الحركة النسوية في تونس .. هل تنكسر رأس الحربة؟
الأربعاء 4 ديسمبر 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

 

خاص بالراصد

لعله البلد العربي الوحيد الذي نجحت فيه الحركة النسوية من الوصول لمعظم أهدافها مدعومة بالقوة الديكتاتورية الغاشمة، فالنظام السياسي التونسي المعادي للإسلام والرائد في سياسة تجفيف منابع الإسلام  ما كان ليتردد لحظة واحدة في تحقيق كامل الأجندة الغربية التي تقف من المشروع الإسلامي موقف الخصام والتضاد.

المرأة التونسية لم تسعَ لفرض الأجندة النسوية فلم تتظاهر وتعتصم وتطالب بمنع تعدد الزوجات وعدم وقوع الطلاق إلا أمام القاضي، وبالطبع لم يتم استفتاء النساء التونسيات لإقرار هذه القضايا من عدمها، العكس تماما هو الصحيح فالنساء رفضن هذه القوانين المليئة بالعوار حتى أن الرئيس السابق الحبيب بورقيبة اعترف غداة الانتخابات في خطاب رسمي بتصويت النساء ضد قائمة حزبه تعبيراً عن رفضهن لقوانين الأحوال الشخصية، مذكراً النساء بأن العبيد الذين حررهم إبراهام لينكولن رفضوا "مثلكن" الحرية التي وهبت لهم([1]).

 ومن السذاجة بمكان تصور أن نظام الحكم في تونس قبل الثورة كان يشغل باله بالتفكير في الديمقراطية والشورى فهو نظام حكم ديكتاتوري بامتياز، وسجله بالغ السواد في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، إذن ما تم  إقراره وتقديمه لم يكن من منظور حقوقي ولكن من منظور معاداة ورفض الشريعة الإسلامية فلقد أصبح الوضع الحقوقي للمرأة في تونس بالغ الشذوذ في العالم العربي بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في عهد بورقيبة الذي حكم تونس من 1956 إلى 1987م.

فقد سحبت المجلة، التي لا يزال معمولا بها، القوامة من الرجل وجرّمت الزواج العرفي وألغت الولاية على الزواج بالنسبة للفتيات، ومنعت تعدد الزوجات، وجعلت الطلاق بيد القضاء، ووضعت نظاما لتقاسم الثروة بعد الطلاق، وهو الأمر الذي فتح شهية النسويات للمزيد من المطالبات كالتساوي في الإرث مثلا.

 ولقد بلغ من برجماتية النسويات في تونس وبُعدهن عن الشعور الوطني أنهن يتحسرن على  زمن بن علي، حتى أن الناشطة التونسية بشرى بالحاج حميدة الرئيسة السابقة للمنظمة التونسية للنساء الديمقراطيات تعترف بأن "الحركة النسوية في تونس لا تستطيع اليوم المطالبة بما كانت تطالب بما أكثر منه جرأة في العهد السابق" وتقرر بلا خجل أن النظام السابق كان ضامنا لعدم التراجع عن حقوق النساء وأن النسويات اليوم يفتقدن هذا الضمان.

لذلك فالحركة النسوية والمعارضة العلمانية في تونس تخوضان معركة شرسة من أجل الحفاظ على مكتسبات العهد الديكتاتوري، ففي أغسطس 2012 تراجعت "لجنة الحريات والحقوق" بالمجلس التأسيسي تحت ضغوط واحتجاجات وتظاهرات المعارضة العلمانية ومنظمات المجتمع المدني عن اعتماد مشروع قانون تقدمت به حركة النهضة وينص على مبدأ "التكامل" بين الرجل والمرأة عوضا عن "المساواة".

ورأى المحتجون أن عبارة "تكامل" قابلة لأكثر من تأويل وقد تكون مدخلا لضرب المكاسب الحداثية للمرأة التونسية. ودعت "هيئة التنسيق والصياغة" المكلفة بمراجعة ما يتم تضمينه في الدستور من مشاريع قوانين قبل أن يعتمدها المجلس أن ينص الفصل 28 من باب الحقوق والحريات على "مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة والمحافظة على تكافؤ الفرص مع اعتماد معيار الكفاءة" إضافة إلى "تجريم العنف ضد المرأة".

فما هذه المكاسب الحداثية التي حصلت عليها المرأة التونسية؟

1- منع التعدد

لأن الإسلام دين الفطرة فقد منح الرجل الحق في أن يتزوج مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة كحد أقصى للجمع بين الزوجات ووفقا لشروط تمنع الضرر والضرار وأهم شرط العدل الممكن، هذه الرخصة تراعي التكوين النفسي للإنسان الذي قد يشعر بحاجة ماسة لزوجة ثانية لأسباب كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها ولم يخلُ مجتمع من المجتمعات القديمة والحديثة من رجال لديهم هذه الحاجة ومن أجل إشباع هذه الحاجة فهناك طريقان لا ثالث لهما: الزواج أو الزنا. وفي المجتمعات التي تعتبر نفسها مثالية والتي يتعالى مشرّعوها على الفطرة الإنسانية في الزواج فليس هناك سوى الحل الثاني، أي الزنا، بكل الأضرار والمفاسد والشرور التي تترتب عليه.

والنساء اللاتي يطالبن بمنع الزواج الثاني لا يملكن أن يمنعن العلاقة الثانية أو العاشرة فما دام أن الرجل غير مقتنع من داخله بأن زوجته كافية وأنها في عينه تعادل كل نساء الأرض، فلن تفلح كل القوانين من منعه للتطلع لأخرى وعندما نحرّم المباح فلن يتبقى إلا دعوة المجتمع للفساد وهذا ما فعله المشرّع التونسي عندما قرر أن (كل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام وبخطيّة (غرامة) قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين)([2]).

والنتيجة كانت انتشار الزنا والسفاح حتى أصبح هناك مشكلة ضخمة تؤرق تونس اسمها (الأمهات العازبات) وهن الفتيات اللاتي سقطن في الزنا من أجل منع التعدد ومن أجل مجموعة قوانين الأحوال الشخصية التونسية السيئة التي عقّدت الشباب في الزواج وأثقلته بما لا يطيق فرفض الزواج الطاهر المليء بالتعقيدات وانطلق يخوض في الأعراض بلا ضابط.

هؤلاء الفتيات أصبحن أمهات من الزنا وواجهن المجتمع وحيدات ومعهن أطفال جنت عليهم هذه القوانين الظالمة وبدأت الدولة والجمعيات النسوية في البحث عن حل لهؤلاء الفتيات ولهؤلاء الأطفال التعساء، ولاعجب، فإن التعدي على الشرع والفطرة لا يخلّف إلا المشكلات.

 

2- تقييد الطلاق

ومن الأمور التي اعتبرتها النسويات مكسبا عظيما هو تقييد الطلاق ونزع وقوعه من يد الرجل بحيث (لا يقع الطلاق إلا لدى المحكمة)([3]).

وهن يسرن على خطا الغرب والمقررات الأممية التي تعتبر الرجل شبه سفيه ينبغي الحجر عليه حتى لا تتهدم عرى الأسرة في لحظة طيش متوقعة منه!

النتيجة المؤكدة لهذا التطرف هو عزوف الرجال عن الزواج واتساع مساحة الفاحشة ولذلك شاعت الروايات الأدبية والأعمال الدرامية التي تصور الزواج كسجن كبير ليس فيه باب للهرب وأن المبدعين والأحرار لا يدخلون قفص الزواج ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (النور: 19).

 

3- غرامات ظالمة

وفي سياق تعقيد الزواج والترهيب منه قررت مجلة الأحوال الشخصية إيجاب غرامة تعويضية لمن تضرر من الزوجين من الطلاق([4])، فيما يشبه تقاسم الممتلكات في النظم الغربية (وبالنسبة للمرأة يعوض لها عن الضرر العادى بجراية تدفع لها بعد انقضاء العدة مشاهرة وبالحلول على قدر ما اعتادته من العيش في ظل الحياة الزوجية بما في ذلك المسكن، وهذه الجراية قابلة للمراجعة ارتفاعاً وانخفاضاً بحسب ما يطرأ من متغيرات وتسمر إلى أن تتوفى المفارقة أو يتغير وضعها الاجتماعى بزواج جديد أو بحصولها على ما تكون معه في غنى عن الجراية. وهذه الجراية تصبح ديناً على التركة في حالة وفاة المفارق وتصفى عندئذ بالتراضي مع الورثة أو على طريق القضاء بتسديد مبلغها دفعة واحدة يراعى فيها سنها في ذلك التاريخ، كل ذلك ما لم تخبر التعويض لها عن الضرر العادي في شكل رأس مال يسند لها دفعة واحدة)([5]).

ويخص المشرّع التونسي المرأة بامتياز إذ يرجع إلى المطلقة حق اختيار التعويض عن ضررها المادي في شكل رأس مال يسند لها دفعة واحدة أو في شكل جراية عمرية.

 

4- مخططات المستقبل

أربكت الثورة التونسية مخططات النسويات اللاتي كن يعتمدن على القوة القهرية لفرض مخططاتهن على النساء التونسيات، بل على المجتمع بأكمله، أما حين يرد الخيار للشعب ففي ذلك الطريق ضياع لمكتسباتهن المزيفة ومن ثم فإن جهودهن في الفترة القادمة ستتركز على الحفاظ على المكتسبات السابقة بأي طريقة وعلى رأسها الاستقواء بالخارج وربط أي مساعدات اقتصادية بالحفاظ على المكتسبات السابقة خاصة مجلة الأحوال الشخصية، وبتعبير بشرى بالحاج حميدة: "نسعى اليوم إلى خلق توافق حول عدم وضع مجلة الأحوال الشخصية موضع السؤال".

الأمر الثاني الذي سيسعين إليه إذا نجحن في الحفاظ على ما حققنه في عهد الطغيان هو قضية المساواة في الإرث وتكييف الإسلام بحيث يتوافق مع الحداثة (كيف تدخل الفتاة التونسية الجيش لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية جنباً إلى جنب مع الفتى ومع ذلك لا تكون مساوية له في الميراث؟)، المساواة في الإرث ستكون آخر وسام تعلقه النخبة التونسية السياسية على صدرها في مجال تحرير المرأة من رق العصور الخوالي.

في 1956 برر أستاذنا العلامة محمد الفاضل بن عاشور عدم إقرار المساواة بين الذكر والأنثى في الإرث عكساً لرغبة بورقيبة بقوله لنا في درس فلسفة التشريع الإسلامي: "قلت له الآن النساء لا يطالبن به والرجال ضده، لكن بعد سنوات ستتطور بالتعليم العقليات وعندها لكل حادث حديث"([6])،  فهل يستطيع العلمانيون والنسويات الاستمرار في تزييف الوعي وتشويه الشريعة أم ينجح الإسلاميون بكسر رأس الحربة العلمانية في تونس؟

 

 

 



[1] - نقلا عن: العفيف الأخضر .. المساواة في الإرث ضرورية وممكنة.

[2] - الفصل 18 من مجلة أحكام الأحوال الشخصية التونسية.

[3] - الفصل 30 المصدر السابق.

[4] - الفصل 31 من مجلة أحكام الأحوال الشخصية التونسية.

[5] - المصدر السابق.

[6] - العفيف الأخضر، المساواة في الإرث ضرورية وممكنة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق