دلالات وجود متشيعين جزائريين في وفد زيارة الأسد
الأربعاء 4 ديسمبر 2013

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

خاص بالراصد

لم تمضِ إلا أيام معدودة على زيارة الوفد الجزائري لسوريا ولقائه بشار الأسد حتى فجّرت جريدة البلاد[1] فضيحة من العيار الثقيل، إذ كشفت عن "اختراق" الوفد من طرف متشيعين، وأنهم قاموا بذلك قربانا لشيعة العالم عموما، والجزائر خصوصا، وقد تم هذا بتمويل من إحدى المؤسسات التابعة للرئيس السوري.

وأحد المتشيعين كان من أبرز المنظمين والمشاركين في الحملة، ومعروف بتدخلاته واتصالاته مع القنوات الشيعية وبالتحديد العالِم الشيعي كمال الحيدري، وتبين لاحقا أن هؤلاء الشيعة الذين زاروا سوريا ليسوا من بين الأحزاب ولا الشخصيات الكبيرة، ولا الإطارات السابقة بل أغلبهم من الشباب المتشيعين، وأن مِن بينهم مَن “تربطه علاقة قوية” بالكاتب صادق سلايمية الذي دافع عنهم صراحة في إحدى وسائل الإعلام في مناظرة مع عبد الفتاح حمداش زراوي زعيم الحركة السلفية الجزائرية، والذي اتهمه بالتشيع ودعم الشيعة في الجزائر.

ما رشح عن هذه الزيارة من أخبار يحمل الكثير من الدلالات الآنية والمستقبلية نجملها في ما يلي:

1- ليس من المبالغة وصف هذا السلوك بأنه أول عمل علني منظم للمتشيعين في الجزائر ببعد سياسي خارجي. ولا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن ما جرى هو مجرد عمل فردي مستقل يعبر عن آراء من قام به ولا يمكن تعميمه على المتشيعين، فوقوف هؤلاء وراء المبادرة تنظيما وتشجيعا يكشف حقيقة موجودة لم يفصح عنها "تقية" فقط.

وللعلم فإنهم لم يكتفوا بتمثيل أنفسهم، وإنما مارسوا "التقية" بإخفاء تشيعهم وادعوا أنهم يمثلون كل الشعب الجزائري الذي يدعم بشار الأسد فيما يعتقدون أنه صمود ومواجهة لمؤامرة كونية. وتعميمهم هذا السلوك المشين على كل الشعب الجزائري كذب وبهتان، فهُم بالنهاية يمثلون كل المتشيعين في الجزائر بمختلف مرجعياتهم. وهذه المبادرة بداية لمرحلة جديدة في حلقة التشيع ستبرز ملامحها عاجلا أم آجلا، خاصة وأن البعض منهم أصبح لا يتحرج من الإعلان عن تشيعه عبر وسائل الإعلام.

كما أن التنسيق بين المتشيعين من ولايات مختلفة الذي أكدته الزيارة يعكس وجود شبكة تواصل بينهم، وهي تكاد تشبه التنظيم السري في طور التشكل بل لربما قد يكون قد قطع أشواطا كبيرة، فمن المؤكد أنه على مستوى كل ولاية هناك زعامة لهؤلاء وهذا هو الأساس، أما الالتحام الكلي فلا يحتاج إلا إلى قرار سياسي من هيئة أعلى دون شك تقبع خارج الجزائر، وقد نشهد في المستقبل المتوسط والبعيد تنظيما شيعيا جزائريا كما حصل في دول أخرى خاصة مصر وتونس حيث بادروا لتأسيس أحزاب سياسية وحوزات دينية أو على الأقل حسينيات.

2- أهم ما تكشف عنه هذه الزيارة أن المحرك الأساسي للمتشيعين هو "عقيدتهم الشيعية"، وبالتالي فهو "سلوك طائفي محض"، في حين يلقون هذه التهمة على من يقف ضد ما يقوم به بشار الأسد من جرائم في حق الشعب السوري، وقبل هذا كان ولا يزال كل من ينتقد إيران ويبرز البعد الديني في سياستها الخارجية يتهم بالعمالة للصهيونية وتقسيم الأمة، وها هو الواقع يكشف أن هؤلاء توجههم "عقيدتهم الشيعية الجديدة" التي لم تمنعهم من الوقوف في صف نظام مجرم، اعتقادا منهم أن ما يجري هناك حرب يقودها "الأمويون" ضد شيعة آل البيت، طبعا هذا التحليل ليس من بنات أفكارهم وإنما هو قرار رسمي إيراني انساقت وراءه جلّ القوى الشيعية، وما المتشيعون الجزائريون إلا أتباع مخدرون أيديولوجيا.

وتجدر بنا الإشارة هنا إلى توظيف زعيم حزب الله في وقت سابق "مقام السيدة زينب" لتبرير تدخله لجمهوره والحشد الطائفي. وهذا "المقام" كان له موقع إستراتيجي في عمليات التشيع، والطريق إلى لبنان وإيران كان يمر عبره، خاصة "تجار الشنطة" الجزائريين الذين كانوا يترددون عليه.

كل هذا يدلل على صدق التحذيرات السابقة من الخلفية الدينية التي تحرك إيران والكثير من الشيعة والمتشيعين، والرابط الطائفي الذي يجمعها بهم، بينما قطاع كبير كان والبعض منه لا زال يدافع عنها وينفي هذه الحقيقة. وإغفال هذا البعد في التحليلات قفز على الحقائق الموضوعية المحركة للظواهر الاجتماعية والسياسية سواء اتفقنا معها أو اختلفنا.

3- قد يعتقد البعض جريا على عادته أن الأمر بسيط جدا ويهون منه. وربما يظن كثيرون أنها محاولة للاصطياد في المياه العكرة، غير أن نظرة أبعد وقراءة في ما وراء الخبر تكشف أن عمل هؤلاء لا يختلف عمّا يقوم به حزب الله اللبناني ولواء أبي الفضل العباس العراقي وكل المقاتلين الشيعة الحوثيين والأفغان وغيرهم الذين يتقدمون الصفوف في مواجهة الثورة السورية.

فقد تولى "المتشيعون الجزائريون" إلى جانب أقرانهم الشيعة في دول أخرى الجبهة الإعلامية التي لا تقل أهمية وخطورة عن الجبهة العسكرية، ولذلك أوجدت إيران ما يصطلح عليه بـ "الجيش الإلكتروني"، يقوم بمهام الدعاية والدعاية المضادة كما في الأدبيات العسكرية.

فهم إذا جزء من هذه الآلة العسكرية الإيرانية، حيث يعملون على قدم وساق على تشويه الثورة السورية والدفاع عن حزب الله وإيران، وما يمنعهم من حمل السلاح فقط هو عددهم القليل من جهة وقرب عهدهم بالتشيع من جهة أخرى، ولو كانت هناك أقلية شيعية قديمة "شبه أصيلة" في المجتمع على غرار ما هو الحال عليه في لبنان والعراق واليمن وغيرها، لربما شهدنا ميليشيات شيعية جزائرية هناك.

وبما أن "زكاة الخمس" من المعتقدات الشيعية الثابتة فإنه ليس من المستبعد أن يدعم المتشيعون في الجزائر النظام في سوريا وحزب الله "بأموال الخمس" في ما يعتبرونها حربا على آل البيت، أو مؤامرة كما يروجون في العلن، ومن يهوّن من هذا الموضوع ليبحث عن أين تذهب أموال الخمس للمتشيعين الجزائريين الآن؟

4- من الإشارات الهامة لهذه الزيارة أيضا اليقظة لما تقوم به السفارتان الإيرانية والسورية في الجزائر من اتصالات وعلاقات بالمتشيعين، إذ يستحيل أن تكون مبادرة الزيارة من دون تنسيق مع السفارتين إن لم تكن بتوجيههما أصلاً، فإذا كان الرئيس السوري نفسه غامر وخاطر قبل قرابة السنتين بزيارة حي باب عمرو في حمص لدقائق معدودة من أجل التقاط صور وتوظيفها إعلاميا، فإنه لا يستبعد إطلاقا توظيف وسائل أخرى أقل أهمية لنفس الغرض.

من هنا فإنه من شبه المؤكد أن تكون المبادرة باقتراح وتوجيه إيرانيين من خلال المتشيعين بطريقة أو أخرى، فطهران لا تتوانى في توظيف ما يتاح أمامها من أوراق والتضحية بها في آخر لحظة، وهي تستغل البعد الديني لخدمة مصالحها القومية، خاصة وأنه قد كشف عن وجود علاقة متينة ووثيقة تربط بين المتشيعين والكاتب الصادق سلايمية الذي انتهج أسلوبا جديدا بجهره بتشيعه، وهو معروف بكثرة تردده على السفارة الإيرانية.

ومن المرجح أنه كان حلقة الوصل في هذا الموضوع، ولكن الخطورة ليست في هذه الجزئية وإنما في أدوار أو "مهمات" أخرى يقوم بها هذا الشخص أو غيره بتكليف أو توجيه أو على الأقل استحسان ودعم معنوي من السفارة الإيرانية إن لم يكن ماديا في نشر التشيع بالجزائر.

5- سلوك هؤلاء وعلاقتهم بالشيعة ومخاطرتهم بحياتهم من أجل ذلك، والشكوك شبه المؤكدة حول علاقتهم بالسفارة الإيرانية إذا ما ربطت بالفقه السياسي الشيعي وعلاقة المقلد بالمرجع وهو في هذه الحالة المرشد الأعلى علي خامنئي الرجل الأول في الدولة الإيرانية يشرعن طرح سؤال جوهري حول ولائهم إذا ما كان للوطن الجزائر أم لإيران؟

فكما سبقت الإشارة فإن العدد القليل للمتشيعين بالجزائر هو فقط ما يغفل هذه القضية الخطيرة عن الوعي العام، ولكن إذا ما لم تبذل جهود كافية وعاجلة لمحاربة هذا الفيروس وترك له الحبل على الجرار فمِن المؤكد أنه ستصدر من طرف هؤلاء مواقف منسجمة مع ما تراه قياداتهم الدينية في قم وغيرها من المراكز الدينية التي توجه من طهران، ولو كان ذلك على حساب أوطانهم، وما يقوم به على سبيل المثال لا الحصر حزب الله العراقي الذي نشأ بعد احتلال العراق وتبعيته للجمهورية الإسلامية وتنفيذ أجندتها السياسية نموذج لهذا الخطر المتصور.

وقد سبق للأستاذ أنور مالك أن تطرق لأمور مشابهة حصلت خلال العشرية الحمراء بكشفه عن تورط الحرس الثوري الإيراني في الدم الجزائري، ووجود متشيعين ضمن الجماعات الإسلامية المسلحة، غير أنه وللأسف الشديد لا زالت عقول الكثيرين دون مستوى إدراك مثل هذه القضايا الخطيرة.

6- الدلالة الأخيرة والأخطر تتمثل في تصدر الوفد وجه سياسي لا ينتمي لتيار قومي أو بعثي شيوعي وإنما للاتجاه الإسلامي، ألا وهو جمال بن عبد السلام رئيس حزب "جبهة الجزائر الجديدة"، والذي كان سابقا رئيس حركة الإصلاح الوطنية والتي أسسها عبد الله جاب الله رئيس حزب العدالة والتنمية حاليا وزعيم حركة النهضة التي انبثق عنها التشكيلان لاحقا. والصادق سلايمية هو الآخر كان ينشط في نفس الحزب وكان وجها بارزا فيه.

بل إن عبد السلام وفي تصريحاته الإعلامية بعد الزيارة تحدث عن عدم استعداده للسماح بسقوط سوريا كما سقطت العراق، وكأن الرجل لا يعلم أن اليد العليا اليوم هناك لإيران التي يصول ويجول فيه رجلها قاسم سليماني، ويسخر كل مقدرات العراق وأبنائه لخدمة مصالح إيران "بتوظيف البعد الطائفي".

ونفى وجود أي صراع سني علوي على حد تعبيره، وأنه موجود في عقول الوهابيين فقط، كما تحدث عن سعيه لتشكيل جبهة من العلماء ضد الطائفية مع مفتي سوريا.

وكما أشرنا أعلاه فإذا لم تكن الطائفية هي المحرك والدافع للمواطنين العاديين (المتشيعين) الذين كانوا برفقته في الزيارة، فما هو دافعهم؟ وسواء علم أم لم يعلم أنهم متشيعون، - وإن كان كلام جمال بن عبد السلام مرحلة متقدمة جدا في التشيع السياسي- ولكن حتى إذا استبعدنا هذه الجزئية بجهله بوجود متشيعين وخلفيات هؤلاء الذين رافقوه في الوفد،  فكيف يفسر هذه الحقيقة؟، ألا يدلل هذا على ما هو أكبر منه؟، وهل الطائفية إذا سلمنا معه جدلا بالموضوع في اتجاه واحد؟، وكيف يفسر لنا ما يقوم به لواء أبي الفضل العباس العراقي في سورية؟

طبعا الإجابات عن هذه الأسئلة معروفة ومتوقعة، والمقصود هنا التعريج على صلة الحركة الإسلامية مع التشيع التى لم تنقطع، وتزداد يوما بعد يوم، والتي ستكون وصمة عار في تاريخها الحالي، حيث لم تحرك ساكنا في الموضوع رغم الضربات والطعنات المتلاحقة من القوى الشيعية لها.

وإن كان الشيخ عبد الله جاب الله وقف إلى جانب الثورة السورية واستنكر جرائم نظام بشار الأسد غير أن صمته المطبق تجاه ما يفعله جمال بن عبد السلام، حيث لم يصدر عنه أي تعليق على تصريحات المتشيع الصادق سلايمية الذي عمل في صفوف حزبه وكان من المقربين منه، ولو باستنكار لما يفعله هو وأشباهه في المجتمع الجزائري.

ولنا أن نتساءل: كم يوجد من أمثال سلايمية ليس في صفوف حزب عبد الله جاب الله فحسب، ولكن في كل الحركة الإسلامية التي نمى وترعرع بين أحضانها هذا المرض الديني الخطير على مجتمعنا، وكأن سب الصحابة والطعن في أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعني الشيخ جاب الله، وأقرانه من زعماء الحركة الإسلامية الجزائرية. لأن هذا السلوك هو نموذج متكرر للاختراقات الشيعية لصفوف الحركة الإسلامية، وكيف تستغل صدقهم وتحمسهم لقضايا الأمة بينما يعتبر المتشيعون ذلك في غرفهم المغلقة سذاجة وغباء.

الخلاصة:

إن ما قامت به جريدة البلد من إظهار فضيحة هؤلاء المتشيعة ورفع الغطاء عن تحركاتهم يعد جزءا بسيطا جدا مما يقوم به المتشيعون في الجزائر، وما يمكن توقعه منهم مستقبلا انطلاقا من ذلك، ولولا وجود من يقف بالمتابعة المستمرة لكشف وفضح هذه الظاهرة الطارئة على الجزائر، لكانت المسألة مرت في هدوء تام بل وتغطية إعلامية مضللة، كما يفعل المتشيعون اليوم تجاه الحملات الإعلامية المحذرة من التشيع والتي يقودها حاليا الشيخ عبد الفتاح حمداش زراوي وبعض المهتمين بموضوع التشيع.

إن التوعية والتحذير من خطر التشيع على الجزائر لا يجوز أن يبقى حصراً على مجموعة بعينها، وإنما الواجب يقتضي أن يتحمل كل طرف مسؤوليته من حيث موقعه لمواجهة هذا المرض حتى لا يستفحل، ويتبين المجتمع الجزائري الحق والحقيقة لما يحاك ضده من طرف إيران والقوى الشيعية، بيد أبناء الجزائر -وللأسف - يحسبون أنفسهم أنهم يؤدون واجبا دينيا عظيما، وهم في الحقيقة مجرد بيادق بأيدي ملالي قم.

 



[1] -  شيعة الجزائر إخترقوا الوفد الذي زار الرئيس السوري بشار الأسد، جريدة البلاد الجزائرية، 20/11/2013، على الرابط:http://www.elbilad.net/article/detail?id=6291

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق