جولة الصحافة\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
هل انتهت العروبة ومن يستعيد هويتها .؟
الأحد 31 يوليو 2011
أنظر ايضــاً...

 

بقلم نهاد الغادري

المحرر العربي  - 16/7/2011

 ثمة بُعدان لما يجري في الشرق الأوسط بدءاً من احتلال العراق مروراً بالتغيير في تونس ومصر والثورة الدامية في ليبيا واليمن وسورية ، دون أن ننسى تطلعات إيران الإقليمية ومشروعها النووي المثير للخوف والجدل .

البعد الأول لما يجري داخلي ويتصل بأخطاء أو فساد الحكم وأدواته وتراجع أو تساقط مقوّمات ديمومته .

والبعد الثاني خارجي ويتصل بمشاريع القوى الدولية ذات المصالح. لكل من هذين البعدين عناوين شتى.

في البعد الأول أي الأخطاء وفساد الحكم ثمة عناصر كثيرة يتم توظيفها لتفجيره أبرزها الجمود والعجز وتعدد الرؤوس وصراع العسكر أو الورثة. يحسن التذكير بأن بعض الأنظمة يخون عنوانه فهو جمهوري دون أن يكون جمهورياً.

في البعد الثاني ثمة عاملان: النفط والجغرافيا، وكلاهما شديد الأهمية في رسم العلاقات الدولية وتحديد المواقع والسلطة في عواصم القرار الغربي: واشنطن أولاً، فأوربا وتحديداً لندن وباريس وربما برلين التي تبحث عن موقع بديل من حروبها ثانياً، أخيرا بكين وموسكو بوصفهما استمراراً لصراع يبقى هو ذاته تحت عنوانه الشيوعي أو النظام البديل. المصلحة تخترع نظامها وثقافتها، فكرها وأدواتها.

نتوقف عند البعد الثاني من صراع العواصم الكبرى على اختلاف أو تناقض مصالحها وقدراتها ونفوذها ومشاريعها. يحسن التذكير أن الدول الكبرى لم تعد كبرى كما كان عليه الحال من قبل. صَغُرت أيضاً وتراجع نفوذها وإن هي ظلت تمسك قدرا من حضورها الخارجي بالعلم والصناعة والإنتاج واستمرارية الدولة. الآلة الصناعية بعلومها وسلطانها هي البديل من الجيوش.

لا أحد يجهل أن جغرافيا الشرق الأوسط كانت لزمن بعيد أرض صراع طويل بما هي معبر أو ممر للقوى بمصالحها الإقتصادية. على أن اكتشاف النفط وتعاظم دوره لمرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية أعطى للصراع أبعاداً جديدة وربما اختصرها جميعاً. ليس النفط مجرد سلعة اقتصادية. إنه السلعة الإستراتيجية الأخطر والأغلى التي يحدد التحكم بإنتاجها وتوزيعها مواقع الدول الكبرى وقدراتها الإقتصادية والعسكرية. أما موارد النفط الهائلة فتستعاد بدورة النظام الرأسمالي.

 تحسن الإضاءة على هذا العامل الاستراتيجي من صراع القوى وماينتج من ضغوط تختلف وسائلها فتبدأ من الإقتصاد وتنتهي بالإحتلال -العراق مثلا- أو التغيير: تونس ومصر مثلين وليبيا واليمن وسورية أمثال أخرى.. دون أن ننسى عوامل التغيير الداخلية: الفساد والترهل والقمع التي يتم توظيفها في اللعبة وقد تستدرج التدخل بقدر ماتبرره .

يأخذ التدخل الخارجي أشكالاً عدة سياسية واقتصادية وقد يصاحبه تدخل عسكري كما هو الحال في ليبيا.

يأخذ التغيير أيضاً أشكاله المختلفة. فمن الضغوط على النظام لتبديل سياسته بما يتفق وحاجة القوى الغربية، إلى الضغط لتغيير رأس النظام أو هيكليته وقياداته العسكرية والسياسية. وفي كل أهداف هذه الضغوط يظل العامل الإقتصادي، سواء بالموارد الأولية أم بالإستهلاك، هو المحرك الأول للعلاقات .

مازلنا في التعميم الذي تعيش المنطقة تداعياته وصراعاته الداخلية والخارجية. غير أن نظرة أعمق نلقيها على واقع المنطقة نجد أن الهدف المركزي للضغوط والتغيير يقترب حَذِراً من بلدان الخليج العربي بوصفها المنتج الأكبر لماء الحضارة أي النفط. يحسن هنا أن لاننسى أن احتلال العراق كان مجرد مدخل. والذين يعتقدون أن الإحتلال حقق هدفه بإسقاط صدام حسين يقتربون من الهبل. صدام مجرد رأس من رؤوس حكام تعتقد المؤسسة الرأسمالية في الغرب أنها أينعت وحان قطافها.

هل يتوقف التغيير عند الأنظمة أم يتجاوزها لتعديل الجغرافيا الموروثة وهويتها التاريخية ..؟ مازال مبكراً الجواب وإن كانت الأحداث تطرح أكثر من مشروع للتغيير على الأرض وتترك للواقع أن يستجيب لأحدها .

أي شرق أوسط تتطلع القوى الدولية لاستيلاده .. أية هوية وجغرافيا ..؟

ينقل عن أحد أعضاء الحلقة الضيقة المحيطة بحاكم عربي يواجه تحدي البقاء قوله إن الشرق الأوسط الجديد ولد فعلاً وهو غير عربي. لم تعد العروبة هويته. يضيف الناقل: كان هنالك عالم عربي يملأ المنطقة بمشروعه وفكره القومي وقد انهار المشروع. لم يعد موجوداً. الشرق الأوسط الجديد يشمل بجغرافيته إيران وتركيا. هوية المنطقة بأكثريتها الفاعلة هي إسلامية. اليقظة الشيعية التي حركتها الثورة الإسلامية في إيران بدّلت أحوال المنطقة. أصبحت إسلامية أكثر منها عربية وتحت هذا العنوان يقتسم الشيعة الحضور السياسي مع السنة. تركيا يشكل الشيعة والعلويون أكثر من عشرين بالمائة من سكانها. سورية يشكل العلويون الذي هم فرقة شيعية متطرفة إضافة لمجموعات قريبة من الشيعة خمسة وعشرين بالمائة. لبنان يشكل الشيعة ثلث سكانه. العراق يشكل الشيعة أكثر من نصف عدده. الخليج يشكل الشيعة ثلاثين بالمائة من سكانه. اليمن يشكل الشيعة على تعدد هوياتهم نصف عدد السكان إن لم يزد( هذه الأرقام فيها مبالغة، الراصد) نحن إذن، يقول ناقل الحديث، أمام حقائق جديدة تؤكد أن شيعة الشرق الأوسط تقترب من تناصف العدد مع السنة ويبقى حضورها السياسي والعسكري بإيران وحزب الله وسورية والتنظيمات السرية هو الأغلب. هذا البعد للصراع يعطي شرعيات جديدة ويسقط شرعيات تاريخية. إذن، يقول المقرّب من الحاكم العربي الذي يصارع من أجل البقاء، لسنا أقلية في محيطنا. نحن جزء من شرق أوسط أصبح أوضح في مذهبيته وهويته من عروبته .؟!

لا أعرف مدى دقة مانُقل عن محيط الرئيس المذكور ولاصحته ولكنني سمعته من أكثر من مصدر. هذا يعني أن القوى الخارجية نجحت في اختراق هوية المنطقة العربية، أو لنقل إن أحداث المنطقة وبخاصة ثورة إيران واحتلال العراق وحلف النظام السوري مع طهران وإمساك حزب الله بلبنان والتسلل الإيراني في الخليج، هذه العناصر تستدرج تغييراً يتشكّل على مراحل ويتم توظيفه لإعادة صياغة الجغرافيا ومعها أنظمتها. ماحدث ويحدث في اليمن ببعض عناوينه ليس بعيداً عن هذا. ماجرى في البحرين وثيق الصلة بالمشروع. أخيراً المملكة العربية السعودية جدار العرب الصامد والأخير تصبح مستهدفة في محيطها، بجوارها ومن داخلها. ليس النظام السعودي هو المستهدف كما قد يتم طرحه أو تبرير مشاريعه. إنها الهوية العربية للأرض ووحدتها الجغرافية. يشبه المشروع الفارسي للتغيير المشروع الإسرائيلي في الهدف والأسلوب. إنه يوظف الدين أيضاً ويستعيد التاريخ ويستخدم القوة. الفارق بين الأسلوبين هو أن فلسطين هي حدود اسرائيل الكبرى أما حدود فارس فتذهب بعيداً وعميقاً في جغرافيا الشرق الأوسط. إنها تمتد من العراق إلى سورية فلبنان ومن البحرين واليمن إلى الجزيرة العربية، التي تأخذ فيها السعودية، في غياب القوة العربية المركزية لمصر وسورية، دوراً تاريخياً جديداً ببُعدين متلازمين في صيغتها: بُعد الأمة أي العروبة بما هي هوية الأرض وسكّانها، والدين أي الإسلام بما هو محور تاريخها وحاضرها ومستقبلها وأرض قداسته. يحسن أن لاننسى أن المملكة اليوم، بما يتجاوز أي خلاف، تظل الحارس الأخير لهاتين الهويتين: الدينية أي الإسلام بروحه الأولى وأرضه الأولى وعنوانه السنى وهو الأكثرية العظمى على امتداد العالم، والقومية أي العروبة في أرض نشأتها وانطلاقها، وكلاهما واحد على أرض المملكة. قد لايكون هذا البعد واضحاً لزمن مضى بحكم أن الواقع كان يملؤه المشروع العربي المهزوم ولكن عناصره تتضح اليوم في المواجهة التي تفرضها فارس على كل العرب وليس لها هدف سوى تبديل الهوية والإستيلاء على الأرض والتراث وإعادة صياغة التاريخ بمنظور الخلاف التاريخي بين علي ومعاوية ذهاباً لفتح فارس لعهد عمر بن الخطاب الخليفة الأكثر كراهية في الثقافة الصفوية. لا أحد ينسى أن قاتل الخليفة عمر كان فارسياً ويمجدونه في طهران .!

والسؤال الآن : هل يفيق ماتبقى من العرب أم ينجح مشروع تغيير الهوية .؟ .. وهل يبقى الإسلام عربي المصدر والثقافة بمرجعياته الدينية والعلمية والثقافية المؤتمنة أم تتم فرسنته وعجمنته وأخذه إلى حضن الولي الفقيه قسراً وبولاء مشكوك به قومياً ودينياً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ؟

ليس مطلوباً جر الإسلام إلى عنف صراع المذاهب لأن الخاسر سيكون الإسلام في كل أحواله. المطلوب هو انفتاح المسلم على المسلم واعتبار أن ماحدث في التاريخ قد حدث ومضى بخطئه وصوابه....

أخيراً يحسن التوضيح: إن تحرير إيران من مشروعها الذي توظف فيه المذهبية يخدم مستقبل الشرق الأوسط .. وتظل إيران دولة إقليمية يتطلع العرب لصداقتها بالحياد وروح الإسلام لا لهيمنتها بأدواتها في العراق وسورية ولبنان والبحرين ومواقع أخرى .

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق