الباحثات عن التحرش .. رؤية شرعية
الخميس 13 ديسمبر 2012

فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق منفعة الإنسان في الدنيا والآخرة ..الشريعة جاءت لكل إنسان بما يستطيعه ويقدر عليه وما يحقق له أفضل ما يمكن أن تتحقق به إنسانيته ..

ولو أخذنا قضية الحجاب نموذجا سنجد أن هناك قطاعا غير قليل من الفتيات لا يلتزمن بأحكامه، وبعضهن يغطين الرؤوس ولكن بخمار شفاف مزخرف بكل صور الزخرفة ولفت الانتباه وملابس ضيقة ينطبق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" رواه مسلم.

وبعضهن يغطين الوجوه مع وضع ظلال رائعة حول العين تحمل من معان الإغواء في أجواء من الغموض أكثر بكثير من كشف الوجه كله، وبعض هؤلاء المنتقبات يرتدين عباءات ضيقة مفتوحة يتكشف تحتها سراويل ضيقة في مشهد يصب في اتجاه الإغواء العام.

ولو نظرت للفتيات الذاهبات للجامعة لتلقّي العلم ستجد ولاشك قطاعا يلتزم بضرب الخمار على الجيب وارتداء الجلباب السابغ الذي لا يشف ولا يصف وهن يدنين عليهن من جلابيبهن كما كانت تفعل الصحابيات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنك ستجد قطاعا آخر كأنما هن ذاهبات لعرض أزياء في بلاد الكفر والإلحاد حتى وإن غطين الرؤوس أو الوجوه ..

ملابس لا تستطيع وصفها الكلمات .. بعضهن يشبهن الراقصات في الملاهي الليلية ليس فقط بملابسهن ولكن بمشيتهن المائلة ووجوهن اللامعة بكل أنواع المساحيق وبعضهن الآخر، يتشبهن بفتيات الليل بصوتهن المرتفع وضحكاتهن الخليعة وجلوسهن على الأرصفة والطرقات بطريقة مريبة غير بريئة.

 لقد تجاوزن تبرج الجاهلية بمراحل، بل إن متبرجات الجاهلية الأولى لاشك كن سيحتقرن هؤلاء الفتيات فغاية تبرج الجاهلية إبداء القرط أو أن الخمار ملقى على الظهر فينكشف العنق أو الخلخال الذي يزين القدم يسمع صوته من تحت الثياب الطويلة الفضفاضة التي كانت ترتديها نساء الجاهلية.

يزداد الأمر سوءا في أيام الأعياد التي جعلها الله عز وجل لنكبر الله على ما هدانا فبعض الفتيات يصلن في تبرجهن أيام العيد حدا ربما نكون بحاجة لوضع عقوبة رادعة له تطبقها شرطة الآداب وهن يمشين بتلك الطريقة المريبة في الطرقات أو يرتدن تلك الدور التي تتفنن في عرض الأفلام الخليعة الهابطة المشحونة بالمشاهد القذرة.

 وبعض تلك الدور ترتادها الراقصات اللاتي يقلن عن أنفسهن (فنانات) حتى وصل الأمر في أحد الأعياد أن وقفت راقصة فوق سيارتها أمام دار عرض تقدم فيلمها الجديد .. وقفت هذه الراقصة تحيي الجمهور وتقدم دعاية للفيلم ورقصت على قارعة الطريق أمام الشباب المهتاج الذي حاول التحرش بها ومنعهم حراسها الشخصيون، وركبت سيارتها وغادرت وتركت خلفها شبابا قد أصابه السعار، وفتيات يلبسن مثل ما تلبس متشبهات بها في كل التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة والباقي يعلمه الجميع.

حالات تحرش بشعة بالجملة قام بها هؤلاء الذين أصيبوا بحالة السعار من جراء ما يشاهدونه ومن ثم قاموا بالبحث عن متنفس لإخراج كل هذا الكبت الجنسي فوجدوا هؤلاء الفتيات متوفرات في هذه الأماكن بهذه الملابس وهذه المشية وهذه الضحكات الصاخبة ومن ثم حدثت جريمة التحرش بهؤلاء الفتيات الضحية من وجهة نظر الإعلام، الذي يناقش قضية التحرش من كل الجوانب إلا جانب واحد لا يتم الاقتراب منه إلا لرفضه ألا وهو التبرج الفاحش الذي تمارسه الفتيات.

 

هل أبرىء هؤلاء المتحرشين؟

بالطبع لا، فهؤلاء المتحرشون ارتكبوا عددا من الجرائم الأخلاقية التي لا يمكن بحال الصمت عنها. فهم أولاً: صنف من الشباب لا خلاق لهم لا يغضون البصر ولا يراعون الحرمات، مجرد شباب مستهتر استسلم لحالة البطالة وحياة الراحة والدعة وسوغ لنفسه تلك الحياة البهيمية.

ثانياً: هم لم يسعوا لتحصين أنفسهم بالزواج، فهناك فتيات يقبلن بأقل القليل ويسعين لتحصين أنفسهن والهروب من سجن العنوسة ولكنهن بالطبع لا يطابقن مواصفات نجمات الفيديو كليب اللاتي أولع بها هؤلاء الشباب ومن ثم تركوا الحلال الطيب وذهبوا يبحثون عن الحرام العفن.

ثالثاً: وهو الأهم أنهم ارتكبوا جريمة كاملة الأركان بالتحرش بالفتيات مع سبق الإصرار والترصد.

ولكن الفتيات اللاتي يتم التحرش بهن هن أيضا مدانات ومتهمات وكأنهن سعين إلى هذا التحرش بملابس الإغواء والمشي المائل المتكسر والضحك الماجن.

شريعة الله عز وجل تصدت لهذه القضية وأمرت أولا بغضّ البصر من الجانبين، ثانيا بضرب الخمار وإدناء الجلباب. ولنتأمل جيدا كيف أن الله عز وجل ينبه المؤمنات إلى أن إدناء الجلباب هو إشارة وإعلان أن من ترتدي هذا الزي بهذه الصفة هي امرأة مؤمنة لا يجوز المساس بها أو خدش حيائها "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا" (الأحزاب 59).

فالقرآن الكريم لم يكتف بتهديد الفساق والمنافقين الذين يعترضون طريق بعض المؤمنات في الليل وإنما وجّه أمرا للمؤمنات بارتداء الجلباب وإدنائه كي يتميزن عن نساء الجاهلية والفاسقات فيعرف أنهن مؤمنات كريمات فلا يقترب منهن أحد، فالمرأة العفيفة تفعل كل ما بوسعها حتى لا تلفت انتباه أحد وحتى لا تعرض نفسها للتحرش والعكس صحيح أيضا.

فإن من لا تلتزم بهذا تعرض نفسها للشبهات وظن السوء، إن هناك علاقة قوية بين الظاهر والباطن فالظاهر هو بطاقة تعريف أولية بالباطن. قد يرتدي الإنسان في الظاهر ملابس الأتقياء ولكن قد يكون قلبه شرير ومنافق نعم هذا ممكن ولكن العكس ليس صحيحاً فلا يمكن لمؤمن حقا أن يرتدي ملابس المجون والخلاعة ثم يزعم أن قلبه طاهر ونواياه حسنة، ولنضرب بذلك مثلا: لو أنك شاهدت رجلا (أو امرأة) يرتدي ملابس متسخة قذرة ذات رائحة سيئة فإنك ستشمئز منه وغالبا ستحتقره وعلى الرغم من أن احتقارك لأي إنسان مهما كان هو أمر خاطىء ولكن هذا هو رد فعلك الطبيعي الأولي على البطاقة التعريفية التي تلقيتها من ظاهر هذا الرجل.

وعندما تشاهد فتاة ترتدي سروالا ضيقا يكشف مفاتنها وربما وضعت نطاقا عليه كما تفعل الراقصات ثم ترتدي عليه قميصا لا يترك شيئا من تفاصيل الجسد إلا حكاها وربما كان شفافا أيضا فإن هذه الفتاة ترسل بطاقة تعريفية تقول فيها: جسدي متاح للرؤية بل مرغوب في رؤيته من خلال وضعي لأشياء لافتة للانتباه .. وربما لا تختلف معي هذه الفتاة المتبرجة في هذا فهي ترغب أن يقال عنها جميلة وجذابة و.. و.. وهي لا ترفض هذه النظرات بل ربما تستحسنها فهي تعني أنها نجحت في تحقيق الهدف من اللباس ولكنها تستنكر وتغضب مما يترتب على هذه النظرات الوالهة أو الجائعة ألا وهو التحرش بها فتقيم الدنيا ولا تقعدها على هؤلاء المجرمين الذين ارتكبوا جرما أخلاقيا شنيعا وتنسى أنها برفضها لشرع ربها واتباعها لخطوات الشيطان ارتكبت هي الأخرى جرما أخلاقيا شنيعا كان المقدمة الطبيعية للجريمة التي تعرضت لها.

نعم هناك فتيات عفيفات محجبات حقا يتم التحرش بهن وهناك أطفال أبرياء يتم التحرش بهم .. جرائم بشعة لا يمكن التهاون فيها ولابد من الضرب بيد حديدية على من تسوّل له نفسه ارتكابها .. ولكن عفوا أيتها المتبرجة فلست مثل الفريقين السابقين ..لست بريئة تم الاعتداء عليك. أنت متهمة كالمتحرشين بك فلا تتمسحي بالأبرياء وتقولين إن لباسي ليس السبب بدليل أن هناك آخرين لا يشاركونني هذا اللباس ويتعرضون لنفس الجريمة.

أنت تعلمين أنك كاذبة وفي قرارة نفسك تعلمين أنك مذنبة ولكن الشيطان والنفس والهوى وشياطين الإنس والجن والموضة والفنانات والراقصات أغروك فاتبعتيهم فلا تلومي إلا نفسك   ولو كنت استمعت لكلمات الله عز وجل وأصغيت لها وحاولت تفهمها بقلبك وفكرت بعقلك لعلمت أن فيها خيرك في الدنيا قبل الآخرة ..هل تظنين أنك هكذا ستتزوجين أسرع؟! إذن انظرى حولك لتعلمي أن المحجبات الطاهرات يتزوجن أسرع ..وانظري أي نوع من الرجال يقبل عليك وأنت على حالك هذه لا شك أنه رجل عديم الدين والمروءة فهل ستظنيه سيكرمك ويسعدك ..تخدعين نفسك إذن.

 

وأخيرا فهذا القسم الذي تحدثت عنه هو ذلك القسم الذي لا يرفض الشريعة ولكنه يتجاهلها ولا يسعى لتطبيقها فيعيش حياته نكدا.

أما الكارهون الرافضون الساخرون من الشريعة من أصحاب الفكر العلماني وكثير منهم يعمل في وسائل الإعلام وتوجيه الناس فهم أصل الداء وهم من يزين للمشوشين فِعلهم ويقننها ويدافع عنها وفي القضية التي نحن بصددها ترى مبادءهم الحاكمة هي:

 

* أن المرأة حرة في جسدها .. حرة في لباسها وأن حرية اللباس حق أصيل لها.

* أن الحجاب هو حجاب على العقل قبل الجسد وهم لا يتحرجون من السخرية من المحجبات مرة بوصفهن بأنهن كالخيام ومرات بتصوير المحجبة امرأة مسلوبة العقل مجبرة على الحجاب من قبل أوليائها.

* أن اللباس ليس له علاقة بالحقيقة الأخلاقية فالمحجبات غالبا ما يتسترن على سوء سلوكهن بهذا الحجاب بينما المتبرجات أكثر قربا من الله عز وجل وأكثر التزاما بالصلاة ومكارم الأخلاق.

* الرفض والتنديد بكل من يشير لعلاقة لباس المرأة بالتحرش الذي يقع عليها واعتباره تفسيرا مرفوضا وغبياً.

* الترويج لهذه الأفكار من خلال وسائل الإعلام التي يمتلكون الكثير منها والإلحاح على هذه الأفكار فالتكرار قوة واستخدام تقنية الصوت المرتفع وإرهاب الخصوم والتسلل بهذه الأفكار في المراكز البحثية الخاصة بالمرأة والمواثيق والتوصيات التي تخرج عن هذه المراكز. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق