مداخل إيران لاختراق الأردن
الأربعاء 4 ديسمبر 2013

  سعيد بن حازم السويدي – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

رغم العواصف الشيعية التي ضربت المنطقة منذ احتلال العراق وحتى أحداث الثورة السورية لا يزال الأردن يحتفظ بموقعه كبلد سني في محيط دخل معظمه تحت هيمنة إيران المباشرة وغير المباشرة.

لا يستمد الأردن قوته من صلابة أمنه وجيشه، أو علاقاته السياسية الإقليمية والدولية فحسب، وإنما هناك عوامل أخرى لا يقل تأثيرها عن دور السياسة والأمن في بسط الاستقرار وسد مداخل الفتنة والاضطراب، من أهمها: الهوية السنية الصافية التي لا يشوبها أي أقليات دينية لها مصالحها وأطماعها على حساب المصلحة السنية الوطنية الكبرى.

فالأردن يتميز بسُنيته النقية، وهو أمر مفقود في معظم دول الإقليم كالسعودية والعراق واليمن والخليج ومصر وتركيا ولبنان وسوريا، حيث أن غياب ذلك سبب الفوضى ومدخل الفتنة والاقتتال الداخلي والحرب الأهلية فيما حوله، والنماذج المحيطة بالأردن (العراق، سوريا، لبنان) شاهدة على ذلك.

لم تكن الهوية والانتماء السني وحده ما يميز الأردن، فالسياسة الأردنية ظلت في نظر الإيرانيين سياسة مناوئة أو على الأقل غير متوافقة مع الأهواء والأطماع الشيعية في المنطقة لاسيما بعد تصريحات الملك الأردني عن الهلال الشيعي أواخر عام 2004.

ورغم انشغال إيران بتعزيز نفوذها ودعم قوتها ووجودها في العراق وسوريا ولبنان، فقد تعرض الأردن لعدد من التدخلات ومحاولات الاختراق متعددة الأوجه والأشكال من قبل الجانب الشيعي –الإيراني، ولكن تمكن النظام الأردني من الحفاظ على حزمة في التعامل مع هذا الملف.

إلا أن التحولات والتغيرات التي هزت المنطقة بدءاً من الثورة السورية (آذار/ مارس 2011)، ثم الانسحاب الأمريكي من العراق (كانون الأول/ ديسمبر 2011)، وأخيراً الاتفاق الغربي الإيراني بشأن الملف النووي (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013)، قد تفرض على صناع القرار في الأردن تغييراً في طريقة التعامل مع هذا الملف الحساس، وقد يفضل الأردن خيار التقارب وتطوير العلاقات على خيار التعامل الحذر والتيقظ  للخطر.

ومن أجل وعي مبكر تجاه المخططات الإيرانية للتسلل للأردن والتي يصعب أن تتوقف، نذكر بإيجاز أهم المداخل المحتملة التي قد تعتمدها إيران لمد نفوذها الديني والسياسي في الأردن:

1- السياحة الدينية:

وهذا من أهم المداخل وأشهرها لدى الساسة الإيرانيين، وهو من أبرز طرق المذهب للتوسع والانتشار، فالأردن يضم مرقد الصحابي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، في منطقة المزار الجنوبي/ محافظة الكرك، وقد طرق الشيعة هذا الباب، وما زالوا يحاولون، رغم وجود مقاومة شعبية ودينية واضحة ضد مظاهر التشيع في الكرك.

والخطر في السياحة الدينية لا يقتصر على إقامة الطقوس في مناسبات مخصوصة، وإنما ما يرتبط بها من تأسيس خلايا إيرانية تحت غطاء خدمة السياح الإيرانيين، والتي تولد تبشيرا شيعيا وسط المواطنين السنة مما يثير مفاسد دينية ومخاطر سياسية وأمنية على الدولة والمجتمع الأردني.

2- الإغراءات المادية والاقتصادية:

فالأردن بلد محدود الموارد، وبحاجة دائمة إلى مختلف أشكال الدعم المالي عبر المنح والهبات من الدول، أو عبر الاستثمارات العربية والأجنبية، لذا قد تستخدم إيران الورقة الاقتصادية للضغط والاختراق سواء بشكل مباشر أو عن طريق الحكومة الشيعية في بغداد.

3- حركات المعارضة (الإخوان، القوميون، اليساريون):

إن جماعة الإخوان، رغم كل الفضائح التي كشفت زيف المشروع الإيراني الشيعي، ورغم الجرائم التي ارتكبها ضد كل السنة - ومن بينهم الإخوان- ورغم التحول الكبير في موقف د. القرضاوي تجاه الشيعة ما زالت غير جادة في مواجهته، وما زالت إيران تشكل عند بعض الإخوان خياراً لابد من اللجوء إليه.

أما القوميون فلا يبالون بالخطر الديني والسياسي للتشيع، ولا يضعون له أي اعتبار، ويقدمون مصالحهم وأطماعهم فوق أي مصلحة دينية ووطنية عليا، ومواقفهم العلنية والصريحة في تأييد نظام بشار الأسد تغني عن التعريف بالخطر المتوقع من جهتهم كمدخل قومي عربي للتشيع الإيراني المقاوم!

والجانب الأشد خطراً عند القوميين هم المفكرون والإعلاميون الذين يجادلون في الحقائق الدينية والتاريخية والسياسية المتعلقة بالخطر الشيعي، ويناضلون في سبيل إثبات عكسها والترويج لخلافها ووضع ذلك في إطار فكري علمي يمكن أن يساهم في تشكيل رأي عام مضلل لا يرَ في إيران عدواً يجب الحذر منه والتصدي لمكره وكيده وشره، وفي المهندس ليث شبيلات نموذج للإسلامي القومي المدافع عن المشروع الإيراني رغم كل جرائمه في العراق وسوريا.

أما اليساريون فتأييدهم العلني للنظام السوري واضح لا خفاء فيه، سواء في الأردن أو في مصر وبقية الدول العربية، وقد ظهرت عدة فعاليات قومية ويسارية أردنية لدعم النظام كـ "اللجنة الشعبية الأردنية لمؤازرة سوريا ضد المؤامرة" فضلاً عن مجموعات من الكتاب والصحفيين والمحامين وبعض النواب السابقين ممن قاموا بزيارة سوريا عدة مرات منذ قيام الثورة.

فهؤلاء ومن يماثلهم يشكلون موضع اهتمام إيراني - سوري بغية استغلالهم وتوظيفهم لخدمة الأهداف والمصالح الإيرانية في الأردن بشكل مباشر أو غير مباشر.

4- الجهاديون:

 سواء في داخل الأردن، أو ممن جاء للقتال في سوريا، فهؤلاء قد يتم استدراجهم من قبل السياسة الإيرانية للصدام مع الأردن، للبرهنة على أن الخطر الذي يواجه الأردن هو الإرهاب السني وليس إيران!

والجهاديون (التكفيريون) قوة هائجة لا تعرف المصالح والأهداف ولا تفقه أبعاد العمل الذي تقوم به ومدى أهميته وجدواه، لذا فهم يشكلون قوة جاهزة يمكن استغلالها وتوظيفها من قبل من يحسن ذلك ويوجهها بشكل يخدم مصالحه، ومما يعزز خطر القاعدة كأداة إيرانية للعمل داخل الأردن، العلاقات الوثيقة بين إيران والقاعدة أو على الأصح: التحكم الإيراني بقرارات القاعدة وخططها، منذ زمن أبي مصعب الزرقاوي.

5- التصوف:

فالتصوف قنطرة مهمة للتشيع، وهذه الحقيقة الفكرية والتاريخية والواقعية لا ينبغي الغفلة عنها، والصوفية في مصر مثال حي وواقعي على عمق الصلة بين الصوفية والشيعة، وعلى قدرة التصوف على التحول إلى التشيع، أو الترويج لأفكار الشيعة والتغاضي عنها، كما أن الطرفين يجمعهما العداء للاتجاه السلفي، وهذا ما يجعل فرص التعاون بينهما أكبر، ولعل نموذج حسن السقاف ومصطفى أبو رمان دليل على ذلك.

6- اختراق المجتمع الأردني:

وهذا الاختراق قد يأتي في عدة أشكال وصور:

- تسامح وتساهل بعض المسؤولين الجاهلين بحقيقة التشيع والسياسة الإيرانية، والذين اغتروا بحملات الإعلام الإيراني والداعية للوحدة مع السنة وحرب الصهيونية.

- استمالة بعض شيوخ العشائر بالإغراءات المادية أو صفقات وهدايا، أو استخدام النساء (نكاح المتعة)، وقد سمعنا عن زيارات للسفير الإيراني لبعض العشائر الأردنية.

- فتح أبواب إيران أمام الراغبين في العلاج والدراسة والسياحة، ومن يتابع تصريحات الأردنيين الذين درسوا في طهران يجد أنها متعاطفة مع إيران غالباً.

- تغذية الاحتقان الأردني – الفلسطيني.

- استغلال البؤس والفقر في المخيمات الفلسطينية والمناطق المهمشة البعيدة عن الاهتمام الحكومي، حيث يتنامى الشعور الناقم على سياسات الحكومة، ولذلك كان مخيم البقعة بؤرة ظهر فيها تشيع بعض الشباب قبل عدة سنوات.

 

قد يبدو هذه الإجمال سريعا أو بسيطا، إلا أن القصد منه تسليط الضوء على المداخل المحتملة للخطر الإيراني على الأردن، وضرورة إبقائها تحت الدراسة والمتابعة المستمرة، فالمسؤولية لا يتحملها الساسة وحدهم – وإن كانوا المعنيين بشكل أكثر من غيرهم بهذا الموضوع- فالقضية مصيرية وحساسة وتتطلب وعياً نخبوياً وشعبياً وتحركاً من كل الأطراف المؤثرة والفاعلة في المجتمع الأردني.

لقد تهاون النظام العراقي السابق كثيراً بشأن الخطر الشيعي، ولم يعد العدة ليوم ينقضّ فيه شيعة العراق على بلادهم ويستقدمون المحتل الأمريكي لينصر مذهبهم بالتعاون مع العدو التاريخي والاستراتيجي لبلادهم (إيران)، ولذلك كانت نهايته مأساوية.

وكرر الخطأ الزعيم السني اللبناني رفيق الحريري في التعايش والتقارب والتصالح مع السياسات السورية والأطماع الإيرانية فلم يفلح، ودفع حياته ثمناً لذلك، وأصبحت طائفته أضعف الطوائف وأقلها قوة في بلد يموج بالأقليات والمليشيات.

فهذه نماذج سياسية سنية لم تضع في حساباتها أي اعتبار لسنيتها المهددة والمستهدفة إيرانياً، فكان مقتلها في موضع غفلتها.

فلا بد من اعتبار الخطر الإيراني الشيعي من أكبر الأخطار المهددة للأمن القومي الأردني، وأن منطلقات هذا الخطر تنبع من الأيديولوجيا الإيرانية الشيعية التي تحكم إيران، للحفاظ على البلاد دينياً وأمنياً وسياسياً.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق