إخوان الجزائر واعترافات القرضاوي
الخميس 11 يوليو 2013

 

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

خاص بالراصد

أثارت مواقف الشيخ يوسف القرضاوي من حزب الله، والشيعة عموما، الكثير من الجدل في السنوات الأخيرة، حيث بدأ التحول في مواقفه وآرائه من الشيعة وإيران منذ سنة 2008 عندما اتهم طهران بالوقوف وراء محاولات تشييع السنة في الدول العربية، وحينها لم تلتفت جلّ القيادات الإخوانية لكلامه، بل ذهب البعض منها لانتقاده في غمرة خطاب المقاومة والممانعة وبهرجته.

ولكن مواقفه الأخيرة - بعد تورط حزب الله في سوريا- جاءت مترافقة مع مواقف الكثير من الإخوان في عديد الدول العربية التي استنكرت تدخل الحزب في سوريا، خاصة بعد تأزم العلاقة بين حركة حماس وإيران وحزب الله، والتي شكلت وتشكل المحدد الرئيسي لمواقف الإخوان المسلمين من جل القضايا.

والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو عن انعكاسات المواقف الأخيرة للشيخ يوسف القرضاوي على تصورات الإخوان المسلمين في الجزائر لحزب الله وإيران؟، وهل ستدفعهم لإعادة النظر في موضوع التشيع خاصة؟

بعد القرضاوي

تعدّ مشاركة حزب الله في الحرب إلى جانب قوات الأسد، إضافة إلى الدعم الروسي والإيراني، سببا مباشرا حالَ دون سقوط نظامه. كما ساهمت في تأزم الأوضاع أكثر ومضاعفة معاناة الشعب السوري نظرا لحجم الجرائم التي ارتكبت بحقه بعد مرور أكثر من سنتين على ثورته، والتي راح ضحيتها أكثر من مائة ألف سوري، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل المعطيات الحالية والتي لا تؤشر لحسم قريب للحرب، فضلا عن الدمار الهائل الذي لحق بجلّ المدن السورية.

هذه المواقف كان من الطبيعي أن تُحدث تحولا في مواقف الشيخ يوسف القرضاوي ويصبح الحزب الذي كان يدافع وينافح عنه في وقت سابق حزب الشيطان وزعيمه نصر الطاغوت، والمقاومة كذبة والتقريب خدعة وأضحوكة.

 وباعترافه أن "مشايخ السعودية كانوا أنضج منه وأبصر منه؛ لأنهم عرفوا الشيعة وتحديدا حزب الله على حقيقتهم" فإنه أعاد للأذهان موقف المرجعية الإخوانية ومواقف الكثير من الرموز الإخوانية التي وقفت في وجه الشيخ على غرار المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف والذي صرح باستعداده لإرسال عشرة آلاف متطوع لمساعدة حزب اللات خلال حرب لبنان عام 2006م! بينما سكت تماما عن مذابح المسلمين في العراق على يد المليشيات الشيعية المجرمة. وغيره من القيادات مثل محمد سليم العوا، يوسف ندى، كمال الهلباوي، وغيرهم الكثير، الذين أصبحوا مطالَبين (ببيان اعتذار جماعي) للأمة عن مواقفهم السابقة([1])! وما دام أن القرضاوي أقر بخطئه، وأقر بأن علماء السعودية الكبار كانوا أنضج وأبصر، فما الذي ينتظره طلاب القرضاوي ومريدوه؟ لماذا لا يعتذرون عن شتائمهم، وحملاتهم الكاذبة؟ لماذا لا يعتذرون لكل من كان ذا بصيرة وتعقل([2])؟

وانطلاقا من العلاقة الوطيدة بين الشيخ يوسف القرضاوي وإخوان الجزائر فإننا نطرح نفس السؤال عنهم وتحديدا حركة مجتمع السلم؟

بيان ومقاطعة

غني عن التذكير بمواقف الإخوان الجزائريين أو المغاربة التي كانت أكثر تحمسا وتلهفا للمشروع الإيراني (الإسلامي)، ممثلا خاصة في حزب الله الذي رفع لواء المقاومة ومنافحتهم عنه طيلة العقود الثلاثة المنصرمة. وفي المرحلة الممتدة بين بداية الثورات العربية والموقف الجديد للشيخ يوسف القرضاوي من حزب الله استمرت مواقف الإخوان المسلمين في تأييدها لإيران ووكيلها اللبناني وإن بشكل أقل تحمسا.

 وبالنسبة لإخوان الجزائر فإننا لم نسجل في هذه الفترة ما يشي بتحول في نظرتهم لإيران، بل كانت القيادات الإخوانية، ومنها الجزائرية، جزءا من آليات المشروع الإيراني في شقه الإعلامي، الذي حاول الملالي الترويج له بالاستثمار في الثورات العربية وجعلها منتجا خمينيا، إذ شارك الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم أبو جرة سلطاني في مؤتمر الصحوة الإسلامية الذي عقد في طهران بتاريخ: 17 و18 سبتمبر/ أيلول 2011 وحينها كال المدح لإيران والخميني ولم ينتبه لحقيقة الغرض من ذلك المؤتمر أو أنه تغافل عن ذلك، وكلا الأمرين يعكسان قصر النظر السياسي لزعيم (حمس) ولربما مرشدها الحالي([3]).  

ولكن بعد تورط حزب الله في سورية بشكل مباشر خاصة في القصير بدأنا نشهد تحولا في مواقف إخوان الجزائر من حزب الله وإيران حيث أعلن رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري عن رفض الحركة وإدانتها لتدخل حزب الله في سوريا ومشاركته في قمع الثورة، حيث أكد أن التدخل الأجنبي موجود بأشكال متعددة، ولكن التدخل المباشر والواضح البيّن هو تدخل حزب الله وإيران، والقتل الفظيع الممارس على الأطفال والنساء، ودعم النظام الظالم والمجرم([4]).

وعلى عكس الفترة السابقة التي كان يفاخر فيها إخوان الجزائر باستضافة قيادات حزب الله في مؤتمراتهم السياسية الكبرى والتي لم تكن تخلو من الترويج والإشادة بحزب الله، ومن خلاله الشيعة، دون أن يعي هؤلاء خطورة ذلك بل كانوا ينظرون إلى مَن يثيرونه بكثير من الاحتقار والاستهزاء وحتى التشكيك في نواياهم وإخلاصهم، واتهامهم بالعمالة للمشروع الصهيو- أمريكي([5]).

لكن المؤتمر الأخير لحركة مجتمع السلم الذي عقد في بداية شهر مايو/ أيار 2013، ثم مؤتمر ذكرى وفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي عقد في شهر جوان/ يونيو/ حزيران 2013، لم توجه فيهما أي دعوة لحزب الله نظرا لمواقفه من سورية، التي استنكرتها حركة مجتمع السلم، وأصبح الحزب نتيجة لذلك عبئا على الحركات الإسلامية بسبب الإحراجات التي أوقعها فيها مع قواعدها والرأي العام عموما مثلما حصل في مؤتمر حركة النهضة التونسية في شهر أوت/ آب/ أغسطس 2012، والبلبلة الكبيرة التي أحدثها حضور المعتقل اللبناني السابق في إسرائيل سمير القنطار عندما أشاد بالنظام السوري علانية مما تسبب في ردة فعل من الحاضرين كاد جراءها أن يلقى حتفه لولا تدخل قوات الأمن وتهريبه من الباب الخلفي.

بيّنة ومقاطعة

موقف الشيخ القرضاوي جاء بصياغة تحمل الكثير من المعاني التي لا تروق للسياسيين ولا يمكنهم الحديث بتلك الصراحة، فهو بخصوص مسألة إيران والشيعة أقر بعدم نضجه مقارنة بمشايخ الخليج، وأنه أخطأ خطأ جسيما وكبيرا، وأن الشيعة ضحكوا عليه، ومثل هذا التصريح إذا صدر من سياسي فإنه يعني نهايته، لذلك لم تكن بيانات إخوان الجزائر تحمل صيغة الاعتذار والإقرار بالخطأ على ما كانت تتبناه من مواقف سبق وأن حذرنا قبل سنوات أن تلدغ منها بشكل مستمر وتحديدا الدكتور عبد الرزاق مقري الذي كان يقلل من خطورة التشيع والشيعة ويستبعد طائفيتهم التي تبيّنت له الآن([6]).

 فخليفة أبو جرة سلطاني في رئاسة حركة مجتمع السلم توقف عند القول إن حزب الله أظهر وجهه الحقيقي القائم على الطائفية وإنه تابع لإيران ويستغل البعد المذهبي والطائفية ولا تهمه فلسطين والمنطقة العربية. وأصبحت الحركة تتحدث عن الإجرام البشع الذي يمارسه النظام السوري والتدخل الأجنبي السافر من قبل حزب الله اللبناني الذي ظهر على حقيقته الطائفية الإجرامية، وكذا من قبل إيران في ظل الصمت العربي والتواطؤ الدولي([7]).

ولكن هل يكفي أن يصرّح رئيس (حمس) بإدانته تدخل حزب الله في سوريا؟، وهل يكفي أن لا توجه دعوات للحزب في مناسبات الحركة الرسمية؟

طبعا هذه المواقف على أهميتها غير كافية إطلاقا من الإخوان المسلمين خاصة وأنهم بمواقفهم تلك كانوا يروجون للتشيع ويدافعون وينافحون عنه، أو بتعبير الشيخ يوسف القرضاوي كان الحزب وإيران يضحكون عليهم، والمؤسف أن ضحك إيران على هذه القيادات استمر حتى بُعيد اندلاع الثورات العربية عندما راحت طهران تسوّق لما سمته ثورات إسلامية تستلهم من الخميني وتوظف الإخوان في الترويج للفرية كما سبقت الإشارة.

والشيخ يوسف القرضاوي مرجعيتهم وعليهم إذاً أن يعلنوا بدورهم أنهم كانوا مخطئين في مواقفهم السابقة، وأنهم أساؤوا لغيرهم في ذلك، وما دام عبد الرزاق مقري المعروف بشجاعته ومواقفه الجريئة وثباته عليها أعلن اعتذار الحركة للشعب الجزائري عن أخطائها السابقة([8])، فإن عليه أيضا الاعتذار عن أخطاء الحركة على المستوى الديني العقدي المباشر أو على الأقل الأخطاء السياسية الخارجية وليس فقط الداخلية من باب الخطاب السياسي ومستلزماته بالرغم من أننا أمام حزب أو حركة إسلامية غايتها أسمى، والسياسة مجرد وسيلة لتلك الغاية وليست هدفا في حد ذاتها كما تقول أدبياتها.

إذاً سواء من حيث الواجب الديني أو على الأقل الاعتبارات السياسية وحتى الشخصية يجب أن تردّ الحركة الإسلامية الصاع صاعين لإيران، وذلك من خلال التكفير عن أخطائها السابقة بتدارك ظاهرة التشيع التي باتت تنخر مجتمعنا ببطء شديد، فقد نستفيق بعد قرون على كانتونات شيعية تقوم بما يقوم به النصيرية اليوم في سوريا، والتاريخ لا يرحم وسيسجل أن الحركات الإسلامية أخطأت مرتين في هذا الموضوع:

-        الأولى: عندما فتحت أبوابها للتشيع وفرشت له الطريق، وراحت تخوض معارك لأجله.

-        الثانية: أنها ورغم إدراكها لحجم الخطأ الذي ارتكبته في حق أمتها ومجتمعها لم تحاول تدارك ذلك ولم تصلحه.

الخلاصة:

رغم الحالة شبه الميئوس منها من مواقف الإخوان المسلمين تجاه إيران عموما والتشيع خصوصا طيلة العقود السابقة، بل وحتى بُعيد نجاح الثورات العربية، إلا أن مواقف الشيخ يوسف القرضاوي الأخيرة واعترافه بالخطأ الكبير الذي اقترفه بتصديق الإيرانيين الذين كانوا يخدعونه أعادت الأمل لمراجعة الإخوان عموما والجزائريين خصوصا لنظرتهم لإيران، واهتمامهم بالبُعد العقدي في مشروعهم السياسي.

 وأحاديث هؤلاء عن طائفية حزب الله وعمالته لإيران (والتي لا تستقيم مع شعار مقاومة إسرائيل) لا شك أنها متقدمة في هذا السياق، ولكنها في المقابل تبقى جد متأخرة إذ جاءت بعد سنتين عن الثورة السورية، وبعدما زهقت أرواح أكثر من مائة ألف سوري، وتدمير بلد يستحيل أن تحرر فلسطين من دونه.

بناءً على هذا ونظرا لحجم الكارثة التي حلّت بالشعب السوري وحجم تضحياته فإن مواقف الإخوان الجزائريين موضوع دراستنا تظل دون المستوى المطلوب، وتقتضي العمل الجاد للتكفير عن أخطائهم وتدارك مشكلة التشيع قبل أن تصبح في قادم الأيام قضية مجتمعية، ولربما تعيش المجتمعات المغاربية مآسي على غرار مأساة الشعب السوري اليوم، يكون سببها هذه البذرة الخبيثة التي نبتت في مجتمعاتنا.

 وعلى هذا الأساس فالمطلوب ليس بيانا ومقاطعة وإنما بيّنة وقطيعة نهائية، وذلك ببذل جهود أكثر في محاربة الظاهرة كما كانت تفعل سابقا في السعي لترسيخ مشروع التقريب وتجسيده على أرض الواقع من خلال المؤسسات المختصة والمؤتمرات والندوات وكذا المؤلفات، وهو المشروع الذي أعلن راعيه نعيه.

 وهناك مبادرات محلية في هذا السياق على مستوى فروع بعض مؤسسات الحركة، ولكنها مبادرات تكاد تكون فردية ومعزولة، في حين يفترض أن يكون هذا الموضوع أحد أهم الملفات في برنامج الحركة التي يمكنها من خلال ما تملكه من منابر سياسية وإعلامية ودعوية أن تقود حملة لمحاربة التشيع في الجزائر، وحتى في المنطقة المغاربية بالتنسيق مع الحركات الإسلامية في الدول المجاورة.

إذ يمكنها مثلا على المستوى الوطني تقديم مطالب سياسية من بينها وقف النشاطات الثقافية للسفارة الإيرانية التي تأكد قيامها بنشر التشيع في عديد الدول العربية كما ثبت مؤخرا في ليبيا وتونس، وهو الأمر الذي دفع المملكة المغربية لغلق السفارة بالكامل في وقت سابق. أو تقديم رسائل إدانة واحتجاج لها وللسفارة اللبنانية، وحتى للسفارة العراقية، وهنا تجدر الإشارة لمبادرة حركة النهضة التي عبرت عن رفضها لمسح ديون العراق بسبب سياسات حكومته الطائفية([9]).

كما أنه وبعيدا عن النشاطات السياسية يجب أن تلتفت الحركة للمخاطر التي تتهدد المجتمع الجزائري وتماسكه وبشكل خاص خطر التشيع وتصغي لتحذيرات ونداءات زعيمها الروحي الشيخ يوسف القرضاوي، وذلك بوضع برنامج ومخطط بعيد المدى لرصد الظاهرة وسبل مواجهتها، وقبل ذلك تحصين أبنائها من هذا الخطر، إذ يمكنها على سبيل المثال أن تفتح نافذة في الموقع الإلكتروني للحركة للتعريف بالشيعة ومعتقداتهم، وتجعله أحد محاور النضال الإلكتروني لشباب الحركة، وتخصص جزءا من البرنامج الدراسي لأكاديمية جيل الترجيح لهذه القضية، وغير هذا من النشاطات التي من المفترض أن تكون مؤسسات الحركة أدرى بها.

 



([1]) عمر خليفة راشد، اعتذر الشيخ القرضاوي فأين البقية؟! 03/06/2013، على الرابط: http://omarblog.com/54.htm

([2]) طارق الحميد، تراجع الشيخ ماذا عن الشتامين؟ جريدة الشرق الأوسط، 02/06/2013، العدد 12605،  على الرابط:

  http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&issueno=12605&article=730894

([3]) بوزيدي يحيى، الحركة الإسلامية الجزائرية وإيران: مراجعات أم تراجعات؟ مجلة الراصد، صفر 1434ه،  العدد 116، على الرابط: http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5980

([4]) عبد الرزاق مقري: ما يحدث في سوريا حرب عالمية بالوكالة، مجلة المجلة، 01/06/2013، على الرابط: http://www.majalla.com/arb/2013/06/article55245449  

([5]) بوزيدي يحيى، إخوان الجزائر هل يلدغون من جحر التشيع مرتين؟ مجلة الراصد، 27/06/2009، العدد 73، على الرابط: http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4328

([6]) بوزيدي يحيى، إخوان الجزائر وجحر التشيع، مجلة الراصد، 16/01/2010، العدد 80، على الرابط: http://alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4136

([7]) رئيس الحركة د.مقري يستقبل وفدًا سوريًا، حمس نت، 27/05/2013، على الرابط: http://www.hmsalgeria.net/portal/plus/couvertures/3551.html

([8]) مقري يعتذر عن أخطاء "حمس"، جريدة الشروق الجزائرية، 21/05/2013، على الرابط: http://www.echoroukonline.com/ara/articles/165383.html

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق