تدمير نظام طالبان في أفغانستان كتناغم مع الهجمة الأمريكية على الأفغانيين. وفي لبنان، ظل اللبنانييون يعانون مهالك مغامرات وكاتيوشا حزب الله (وفق تعبير العلّامة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين)، مع أن الحزب لم يكن يقصد في كل ما كان يفعل ضد إسرائيل، سوى فرض نفسه داخل لبنان، والعمل من أجل الإستراتيجيات التي كان يتفق عليها النظامان السوري والإيراني. ولم ينفع سكان غزة في المجزرة الرهيبة التي استهدفتهم من قبل إسرائيل، كل تلك الفرقعات الصوتية لنظامي إيران وسوريا "المقاومين".

أشرنا إلى أن السياسات الحالية بين السنّة والشيعة ليست امتدادا للصراعات التاريخية بين المسلمين قبل قرون، وإلا فإننا نقع في إشكالية تفسير فرق الموت في العراق، التي كانت تقتل المدنيين السنّة، لتعجيل خروج المهدي المنتظر (قطعا لا يمت هذا الأمر بصلة إلى أخلاق أهل بيت رسول الله). لكن المظلة لهذه العمليات والنشاطات، كانت تلك الأدبيات الإجتماعية والسياسية للقوم. رغم ذلك، فإن هذه الأمور والأحداث مجتمعة لم تستطع أن تكسر الصورة التي خلقتها إيران وسوريا، خصوصاً وأن معركة تموز عام 2006 أعطت هذا المحور قوة دفع قوية إلى الأمام، في تجيير المزيد من الأحداث والعمليات لصالح مسارهم المنشود (أن هوية المقاومة حكر عليهم دون الأغلبية السنية، أو حتى الجماعات السنية المقاومة هي جزء منهم وبهم). وهكذا فإن بعضاً من المفاهيم تم خلطها. فالصفوييون الذين ضربوا العثمانيين مع القوى الغربية، وقبلهم الدولة العبيدية الإسماعيلية (الفاطمية) التي كانت تدعم الصليبيين ضد الدولة الإسلامية في الأندلس، وابن العلقمي ونصيرالدين الطوسي ضد الدولة العباسية لصالح هولاكو...الخ من أحداث تأريخية، وآخرها احتلال العراق بدبابات أمريكية؛ تم استبدالها بالصورة الجديدة: مقاومة إيران وسوريا وحزب الله لإسرائيل، كمحور وحيد مقاوم ممانع. وإذا سألنا عن معنى المقاومة ومدلولاتها، فإن الوقوف بوجه الظلم انتصاراً للمظلومين ضد الإستكبار (وفق تعبير الخميني) يبدو برّاقاً، لكن إيران وحزب الله عملا بعكس ذلك إزاء همجية ووحشية نظام آل الأسد ضد الشعب السوري الأعزل. فما فعله هذا النظام بالشعب السوري يفوق ما فعلته إسرائيل بسكان غزة. لكن المحور المقاوم وقف نصاً وروحاً وفعلاً مع النظام، ضد الشعب السوري المستضعف المظلوم. والسبب أن هذا المحور يعمل تحت تأثير أدبيات خاصة، أشرنا إليها في ثنايا هذا المقال. لكن صورة المقاومة المصطنعة تكسرت دون رجعة، بفضل شجاعة وبأس الشعب السوري، في مقاومة الظلم والطغيان الذي يفتك بهم دون هوادة. وهذه الفضيلة، هي من أعظم ما أنجزته الثورة السورية حتى الآن

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق