الحركة الإسلامية الجزائرية وإيران.. مراجعات أم تراجعات؟
الخميس 13 ديسمبر 2012

بوزيدي يحيى – باحث جزائري

خاص بالراصد

ارتبطت علاقة إيران بالعالم العربي بعد سنة 1979 ارتباطا وثيقا بالحركات الإسلامية، وأبرز ما ميز العلاقة بين الأخيرة والجمهورية الإيرانية الوليدة اختلاف حدة الموقف منها التي تناسبت عكسيا مع الموقع الجغرافي للدولة فكلما كانت أبعد عن إيران كان الموقف أقل حدة منها، لذلك كانت مواقف جل الحركات الإسلامية المغاربية مؤيدة لإيران ومدافعة عنها، ومن أهم النتائج التي ترتبت على هذا أنها جعلت منها بيئة مهدت لحركة التشيع في هذه الدول لدرجة تجعلنا لا نبالغ بالقول إن الطريق إلى التشيع في المغرب العربي مرّ عبر جماعة الإخوان، كما ساهمت في الترويج للسياسات الإيرانية والتغطية على أخطائها وخطاياها لعقود طويلة بحجة تأييد محور الممانعة ودعم المقاومة.

غير أن التحولات الجارية في المنطقة العربية منذ الربيع العربي وبشكل خاص عقب الثورة السورية والموقف الإيراني الداعم لجرائم النظام السوري، واستماتة حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني في تأييد بشار الأسد والذي كان يقود قاطرة المشروع الإيراني ويجر من خلفه الكثير من العربات الإخوانية والقومية وغيرهما دفعت الكثيرين إلى إعادة النظر في موقفهم من إيران، والسؤال الذي يطرح في هذا الإطار هو: كيف أثرت التحولات الجارية عربيا في موقف الحركة الإسلامية الجزائرية من إيران؟

في البدء كانت المناكفة

موقف الحركة الإسلامية الجزائرية من الثورة الإيرانية لا يختلف كثيرا عن عموم مواقف نظيراتها في المغرب العربي، حيث أبدت إعجابها بالنظام الجديد وتجلى ذلك في الموقف المؤيد للخميني والإشادة به  مجاراة للتأييد الشعبي العام له وحتى محاولة محاكاته، كما حضر الهمّ المشترك في نصرة فلسطين الذي رفعته طهران حين ذاك، إلى جانب مواجهة الشيطان الأكبر والأصغر الذي ابتدعه الخميني وكان له وقعه الخاص على عواطف الإسلاميين العرب.

ووراء هذه الواجهة كانت تقف أسباب أخرى لا تقل أهمية، بل هي السبب الحقيقي الذي دفع إلى هذا الموقف من إيران، ويتمثل ذلك في الصراع بين الاتجاهات السنية (الإخوان والسلفيين) وهذا الخلاف ارتبط ارتباطا وثيقا بالموقف من الأنظمة الخليجية، وبغضّ النظر عن تفاصيل الاختلافات فإن الخطاب المنافح عن إيران كانت حججه التي يحاول بها دحض اتهام إيران بالتشيع بشكل خاص، في غالبها تنحصر في اتهام السلفيين بالتشدد والتعصب وقصر النظر خدمة لأنظمة عميلة للولايات المتحدة فقط.

وجلّ قادة الحركة الإسلامية الجزائرية في الثمانينات وحتى قبيل الثورة السورية كانوا مؤيدين للخميني ويعتبرونه من أعلام الصحوة وأهم رموزها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قيام رابطة الدعوة الإسلامية الجزائرية برثاء الخميني، والتي كان من أعضائها عباسي مدني وعلي بلحاج ومحمد سعيد الوناس، وقد وقّع التعزية باسم لجنتها التحضيرية الشيخ أحمد سحنون، الذي نظم قصيدة يرثي فيها الخميني تحت عنوان "هوى النسر" وصفه فيها بالإمام الحق حامي الديار والقائد الكبير وقاهر الشاه وصانع صحوة، ويقول في آخرها([1]):

يا رب  لا تحرم الخميني            من خير دار وخير جار

ولا تـعذبـه يا إلهـي                          بزمـهريـر ولا بنـار

فإنه عـاش في جهـاد                 بـلا هـدوء ولا قـرار

ويشير الشيخ عبد المالك رمضاني الى أن سحنون اعتذر عن المرثية بأن الذي وسوس له أن ينظمها هو محفوظ نحناح أمير الإخوان المسلمين -رحمه الله-، وينقل في نفس الكتاب عن مجلة السنة (العدد 11 ص: 57) قول عباسي مدني الناطق باسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ خلال زيارته لإيران قوله: "إن المصباح الذي أضاءه الإمام الخميني نوّر قلوبنا جميعا، إننا نعتقد أن الثورة الإيرانية ستنقذ الأمة الإسلامية، بل البشرية جمعاء... إن الشعب الجزائري على أهبة الاستعداد للوقوف بجانبكم صفا واحدا لرفع آية الله أكبر في العالم"([2]).

أما نائبه علي بلحاج فقد رد على سؤال صحفي فرنسي عن الثورة الإيرانية بالقول: "ومن قال لكم إنها ليست ثورة إسلامية؟ ومن قال إن الخميني ليس مسلما؟"، هذا الموقف لعلي بلحاج المؤيد للخميني يؤكده في كتاب حول إيران نشره في موقع إلكتروني ينسب إليه، تحت عنوان "حكم امتلاك الأسلحة النووية والموقف من الأزمة الإيرانية في ميزان السياسة الشرعية والنظرة الإستراتيجية"([3])، حيث يذكر علي بلحاج أنه بتاريخ 10 نيسان/ أبريل 1991 عندما كثر اللغط حول عقائد الشيعة وهل هي عقائد يتبناها النظام الإيراني حقيقة أم أنها منسوبة إليه زورا وبهتانا شأن المقالات المنتحلة على كثير من الفرق دون استثناء، فما كان منه إلا أن جمع تلك العقائد الفاسدة وطلب من علماء وحكام إيران إبداء رأيهم فيها، وهل هي منسوبة إليهم كذبا وافتراء أم لا؟ ومازال ينتظر الجواب إلى يوم الناس هذا.

وكان عنوان المقالة: "القول الصريح في بعض معتقد الشيعة الطريح"([4])، نفهم من هذا أنه حينها كان بعد مرور أكثر من عقد على الثورة ووصول الملالي إلى الحكم يظن أن ما يقال عن الخميني ونظامه مجرد اتهامات تنسب إليه زورا وبهتانا أو على الأقل يشك فيها، ولم يكلف نفسه خلال كل هذه الفترة السعي للتأكد من ذلك رغم أن مجرد عدم الرد عليها في وقتها دليل كاف وشاف إلا من كان في قلبه مرض.

 

وعموما فان موقف قادة حركة مجتمع السلم (حمس) لا يبتعد كثيرا عن هذا المضمون في تأييده لإيران، وذلك بمشاركتهم في مشروع التقريب الذي كان يتزعمه الشيخ يوسف القرضاوي، وحتى في الهجوم الإيراني الشيعي عليه بعد تصريحاته التي اتهم فيها إيران بمحاولة نشر التشيع، فإن موقف أبو جرة سلطاني رئيس حركة مجتمع السلم ونائبه عبد الرزاق مقري لم يتغير واستمر في تأييده لإيران والتهوين من خطر التشيع والاحتفاء بحزب الله في مناسباته التي كان يحضرها ممثل عن الحزب([5])، وحتى بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر التي أسقطت نظام حسني مبارك شارك أبو جرة سلطاني في مؤتمر الصحوة الإسلامية في طهران بتاريخ 17/09/2011، وهو المؤتمر الذي حاولت فيه إيران إيجاد بديل عن فكرة التقريب لاختراق المجتمعات السنية عقب انفضاحها بتأييد المجرم بشار الأسد.

حمس: حديث عن الصحوة والطائفية

تضارب موقف رموز حركة مجتمع السلم إلى حد التناقض بين أبو جرة وعبد الرزاق مقري من إيران رغم دعمهم للثورة السورية.

والملتقى الذي نظم في طهران حول الصحوة الإسلامية وشارك فيه أبو جرة هو بالدرجة الأولى مناسبة لغرض سياسي إذ كان الخطاب الإيراني الرسمي حين ذاك يحاول ركوب موجة الثورات العربية وتحويرها بما يخدم مصالحه واصفا إياها بالصحوات الإسلامية المستلهمة من (الثورة الإسلامية) والخميني، وقد أثار ضجة خاصة بعد خطبة المرشد علي خامنئي بالعربية الموجهة للمصريين بشكل خاص والعرب بشكل عام، وكانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في مقدمة من تولى الرد على الخطاب الرسمي الإيراني، ولا يعقل أن تغيب هذه الخلفية عن أبو جرة سلطاني وهو المتمرس والمشتغل بالحقل السياسي، فهل كان مجبرا على أن يلبي الدعوة ويجعل من نفسه أداة إعلامية لإيران؟

قد يتفهم البعض موقف حركة حماس التي أقر رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل أن إيران تستغل دعمها للمقاومة لخدمة مصالحها ولكنه لا يستطيع أن يمنعها من فعل ذلك، ولكن موقف أبو جرة الذي قبل فيه دعوة السفير الإيراني بالجزائر لحضور المؤتمر وكان يمكنه أن يعتذر لأي سبب من الأسباب، ولكن المشاركة وإلقاء كلمة تشيد بإيران وتنتهل من القاموس الخميني، أثبت مدى سطحية إدراك زعيم (حمس) لحقيقة إيران.

في كلمته الافتتاحيه اقتصر على التسليم على آل البيت والصحابة أجمعين، وهو تمهيد متداول حتى عند الشيعة في المحافل السنية، غير أنهم ينطلقون من خلفية التقية حيث يكون المقصود حينها عددا قليلا جدا من الصحابة وليس كلهم، ولكن اللافت أيضا في الكلمة التي ألقاها أبو جرة هناك أنها كانت تحمل الكثير من المفردات الخمينية إن صح التعبير على غرار "وركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أهم ركن من أركان الصحوة الواعية الذي قام عليه هذا الدّين من أوّل يوم لمواجهة كلّ مخطّطات الاستكبار في الأرض"، وقد استهل الكلمة بالحديث عن المستكبرين وعرج على الاستعمار واستراتيجياته القديمة والجديدة.

ولا شك أن هذا التوظيف لم يكن اعتباطيا فهل كانت صيغة الافتتاحية كذلك؟

ولو قارنا كلمة أبو جرة بكلمة الرئيس المصري محمد مرسي في قمة عدم الانحياز بطهران، والذي حرص فيها على الترضي عن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- والذي لا شك أن مرسي قصد تمرير رسالة مفادها أن الموقف من الصحابة من بين الخطوط الحمراء التي تعكس حقيقة الانتماء لأهل السنة والجماعة وقد سنّ بذلك سنة حسنة، مما يجعل من الضروري الوقوف عند كلمة أي زعيم أو قيادي عربي وبشكل خاص إسلامي في أي لقاء مع رموز إيرانية أو شيعية.

أما الرجل الثاني في (حمس) عبد الرزاق مقري المعروف بمواقفه الجريئة وانتقاداته اللاذعة، فقد انتقد المشروع الفارسي أيضا وقرنه بالأمريكي والصهيوني، حيث كتب في صفحته على الفيسبوك قبل فترة يقول: "ما يعيشه الأشقاء السوريون مأساة لا نظير لها، العالم كله يتفرج، بل هناك ممن يقول لا إله إلا الله يدعم المجرم بشار الأسد وشلّته الطائفية ويتمنى أن يسحق شعبه... ستكون سوريا هي بإذن الله المنعطف الأساسي لنهاية المشاريع الصهيونية والفارسية والعلمانية والأمريكية في المنطقة العربية وسيكون الشعب السوري الأصيل هو سيد بلده بحول الله وسيكون مشروع الأمة هو الظاهر على غيره بعز عزيز أو ذل ذليل. والأيام بيننا والله غالب على أمره".

علي بلحاج: التحول تحت سقف المناكفة

لم يغب عباسي مدني عن الحدث السوري أيضا حيث أصدر بيانا انتقد فيه جرائم بشار الأسد ضد الشعب السوري، ولكنه لم يتطرق فيه بشكل مباشر لإيران([6])، أما الموقف الجديد لعلي بلحاج فيمكن رصده من خلال كتابه الذي أشرنا إليه سابقا في ثلاثة محاور أو قضايا وهي: النظام السوري، والملف النووي، والمد الشيعي.

1- النظام السوري

يصف علي بلحاج مساندة النظام الإيراني لطاغية سوريا السفاح الذي يذيق شعبه سوء العذاب  بالجريمة الكبرى والجريرة العظمى والنقطة السوداء الكالحة التي ستبقى وصمة عار في تاريخ النظام الإيراني الحالي، وأنه بذلك يكون قد خالف منهج الأئمة الإثني عشر في مقاومة الظلم والظالمين وأعوانهم([7]).

وحديث حكام طهران عن المؤامرة الدولية ضد سوريا لرفعها لواء المقاومة والصمود حجة ضعيفة وطرح متهافت، وحتى مساندة المقاومة لا تُعتبر مبررا شرعيا أو سياسيا أو إنسانيا لمساندة نظام طاغية يقتل شعبه ويدمر البلاد والعباد بالطائرات وراجمات الصواريخ لذا ففي تصوره كان الواجب على حكام إيران أن يصارحوا الطاغية السفاح "بشار" فيقولوا له نحن نحفظ لك ذلك "الجميل" ولكن بما أنك أصبحت جلادا وطاغية وسبعا ضاربا على شعبك الثائر فنحن سنقف مع الشعب المظلوم فالشعوب باقية والأنظمة زائلة مهما طال عمرها فهي أخلد من حكامها صالحين كانوا أم طغاة فاسدين([8]).  

2- الملف النووي الإيراني

الملف النووي هو عنوان الكتاب وموضوعه الأساسي، وحوله يرى الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ سابقا أن الواجب على دول الخليج السعي إلى امتلاك السلاح النووي والوقوف ندا لإيران وغيرها من الدول التي تملك أسلحة نووية أو عقد تعاون مع إيران في مجال الدفاع المشترك على أهل القبلة، بدل مطالبتها بإيقاف برنامجها النووي.

ومع قراره بحق دول الخليج في الدافع عن نفسها إذا ما تعرضت لعدوان عسكري من طهران، إلا أنه يتبع ذلك بجملة من الأمور التي يرى بأنها (غير جائزة) بداية من استعداء العالم الغربي ضد طهران وممارسة النميمة السياسية والاستخباراتية أو حشد الرأي العام الدولي لتشديد الخناق على إيران، والمشاركة في العقوبات الاقتصادية والحظر النفطي لا سيما وهي عقوبات وضعت من طرف دول الاستكبار العالمي الحليفة للكيان الصهيوني المجرم، كما لا يحق لها تعويض نفط إيران وحتى لا يجوز  في نظره أيضا فتح ممر مائي تعويضا على مضيق هرمز بدافع النكاية والإضرار بالغير لأن ذلك يدخل في حرب اقتصادية ضد الشعب الإيراني. وفضلا عن ذلك مشاركة أمريكا أو إسرائيل أو حلف الناتو في مهاجمتها أو تقديم الدعم العسكري لضرب إيران من أراضيها أو موانئها أو مطاراتها.

 

3- المد الشيعي

يؤكد علي بلحاج على حق علماء دول الخليج في الوقوف أمام المد الشيعي بالرد العلمي بمختلف الوسائل على مقالات وعقائد الشيعة من الكتاب والسنة وعقد المناظرات والمساجلات فكل ذلك من جنس الجهاد وهو أفضل من نوافل العبادات فالطريق مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل، غير أنه سرعان ما يشرع في سرد جملة من المواقف التي ينسف بها هذا الرأي عندما يتهم بطريقة أو أخرى رغم محاولته وضع استثناءات، العلماء بخدمة الأنظمة الخليجية صنيعة الغرب فقط وفي نفس الوقت يمنحها شرعية بمحاربة التشيع ودعم الشعب السوري، حيث يقول: "من حق الأنظمة الخليجية نشر مذهب أهل السنة والجماعة والرد على العقائد الفاسدة ضمن الأخلاق والضوابط، ولكن السؤال المطروح: هل يجوز شرعا وسياسةً فسح المجال للماسونية والروتاري والتنصير ودعاة البوذية وعبدة الشيطان والنشاط الصهيوني، ومنع دعاة الشيعة من الدعوة إلى مذهبهم وهم من فرق أهل القبلة فإما أن يمنع الجميع أو يفسح المجال للجميع، ولاشك أن أهل السنة والجماعة لهم قدرة على الدفاع عن عقيدتهم ومنهجهم والرد على جهل الجاهليين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين".

ثم يضيف في موضع آخر "ولا يجوز لدول الخليج أن تقف بالمرصاد للمذهب الشيعي ولكنها في نفس الوقت تفسح المجال الواسع للدعوات الضالة الكافرة من سائر الملل والنحل بدعوى حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية أو تحت تشجيع قيم التسامح بين الأديان السماوية والأرضية وترقية الحوار بين الأديان كما فعلت السعودية التي عقدت مؤتمر الحوار بين الأديان في الرياض وآخر في إسبانيا!! فهل يعقل أن نفتح الحوار مع الأديان السماوية والأرضية ونمنعه ونقمعه ونغلقه بين الفرق الإسلامية من أهل القبلة؟ والأعجب غلقه وسده أحيانا بين أتباع المذاهب الأربعة من أهل السنة والجماعة؟ فما أقبح الكيل بأكثر من مكيال"، وهو يرى أن ما يجري في البحرين قمع لثورة الشيعة هناك والسكوت عنها بسبب وجود  قاعدة للأسطول الخامس الأمريكي ([9]).

 

الخلاصة:

تتبع مسار مواقف الحركة الإسلامية الجزائرية من إيران وكل القضايا المحيطة بها يكشف ضبابية في منطلقاتها وأسسها وخضوعها لمتغيرات آنية، واحتاجت مرور أكثر من ثلاثة عقود ليحدث تحول جزئي فيها رغم كل الممارسات السابقة، مما يؤكد تأثير الخلافات داخل الوسط السني على رؤية الإخوان لإيران وعدم قدرتهم على الفصل الموضوعي بين القضايا، أما تبرير دعم إيران والدفاع عنها بدعم المقاومة في فلسطين فتلك مراهقة سياسية تطعن في عقلهم السياسي الذي ظل أسير بعد أحادي وهو البعد الفلسطيني في إدراك إيران.

وفي ظل هذه المعطيات لا يمكن الحديث إذا عن مراجعات شاملة للحركة الإسلامية الجزائرية من إيران برغم موقف الأخيرة الداعم لنظام الأسد إلى جانب حزب الله الذي كان حليف الإسلاميين حتى قبيل ثورة الشعب السوري، وكل ما حصل هو مجرد تراجع في المواقف أكدت به الحركة الإسلامية الجزائرية قصور نظرتها السياسية بإهمالها للبعد العقدي منذ اليوم الأول.

ومواقف عباسي مدني وعلي بلحاج من إيران اليوم هي امتداد لمواقفهم السابقة التي لم تحارب هذا المشروع سابقا وكل ما تفعله حاليا هو التشويش على من يقف له بالمرصاد، خاصة وأن التشيع اليوم يجري على قدم وساق ويحاول التكيف مع الظروف الجديدة ويغير من استراتيجياته في حين لم يجرؤ أحد من هؤلاء أن يخطو خطوة جريئة ويعلن موقفا صريحا على غرار موقف الشيخ يوسف القرضاوي، فحتى هذه اللحظة فإن تصريحات قادة الحركة الإسلامية الجزائرية ضد إيران تعد على الأصابع ولم تتطرق لا من قريب ولا من بعيد لموضوع التشيع، فضلا عن أن تكون هناك خطط واستراتيجيات مضادة.

وحتى موقف عبد الرزاق مقري الناقد بشدة لإيران فإنه يبقى معزولا ودون مستوى المصاب السوري ولا يمكن التأسيس عليه، والحديث عن تحول جذري لموقف (حمس) من إيران، لأنه مادام هناك مشروع صفوي لا يقل أهمية عن المشروع الأمريكي والصهيوني فإنه لا يسجل للحركة أي جهد في مواجهة ومحاربة هذا المشروع، وهي التي كانت قبل أيام من المدافعين عنه ويفترض أن تبذل جهودا مضاعفة في محاربته تكفيرا عن خطئها، ولا يستبعد أن تلدغ من جحر التشيع مرات ومرات ويكون قادة حزب الله ضيوف شرف على مؤتمر حركة مجتمع السلم الخامس المزمع عقده في السنة القادمة أو مناسباتها الأخرى على غرار ما فعلته حركة النهضة التونسية باستضافتها سمير القنطار الذي  تجرأ ولم يخجل من دعم بشار الأسد مما أدى إلى فوضى في المؤتمر أثارت ضجة كبيرة، فهل ستعتبر (حمس) من جارتها النهضة، أم أن لقادة (حمس) وعلى رأسهم عبد الرزاق مقري رأياً آخر؟؟

 



([1]) عبد المالك رمضاني، مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية، مكتبة الفرقان، ص 465.

([2]) المرجع نفسه، ص 361.

([3])  سنعود إليه لتحليل موقفه الجديد من النظام الإيراني.

([4]) علي بلحاج، حكم امتلاك الأسلحة النووية والموقف من الأزمة الإيرانية في ميزان السياسة الشرعية والنظرية الإستراتيجية، نسخة إلكترونية، 2012، ص 115.

([5])  سبق وتناولت هذا الموضوع في مقالين سابقين بمجلة الراصد (الأول تحت عنوان: إخوان الجزائر هل يلدغون من جحر التشيع مرتين؟ والثاني تحت عنوان: إخوان الجزائر وجحر التشيع) في العددين 73 و80 على التوالي.

([6])   بيان صحفي للشيخ د. عباسي مدني حول المجازر في سوريا، 04 /05/ 2011.

([7])   علي بلحاج، المرجع نفسه، ص 108.

([8]) المرجع نفسه، ص 112.

([9])  المرجع نفسه، ص115 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق