جولة الصحافة\العدد التاسع والتسعون - رمضان 1432 هـ
مراجعات في السياسة الشيعية
الأثنين 1 أغسطس 2011

 يوسف محسن – الرافدين 30/7/2011


تحت وطأة المتغيرات العالمية وتيار العولمة، تحاول الأحزاب والنخب الفكرية والسياسية الإسلامية في العراق، ايجاد توافق وتماثل بين الإسلام السياسي والديمقراطية والتعددية الدينية والسياسية والاقتصادية وبناء الدولة والمؤسسات.

ذلك ان هذا الخيار البشري يقوم اولا على اختبارات ثقافية ومجتمعية لصالح العقلانية وتجاوز الهويات الاقلوية والطائفية والهويات ما قبل الدولة واعادة صياغة العلاقة مع الدين عبر نمو النسق القيمي للمجتمع المدني وأنماط الانتاج والحداثة والتحضر.

التعددية والاختلاف والتعايش بين الثقاقات والاديان، وايجاد الفرد الانسان كذات مستقلة، وليس فردا مندمجا بالامة او الجماعة، وتحويل القانون الى قاعدة تعاقد بين الافراد الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في تشكيل الدولة الحديثة، والمساواة في المواطنة والتداول السلمي للسلطة السياسية يرافقها، بالضرورة، تفكيك واعادة انتاج النظام المعرفي (الديني والسياسي)، الذي هو شبكة من التصورات التي كونتها الجماعات ومجمل المسلمات الضمنية واليقينية التي تتحكم بنمط العلائق الفكرية والسلوكية.

فضلا عن ذلك، نهوض عناصر الفصل بمختلف اشكالها، المجتمع المدني، المجتمع السياسي، المجتمع الاهلي، السلطة القضائية، السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية التي تمثل حجر الزاوية في الدولة الحديثة، وتحجيم التكوينات العشائرية ونقد مفهوم الاغلبية واسطورة المحاصصة والتوافقات، هذه كلها اسس لا غنى عنها في بناء الدولة الحديثة وفاعليتها.

كتاب (الشيعة والانتقال الديمقراطي: كيف تعاملت قوى التيار السياسي الاسلامي الشيعي مع المتغيرات السياسية في شؤون الحكم وبناء الدولة في العراق) لغانم جواد، محاولة مراجعة للسياسات الشيعية ما بعد العام 2003 في بناء الدولة والمؤسسات في مجتمع متعدد الاديان والثقافات والطوائف والاثنيات ومسألة الدستور، فضلا عن دراسة قوى المقاومة التي تعرض لها هذا المشروع.

الكتاب قراءة موضوعية تتركز وظيفتها على التقويم وتعزيز التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع العراقي، عبر تطوير المكتسبات الحيوية. ويحاول الكتاب اكتشاف قدرة وتوجيهات التفاعل والعمل السياسي بعد دراسة خطاب قوى التيار الحركي الشيعي قبل وصوله للسلطة واثناء ممارسته للحكم.

 تورد المدونات الشيعية شروط الحاكم الشرعي حيث تتألف من عناصر أساس: النص الالهي للامامة والعصمة، والسلالة الحسينية، وبعكسه يعد كل حكم شيعي في زمن غيبة الامام رافعا لراية الضلالة.

واستناداً الى هذه الشروط، أسست المدونات والادبيات الشيعية وعياً انتظارياً يفضي الى تعليق وظائف الدولة. ظلت فكرة الدولة محصورة بمؤهلات الحاكم وسلطاته، وان شرعية الحكم مستمدة من السماء مع (العلامة الكركي). اجاز الفقيه، بوصفه نائبا للامام المعصوم، منح الشرعية للحاكم ضمن شروط معينة حتى ظهور الامام الخميني، الذي احدث تطورات كبيرة في الفقة السياسي عبر تبينه نظرية ولاية الفقيه العامة، التي تتيح للفقيه ممارسة الحكم.

وقد مثلت هذه النظرية تطورا عابرا لمسلمات المذهب الشيعي الامامي ونظريته التقليدية في الحكم القائلة بعدم شرعية اي حكم عدا حكم الامام الغائب.

التعددية والاختلاف تشكل قضايا الديمقراطية والدستور واحترام حقوق الانسان ودولة القانون والتعددية والتعايش بين الثقافات والاديان ومفاهيم الفصل بين السلطات، من المعضلات الاساس عند الاسلاميين الشيعة، ذلك أن الاحزاب الشيعية لم تكترث بمسألة الديمقراطية في فترة النضال السياسي ضد الحكم الدكتاتوري، ولم تصدر عن هذه القوى رؤى فكرية تحدد شكل الدولة وكيفية ممارسة السلطة، حيث كانت ترى ان الديمقراطية مدرسة سياسية لها جذورها الفكرية والفلسفية والتاريخية وعلى هذا الاساس فلا يصح اعتبارها من اسس الحكم الاسلامي، كما يذكر الشيخ محمد مهدي الاصفي؛ وعد الديمقراطية مذهباً سياسياً يقابل بالتضاد المذهب السياسي الاسلامي وبعدم اعتناق المسلم للديمقراطية والعمل بها كما يقول المرجع كاظم الحائري.

استدعت الظروف التاريخية الاحزاب الاسلامية بعد تسلم الحكم في العراق ايجاد مخرج لقبولها، وذلك من خلال الضرورات الشرعية للتصدي لفرض السلطة وملء الفراق الحاصل بعد العام 2003. تسعى النخب السياسية الشيعية في العراق الى الحصول على الاسناد والتخريج الفقهي الذي يتيح لهم جواز صناعة نموذج رئاسي شرعي يسمح لـ (غير المعصومين) القيام ببعض مهمات وصلاحيات الامام. ذلك ان شرعية اية سلطة سياسية تستند الى نتائج إرادة الناخبين، كما تشير بعض آراء علماء الشيعة، وكما هو الحال مع آية الله السيستاني، حيث تمت صياغة نظرية فقهية جديدة محاولة لموائمة النظريات السياسية الحديثة ومضامين الآليات الديمقراطية (الدعوة لكتابة الدستور التصويت عليه، الانتخابات)، وهنا نرى تطور واستجابة لطبيعة الدولة الحديثة.

 وثيقة الخوئي يكشف الباحث عن وثيقة سياسية فكرية وتاريخية تحت عنوان (شيعة العراق يؤمنون بـ (سيادة الشعب) لا بـ (ولاية الفقية) اعدتها مجموعة برئاسة الدكتور مصطفى جمال الدين مع السيد عبد المجيد الخوئي والسيد محمد بحر العلوم وقدمتها الى الادارة الاميركية في العام 1992 باسم المرجعية الدينية الشيعية في العراق، بخاصة مرجعية الخوئي.

قدمت الوثيقة تصورا عن مستقبل النظام في العراق يقوم على الاسلام والعروبة والديمقراطية، وان الاسلام ليس هو (الدولة الدينية) القائم على (الخلافة) أو (ولاية الفقية) وأنما هو العقيدة التي تعتنقها غالبية الشعب العراقي بعربه وكرده وأقلياته الاخرى، وان الديمقراطية هي النموذج الامثل لنظام الدولة المعاصرة وهي الكفيلة بحل كل المشكلات الطائفية والقومية والاثنية والعنصرية.

وطالبت الوثيقة باطلاق الحريات العامة وفسح المجال للتنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي، وتوفير المجال للتعبير عن الرأي بإصدار الصحف ومنع الرقابة عليها، وضمان حق التظاهر وتشكيل الاحزاب، والمبادرة باجراء انتخابات حرة، ووضع دستور دائم للبلاد. اهمية هذه الوثيقة في انها تقوم على تصور معتدل عن التشيع يتفق مع الرأي العام للمجتمع العراقي. وتستند الوثيقة الى اقوال شفهية عن الامام الخوئي عن حق الامة في الانتخابات وولايتها على نفسها.

سياسية المراجعات يوضح الباحث ان تحليل السياسية الشيعية في العراق والتحولات السياسية منذ العام 2003، يثير عدة اشكالات في الفكر والممارسة الاسلاميين تعيد في مجملها انتاج اشكالية الجدل القائم بين المثالية (توحيد الامة) والواقع التاريخي (انشاء الدولة الوطنية).

فبعد سقوط النظام، كان للاحزاب السياسية الشيعية الهيمنة الكبرى على مسار العملية الدستورية والسياسية في العراق، وجاء الدستور الدائم مفتقدا للرؤية السياسية ولم يشر الى احترام القانون الدولي او القيم والمعايير العالمية لحقوق الانسان.

يناقش الباحث بعض الفقرات الدستورية ويبين ان الاحزاب السياسية الدينية الشيعية لم تقم باية مراجعة اصلاحية او تجديد منظومتها الفكرية واطروحتها الاساسية واطرها التنظيمية لمواجهة ازمات ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري باستثناء محاولتين جديرتين قام بهما المجلس الاسلامي الاعلى، وحزب الدعوة الاسلامية، حيث عقدا مؤتمرين لتنظيمهما في العام 2007 وتحويل فيلق بدر الى منظمة مدنية وتغير عنوان التنظيم من "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق" الى "المجلس الاسلامي الاعلى"، في حين لم يجر تحديث في الاصول الفكرية والسياسية من اجل استيعاب المتغيرات السياسية النابعة من واقع التطورات والتحديثات في نظم واساليب العمل التنظيمي.

 ويرى الكاتب ان صعود الاحزاب السياسية الشيعية الى سدة الحكم (الذي شكل انقلابا في السياسية العربية وفي الموروثات التاريخية للحكم) لم يصاحبه تطوير لنظريات الحكم والسلطة، او اقامة دولة حديثة تنهض على اصلين هما الحرية والمساواة، حسب نظرية مرجعية النائيني.

يقترح الباحث مجموعة من المستويات للمراجعة. اولى هذه المراجعات اعادة رسم العلاقة من جديد بين الدين والسياسة، واعطاء دور للدين في النهوض الحضاري والانعتاق من عصر التقاليد والانضمام الى مسيرة الحداثة، وتأسيس نمط من الفهم الديني لا يعيق بناء الدولة الحديثة، حيث ان استقلال الدين عن النشاط السياسي لا يقود الى انقسام طوائفي ولا يعطي مبررا للعنف، اي ان تكون العلاقة مستقلة بين ما هو ديني وما هو سياسي؛ وهذا يعني عدم تدخل الدولة في عمل المؤسسات الدينية وبالعكس، فالشأن الديني عند الكثير من علماء الاسلام شأن مطلق بينما السياسة شأن نسبي، وذلك ان اي دين يطرح منظومة قيمية ومعيارية ويوجه للاهداف العليا التي يريد ان تسود الحياة ومن ثم الدين حاضر في السياسة كمبدأ موجه.

اما الدولة فان وظيفتها حفظ حرية الاديان والمذاهب في التعبير عن نفسها. وهذه النظرية، كما يرى الباحث، تعالج الواقع التاريخي للمجتمع العراقي متعدد الطوائف والاثنيات والاديان.

لذا، على التيار الشيعي اعتماد سياسة المراجعة وتدارك اخطار المرحلة الماضية التي انقضت وما ترتب عليها من تكاليف بشرية باهضة، حيث ان عدم مراجعة تلك المرحلة ستقود العراق الى كارثة، فضلا عن اعتماد الاسس الوطنية لبناء الدولة بعد ان امتلك التيار الشيعي ثلاثية الثروة والدين والقوة (السلطة السياسية) وحفظ الاستقرار السياسي والسلم الاهلي والتحلي بنهج الوسطية والتسامح، واخضاع السلطة للمساءلة بعيدا عن سلطة المليشيات المسلحة التي تحمى مصالح التيار الشيعي الان بالقوة.

ويشير الباحث بمراجعة ثانية للتيارات الشيعية السياسية عبر التوجه لاعادة تشكيل هذه القوى الشيعية السياسية عبر تنمية كوادرها وقواعدها والافادة من نظريات الفكر السياسي الحديث في قطاعات التعليم والحكم الصالح مع الارتباط الوثيق بالقيم الدينية والعودة الى المشروع الوطني والاندماج بالمجتمع وعدم التمايز. فالمبدأ الاساس في الاسلام هو وحدة الامة، وتبني مفهوم قبول الآخر وضمان حق الاختلاف والتعايش معه في الوطن، فضلا عن الدعوة للحوار الوطني للوصول الى المصالحة بين كل مكونات المجتمع العراقي وخلق اكبر قدر ممكن للمشاركة في مراكز النظام السياسي والحياة العامة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق