الحداثيون وقراءة النص الشرعي (1)
الجمعة 20 يوليو 2012

 

د. عبد الله عمر الخطيب

 

 

ما الحداثة؟

ما العلاقة بين الفضاء النصي للحداثة ونصوص الإسلام؟

هل الحداثة تناقض الإسلام (الأديان) وتفكّك معتقداتها المقدسة؟

كيف اشتغل الحداثيون العرب وفق مناهج النقد الحديث مع النص الشرعي؟

أسئلة حائرة، يقف الباحث العربي أمامها مندهشا من تعقيدات المختبر السردي؛ الذي يعجز غالبا في معالجتها وتحديد موقف مبني على ركائز نقدية واضحة.

في هذا المنتج الاستقرائي سأحاول أن أفكك شيئا من تداخلات العلاقة بين النص الشرعي؛ بخاصة القرآني، وآليات الحداثة ومناهجها، مستنطقا نصّين حداثيين تعاملا مع النص القرآني.

أما قبل .. يتماهى الخطاب النقدي العربي مع منجزات المناهج النقدية الغربية التي ظهرت مطلع القرن التاسع عشر في أوروبا، واستجابت الدراسات العربية النقدية الحديثة لزلزال الثورة النقدية التي ظهرت أواسط القرن العشرين في أوروبا أيضا، مفيدة من مناهجها النقدية التي توالت في الظهور على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، فالبنيوية والتفكيكية والسيميائية والنقد الثقافي والأسلوبية وما بعد البنيوية وغيرها من المناهج التي ابتكر أيقوناتها مفكرون أوروبيون من أمثال جوليا كريستيفيا، وميخائيل باختين، وميشيل فوكو، ودسوسير، وتودوروف، ورولان بارت، وجيرار جينت، وغيرهم، أثرت في دراسات النقاد العرب التي استوردوها في كتاباتهم، وكانت قصة البداية من المغرب العربي عند طه عبد الرحمن، وعبدالله العروي، ومحمد أركون من الجزائر، وفي المشرق العربي عند أدونيس (سوري)، ونصر حامد أبو زيد (مصري)، وعبد الله الغذامي نموذجا ليبراليا من الجزيرة العربية.

هذه الإيقونات النقدية اصطدمت مع ما يعرف في النقد الأدبي بالثالوث المحرم أو المقدس "الجنس، الدين، السياسة"، ومع ما ألفه النقد العربي القديم من خصوصية النص الشرعي وأعراف الكتابة العربية في فنون شتى، وسلطة النص الفقهي! الذي يستمد عمقه السلطوي من سلطة السياسة إذا جاء خدمة لها. هذا التمازج بين محاذير الكتابة العربية وفق المناهج الغربية وتطلعات الفكر الغربي؛ مهد لتمرد منجز ثقافي يتجاهل المحاذير ويدفع بنفسه في أتون الفكر الغربي المستورد.

ولتجلية صورة الحداثة العربية، لا بد من الإجابة عن التساؤل الذي يطرق بوابة المدخل الاستقرائي ويسهم في الوصول لحقيقة الحداثة وما يمكن تسميتها باعتداء الثقافة على النص.

ما الحداثة؟

لم يستقر الدارسون على تحديد واضح لمفهوم الحداثة، ولا يهمني هنا التعريف بها لما في تعريفها من هدر لأسطر البحث، والغوص في تهويمات النقاد، التي ما برحت تتجاذب في تأطير الحداثة؛ اصطلاحا، وتفسيرا.

 والأهم، ما الغاية التي جاءت بها الحداثة؟ وماذا تريد؟

"جاءت الحداثة بمشروعها الحضاري لتخلص الإنسان من أوهامه وتحرره من قيوده وتفسر الكون تفسيرا عقلانيا ذاتيا، ورأت الحداثة أن مثل هذا المشروع لا يتم ما لم يقطع الإنسان صلته بالماضي ويهتم باللحظة الراهنة العابرة، أي بالتجربة الإنسانية كما هي في لحظتها الآنية. وهكذا احتفت الحداثة بالصيرورة المستمرة المتشكلة أبدا وغير المستقرة على حال، لكنها أيضا كانت تسعى في المقابل إلى إرساء الثوابت القارة التي تحكم الإنسان وتحكم تجربته كما تحكم الصيرورة الثقافية فتفسر المتغيرات العابرة وتمنح مشروعية تبريرية عقلانية لحالة الفوضى التي تتسم بها التجربة الآنية. من هنا جاء التقابل الضدي بين الثابت والمتحول كإمكانية تفسير التناقض الواضح بين اللحظة العابرة والقانون الثابت الذي يتحكم بها ويمنحها نظاما مستقرا أبديا"([1]). فتولدت المنتجات النصية والسردية والقراءات التي ألقت الضوء على تراثنا القديم، بمحاولاتها تقويض نظام اللاعقل ونقد مفعولات اللامعقول وامتداداته المتجذرة في الاجتماع والسياسة والمعرفة، من خلال القراءة الجديدة للنصوص الدينية الإسلامية للتجديد في الفكر الإسلامي ليواكب حركة العلم والعقل معا.

هذا المشروع الحضاري لم ينحصر في مناهج النقد الأدبي التي تعالج النص بل هي جزء من  مناحي الحياة التي شملتها الحداثة، فقد شملت المناحي الاجتماعية والسياسية والفكرية وفنون العمارة واعتمدت على المكتشفات الجديدة كافة علمية كانت أو فلسفية فكرية. فهي مظلة عامة تتشظى داخل نفسها لتكون ذاتها، فتتجزأ وتتعدد لتشكل صورة الحداثة الإنسانية القارية.

مؤاخذة : هذه الغاية الحداثية تنفك - كما لاحظنا مما سطر أعلاه – عن الموروث الحضاري للأمة، وتلغي المحمولات الفكرية والثقافية للعقل الجمعي العربي، متجاهلة أية خصوصية للنص المقدس عند المسلمين، وهنا يكمن الانعتاق عن هذا المشروع الأيديولوجي.

لماذا الحداثة؟

يلخص الحداثيون الحاجة للحداثة بفكرة مؤداها أن الدخول في الحداثة العالمية طوعاً أو كرهاً يتطلب قطيعة مع كثير من سلوكيات الماضي ومؤسساته وقيمه، التي لم تعد متكيفة مع متطلبات العصر وحاجات الناس الحقيقية، فمعايير عصرنا وحاجات الفرد العربي تقتضي الانتقال من اقتصاد تتحكم فيه القوانين الشرعية إلى اقتصاد تحكمه قوانين السوق المضبوطة بمؤسسات وضعية، ومن الحكم الفردي إلى دولة القانون، ومن التفاوت "الطبيعي" بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم والمسلم من "الفرق غير الناجية" إلى المساواة بين الجميع في حقوق المواطنة وواجباتها، ومن اضطهاد الأقليات إلى احترام حقوقها تحت طائلة التدخل الخارجي، ومن الاحتكام إلى محكمة النقل إلى الاحتكام إلى محكمة العقل، ومن عصر حقوق الله إلى عصر حقوق الإنسان، ومن ثقافة كراهية الآخر إلى ثقافة احترامه وحواره والتبادل الاقتصادي والثقافي معه، ومن الاعتصام الديني إلى التسامح الديني بل واحترام الحق في الاختلاف بما هو درجة أرقى من مجرد التسامح، ومن ثقافة اليقين إلى ثقافة التساؤل والشك، ومن ثقافة الحقيقة المطلقة إلى ثقافة الحقيقة النسبية.

مؤاخذة : هذه السبيل المعطلة لسلوك الماضي وما ترسخ في الذهنية العربية، تؤبد بالحبس على كل موروث وأصيل، وتحكم بإلغاء الواحد الكلي؛ لحساب الصفر المعدم؛ ما دام يفكر، الصفر أضحى هنا هو الواحد الكلي له قيمته الحسابية؛ التي اقتنصها تحت مظلة الحرية الفردية.

الحداثة الأدبية والخلط مع الحداثة بمفهومها العام

لم تكن الحداثة الأدبية ومعالجة النص الملفوظ أو المدون النصي، هو أساس الحداثة، فكما سبق ذكره؛ فالحداثة تغيير لنمط الكون وطرائق المعيشة بعامة، فالطائرات والأبراج والصناعات الثقيلة وعلوم التكنولوجيا حداثة، والقراءة المتطورة لعلوم اللغة والتفسير الجديد للمدون النصي حداثة، وتفكيك النص الفقهي الإسلامي حداثة، ونظرية موت المؤلف للنص المقدس (الإنجيل والتوراة) حداثة.

فالحداثة الأدبية لم توجد أصالة لتدمر النص الشرعي، فهي لها مناهجها النقدية التي جاءت لمعالجة المدون النصي بعامة، منها ما هو مقبول ومنها ما هو مرفوض فكرة وجزءا، وهذا عائد لآليات المعالجة النقدية وأدواتها النصية الموظفة في المنهج الواحد، مع اشتراطنا على إبقاء خصوصية النص الشرعي وحرمته، ورفض أية محاولة لإعادة إنتاجه وفقا لهذه المناهج الحداثية.

إن المفكرين الحداثيين المعاصرين الذين يعتَدُون على النص الشرعي، ويسعون لقمع سلطة النص الفقهي لم يعتمدوا على المناهج النقدية الأدبية الحديثة دوماً، بل اعتمدوا غالبا على قراءة حداثية للنص الشرعي. وهذه مسألة مهمة ينبغي التنبه إليها، وعدم إغفالها. 

أسباب اتجاه الحداثيين العرب لهذا المنهج

أولاً: الانبهار من الحضارة الغربية

 لما قامت الثورة الصناعية في فرنسا، صاحبَها حراك أدبي ونقدي انقض على الكلاسيكية حضارة ومجتمعا، ونمت مذاهب أدبية واكبت لغة الانفتاح، وروح العصر، وملكة التغيير، جاءت هذه المذاهب بما سرع في التقدم الحضاري الغربي (كما يراه أصحاب هذا المنهج)، من خلال حرية الكلمة، وحرية التعبير، وحرية الاعتقاد، والتحرر من هلامية المجتمع، بحيث أضحى الفرد الغربي يمثل أيقونة مستقلة متفردة، تعتقد، وتنتقد، وتبني ما تراه من خيالات، دون قيد أو رقيب، فتاقت أفكار الحداثيين لهذه الروح العصرية، ورأوا في الحضارة الغربية طريقة سهلة لتحقيق مآربهم، ونيلهم حريتهم أو ما يسمونها "اليوتوبيا المفقودة ". ولما استعادت الثورة بريقها في روسيا في مطلع القرن العشرين، وقامت الثورة البلشفية كان الحداثيون العرب من أسبق من ركب مركب الاشتراكية والشيوعية، والماركسية، ولما اجتاحت الشيوعية العالم العربي أواسط الستينيات أنتجت فكرا ماركسيا يتبنى العلمانية بمذاهبها اللادينية والفكرية.

ثانياً: الابتعاث

إن معظم الذين ابتعثوا للدراسة في أوروبا، أشرف عليهم أساتذة مستشرقون، نقلوا إليهم أفكارهم وآراءهم، وضمنها المبتعثون في أطروحاتهم الجامعية، وتبنوها مذهبا فكريا، ومنهجا لمعالجة النصوص الملفوظة، فوجد المستشرقون أن هذه الأدمغة العربية يمكنها اختراق الجدار الفكري والثقافي للعالم العربي والإسلامي، والتغلغل في الموروث الحضاري الإسلامي، دون إحداث ما يشير إلى مساهمة الغرب في هذا المفعول النشاطي، فتتحقق أهداف المستشرقين من خلال أبناء الدين واللغة. 

ثالثاً: محاكاة الثورة على الكنيسة

  نتيجة لممارسة الكنيسة القامعة للحريات والعدالة الاجتماعية، ثار الغربيون على تعاليمها وهيبتها القدسية، ومزقوا صكوك الغفران، وسلبوا الرهبان صلبانهم وما تحميه الصلبان من زعامة سلطوية للقس، والتفت الثائرون لنصوص الإنجيل وتفسيرات الرهبان للنص المقدس، وما كانت تحمله هذه التفاسير من إذلال للفرد، وإلغاء لنشاطه الفكري، وحصره في بوتقة القس ورحمته؛ التي يطل من خلالها على أتباعه من برج عاجي، فأخضعوا التفاسير اللاهوتية جميعها للنقض أو البحث أو التمحيص. كان هذا السلوك الجمعي الغربي يجد صداه في المشرق العربي المسلم عند الحداثيين الذين راحوا يقلدون هذا المسلك ويسيرون في هذه السبيل. 

أقسام المتعاملين مع النص الشرعي

القسم الأول: دعاة التجديد المطلق

  وهم يدعون إلى القطيعة المعرفية مع التراث العربي الإسلامي، ويريدون إبادة الموروث الحضاري والفكري للأمة على حساب تبني العصرنة في شتى مناحي الحياة، وتقبل الحداثة بكل اشتقاقاتها، سلبية كانت أو إيجابية، وضرورة تبني قيم الحداثة الغربية باعتبارها قيما إنسانية؛ وحدوية، ودون تحفظ، بحجة أن الإيجابي هو ما سيعتنقه المؤيدون له، والسلبي سيلفظه الناس بلا مبالاة، ولم يكن دافعهم هذا انتقاصهم من الأصالة فحسب بل لاقتناعهم أيضا بأن  الجديد هو ما يواكب روح العصر. وهؤلاء هم الحداثيون موضوع دراستنا.

القسم الثاني: دعاة الانعكاف على القديم

 وهم يقدسون الماضي لأنه يحمل حضارة الإسلام، وشهد ولادة دولته، وفتوحاته، وأنجب عظماء الفكر والطب والهندسة، وعرفت من خلاله المذاهب الفقهية الإسلامية التي سارت عليها الأجيال منذ قرون، ويتعللون بأن ما وصل منهم من مدونات نصية، لم تدع للمعاصرين مجالا للإبداع الإنساني، وساروا تحت مقولة "ما ترك الأول للآخر"، فيأبون التفكير في المعرفة الجديدة، ويرفضون كل جديد، وهؤلاء بلا منازعة يسكنون أطلالا في قفار بلا ماء.

القسم الثالث: التوسط بين الأصالة والمعاصرة

وهي حالة توازي بين الإفادة من الماضي المتسلح بالمتانة الأصولية، والتفسير المنضبط، والقراءة المعتدلة للنص الشرعي، ورفدها بعلوم التكنولوجيا المعاصرة، وتوظيف آليات البحث؛ من خلال أدوات حديثة يمكن أن تضفي عليها قيمة علمية عالية.

الحداثيون وقراءة النص الشرعي

القرآن نموذجا

هاجم الحداثيون المفسرين القدماء واتهموهم بالمشاركة في مؤامرة التستر على الاضطراب الذي حصل عند جمع القرآن، واقتصارهم في تفسيره على المعاني السطحية "فما عسى أن يكون موقف الباحث من هذه الظاهرة (يقصد ظاهرة إسقاط سور من القرآن الكريم من أبي بكر وعمر) لهو دليل على انعدام الحس النقدي عند السيوطي وأمثاله من المصنفين في عصر الجمود والانغلاق، فلقد انعدمت عندهم الرغبة في الاطلاع على خفايا الأمور وحقائقها، وانعدام التوق إلى كشف المجهول والملتبس فلا أثر لأي شك أو توتر، كما مات لديهم الشعور بإمكانية خطأ المتقدمين، وبالخصوص إن كانوا من الأجيال الإسلامية الأولى"([2]).

واستنادا إلى هذا الشعور بالدور المغلوط للمفسرين في معالجة آيات الذكر الحكيم، والتعمد الحاصل في إسقاط نصوص قرآنية، انطلق الحداثيون في نظرتهم للقرآن الكريم، على أنه منتج قابل لإخضاعه لمختبر سردي يعيد انتاجه وقراءته، "إنَّ النص }القرآني{ في حقيقته وجوهره منتج ثقافي؛ والمقصود بذلك أنَّه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقا عليها، فإنَّ الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، ويعكِّر من ثَـمَّ إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص"([3]).

فأعلنوا صراحة عن مشروعهم في قراءة النص القرآني، وحددوا مساقات إعادة القراءة، بما يعطي مندوحة من الحرية الفكرية غير المرهونة بقداسة مسبقة، "إن ما ندعو إليه ... هو:

 أ - مراجعة أصول الفكر الإسلامي الأولى.

ب - تفكيك تلك النصوص من النسق الذي ركبها فيه الضمير الإسلامي أو الاستشراقي، وذلك بوصلها بالحدث التاريخي والمحيط الجغرافي والنظام الاجتماعي – الثقافي والذهنية السائدة بوقتها؛ أي لابد من تفكيك النص الديني في إطار كل الملابسات العمرانية التي يمثل هو بدوره جانبا منها... إن المنهج الذي ندعو إلى تطبيقه في دراسة مصادر الفكر الإسلامي الأولى   }قصد بها القرآن والسنة ورأي الصحابة والإجماع كما ذكر ذلك ص 43 من المقال ذاته{ إذن هو المنهج الأنثروبولوجي"([4]).

فعمدوا على إخضاع النص القرآني لكافة المناهج التحليلية، "بتتبع واستقراء مختلف كتابات المعاصرين الداعية إلى فهم كتاب الله في ضوء المناهج الحديثة لتحليل الخطاب، لا نكاد نجد قاسما مشتركا بين مختلف الكتابات سوى تلك الرغبة الجامحة لإسقاط أي نظرية على النص القرآني دون مراعاة مدى توافقها معه أو مجافاتها له، والدارسُ اليوم يستطيع أن يقرر...أنَّه ما من منهج أو نظرية معرفية ظهرت إلا انعكس صداها في الدرس القرآني"([5]).

والمبرر لهذا المسلك أن القرآن الكريم بحكم أزليته الربانية، يحتمل عدة وجوه للقراءة "لئن آثرنا تجاوز مصطلحي التفسير والتأويل إلى استعمال مصطلح القراءة، فلأن التعامل مع (النص التأسيسي) يحتمل نظريا بحكم أزليته عددا لا متناهيا من المعاني، فسمة الإطلاق فيه تجعله يستوعب قراءات"([6]).

إنَّ تناول النص القرآني بالدراسة وفق مناهج قراءة النصوص الأدبية كما تشكَّلت في ثقافاتها الأصلية، يلغي - كما سبقت الإشارة - الفوارق بين النص الديني والأدبي، تمامًا كما قد يتجاهل الناقد الفوارق بين نص إعلامي ونص شعري مثلاً ولاءً لقالب منهجي معين. ويمكن ببساطة اكتشاف فروق جوهرية بين النص الديني - المحكم منه خصوصًا- والنص الأدبي، يتحتم على الدارس الموضوعي إدراكها ومراعاتها.

نماذج تطبيقية لمنتج الحداثيين والنص الشرعي

آثرت في هذه الدراسة التطبيقية التعامل مع منتجين حداثيين، الأول لمحمد أركون في كتابه "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" وظف فيه مناهج النقد الأدبي؛ وبالأخص المنهج الألسني، والثاني لمحمد عابد الجابري؛ في كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم"، وظف فيه القراءة الحداثية للنص القرآني، ليتمكن القارئ من إدراك التفاوت بين الطريقتين الحداثيتين في معالجة النصوص القرآنية.

أولاً : كتاب "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" لمحمد أركون

وظف أركون دراساته النقدية منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين لإعادة قراءة القرآن الكريم وتفسيره وفق مناهج النقد الأدبي الحديث، فنشر عدة دراسات نقدية وفق المنهج اللساني والسيميائي والتحليلي للقرآن الكريم، ثم نشر جميع دراساته في كتابه الموسوم "قراءات في القرآن" نشر سنة 1982م في باريس، وصدرت منه عدة طبعات، ثم استل منه دراسات، وعمّق البحث فيها ونشرها في كتاب عنوانه "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" أعاد فيه قراءة لسانية لسورتي الفاتحة والكهف، وقد بين في مقدمة كتابه الأخير الغاية من الدراسة وفق هذه المناهج "تحليل الخطاب الديني أو تفكيكه يتم لا لتقديم معانيه الصحيحة وإبطال التفاسير الموروثة بل لإبراز الصفات اللسانية اللغوية وآلات العرض والاستقلال والإقناع والتبليغ والمقاصد المعنوية الخاصة بما أسميته الخطاب النبوي"([7])، ولا شك أن هذه الغاية سرعان ما تنهار في ثنايا الكتاب لينقلب الأمر إلى إقصاء متعمد للتفسير الموروث وتقصد إظهاره بصورة تشي بحماقة النص، وإعلاء القراءة الحداثية للقرآن وفق هذا المنهج؛ كما سنبين.

ثم عرَّف الخطاب النبوي بأنه النصوص المجموعة في الإنجيل والتوراة والقرآن كمفهوم يشير إلى البنية اللغوية والسيميائية للنصوص، وهذا الخطاب التلفيقي يوازي بين النصوص الواردة في هذه الكتب السماوية على أنها نصوص دينية ينبغي التعامل معها على مساحة واحدة من الرفض والقبول، وبالتالي إمكانية القول في آيات القرآن بدرجة ما يمكن القول به في نصوص التوراة والإنجيل.

وخشية من انقضاض القارئ على أركون فإنه انقض ابتداء على الفكر الإسلامي المعاصر، وسح عليه، مظهرا تفوق النظرة الأنثربولوجية على السائد من الفكر الإسلامي "إن الفكر الإسلامي بقي أبعد ما يكون عن ممارسة الفكر الانتربولوجي بالمعنى الواسع الذي ندعو إليه من العقل والثقافة والتفكير السائد في الغرب، ... فهو الذي يخرج العقل من التفكير داخل السياج الدوغمائي المغلق إلى التفكير على مستوى أوسع بكثير"([8]).

وسرعان ما يسقط أركون في شرك حقيقة ما يدعو إليه من إعادة إنتاج القراءة الحداثية للنص القرآني وفق ما يريد هو، ووفق نظرته للمعرفة "وإذا ما تم الإجماع على هذا التوجه المعرفي فلا بد أن نعيد النظر في جميع العقائد والسنن الدينية؛ عن طريق إعادة القراءة لما قدمه الخطاب الديني عامة، والخطاب النبوي الخاص بأهل الكتاب"([9]).

ويظل أركون في المقدمة محاولا أن يشرعن لمشروعه النقدي في إعادة القراءة القرآنية، ويدعو القارئ إلى عدم التسرع في الحكم بكفر دراسته، داعيا إياه إلى العودة لأسس المنهج اللساني والتفكيكي والسيولوجي ومعرفة قواعده "نلتمس هنا طفرة معرفية في تحليل الخطاب الديني عامة، وهذه الطفرة لا تمس العقيدة في محتواها وممارستها، وإنما تحيلها إلى مستوى أوسع ومنظومة معرفية أكثر تفتحا وأشمل إحاطة بما أضافته الحداثة العلمية من نظريات وشروح وتأويلات واكتشافات ووسائل إحقاق الحق والحقيقة، أقول ذلك لكيلا يسارع القراء المؤمنون إلى رفض القراءات التي أقترحها للقرآن لأنها خارجة عن إطار ما أسميته بالتفسير الموروث، وهناك من يكفر هذه القراءات بناء لا على ما فهمه واجتهد من إدراك مقاصد المؤلف ولكن على أساس ما غاب عن فكره ومعلوماته إذا كان لم يكتشف بعد تعاليم اللسانيات والسيميائيات والانتربولوجيا والسوسيولوجيا الدينية والثقافية وعلم النفس التاريخي"([10]).

وقد غيب أركون عن ذاكرته أن واحدة من هذه المناهج كافية لنسف القداسة عن النص الديني وتجريده من حرمته، والتعامل معه على أساس ذاتي مجرد عن سلطة المرجع وقناع الأيدولوجيا "ومما يؤخذ على الدراسات السيميائية أن معظمها ينهج نهجا شكلانيا يستبعد المحددات الاجتماعية والثقافية، وبالتالي تقترب الدراسات السيميائية جدا من النهج البنيوي خاصة أنها كثيرا ما توظف المفردات السوسيرية  مثل العلامة واللغة والنظام"([11]).

وقد عمل أركون في الفصل الأول من كتابه موضوع الدراسة على إقناع القارئ بأن النصوص القرآنية لاقت اعتراضا من معاندي مكة ونظروا للنص القرآني على أنه  كذبة، فتحولت هذه المماحكة إلى هالة قدسية للخطاب الديني.

 ثم تبنى نظرية جماليات التلقي التي تساوي بين العلامة اللغوية عند (النصارى) وعند المسلمين، على نحو لا يمكن أن نفصل في قداسة النصوص الدينية الثلاثة وعلى الأخص الإنجيل والقرآن "إن الشيء الذي يقابل يسوع المسيح في الإسلام هو القرآن بصفته الكتاب المقدس الذي يحتوي على كلام الله الموحى به، وأما يسوع المسيح بصفته تجسيدا لكلمة الله، فإنه يشبه المصحف الذي تجسد فيه كلام الله"([12]).

ويرى الباحث أحمد بوعود أن النقد الأركوني يبني معطياته أولاً على ضرورة الفصل بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الدينية، فالأولى يقصد بها القرآن كحدث شفهي يتعين دراسته وفق قراءة تزامنية أولاً قبل وصله بنا ثانياً، والثانية ضاربة بجذورها في التاريخ وملتبسة بالسياسة والأيدولوجيا. ودور الباحث هو الوعي بضرورة التمييز بين الظاهرتين حتى تسهل مقاربة ظاهرة الوحي وفق منهج أنثروبولوجي مثلث الأضلع هو الوحي، التاريخ والحقيقة. وهذا يتطلب زحزحته عن موقعه والدعوة إلى تشكيل لاهوت إسلامي تحريري يكون للإنسان دور فعّال فيه، ويقطع مع اللاهوت التقليدي الذي لا مكان فيه للإنسان، وهذه العملية لا تقتصر على ظاهرة الوحي الإسلامي فقط، بل تطال كذلك الظاهرة الدينية عامة التي عرفتها مجتمعات الكتاب.

وهنا تكمن جدة القراءة الأركونية التي من مقاصدها تأهيل المجتمعات الإسلامية لاستيعاب مكاسب الحداثة بدل اتخاذ موقف سلبي منها، منبهاً إلى ضرورة عزل الأنظمة اللاهوتية التي شكلها حماة المقدس والتي كان لها دور سلبي في التعامل مع الوحي عبر تحنيطه وقطعه عن مجاله التداولي الثقافي، ذلك أن القراءة الإيمانية حسب أركون لا تخدم القرآن الكريم ولا الفكر الإسلامي، ويجب أن يُخدمَ هذا النوع من الفكر من قبل باحثين مستقلين، عوض خدامه المتحمسين، وهم المستشرقون واللادينيون([13]).

 

 


[1]- ميجان الرويلي، سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، طـ 3، 2002م، ص 224.

[2]- علي حرب، نقد النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، طـ 2، 1995م، ص 21.

[3]- نصر أبو زيد، مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، بيروت، طـ 2، ص 24.

-[4] عبد المجيد الشرفي وآخرون، في قراءة النص الديني، بحث المنصف عبد الجليل، الدار التونسية للنشر، طـ 2، 1995، ص 42.

[5]- عبد الرزاق هرماس، القرآن الكريم ومناهج تحليل الخطاب، جامعة قطر، حولية كلية الشريعة، العدد 19، 1422هـ، ص 23.

[6]- قراءة النص الديني، مرجع سابق، ص 94.

[7]- محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، طـ 2، 2005، ص 5.

[8]- المرجع السابق، ص 6 .

-[9] المرجع السابق، ص 6.

-[10] المرجع السابق، ص 7.

[11]- دليل الناقد الأدبي، مرجع سابق، ص 185.

[12]- القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، مرجع سابق، ص 23.

[13]- هذا ملخص ما وصف به الباحث أحمد بوعود المنهج الألسني عند أركون في بحث بعنوان "أركون والمنهج الألسني"، نشر على موقع الحزب الديموقراطي الليبرالي العراقي. ثم نشره في كتاب "الظاهرة القرآنية عند محمد أركون" لم يتسن لي الحصول عليه. 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق