هل تقود العقلانية إلى التشيع؟
السبت 7 سبتمبر 2013

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

خاص بالراصد

يُتداول في الأوساط المتشيعة أن عقلانية الطرح الشيعي كانت أهم عوامل جذبهم الأنصار إلى ما يعتبرونه منهج آل البيت، فمثلا المتشيع المصري صالح الورداني يقول: إن أسباب تشيعه تتمثل في الأطروحة السنية التي هي وليدة السياسة وتقديم فقه الرجال على فقه النصوص، على عكس الأطروحة الشيعية التي تحكم القرآن والعقل فاستطاعت تجديد محتوياتها ومواكبة الواقع والمتغيرات. إضافة إلى تجربته مع الحركات الإسلامية المناهضة لكل ما هو عقلي لأن استخدام العقل عند القوم يعني الزندقة والضلال([1]). وعموما يوصف الخطاب الشيعي عند الكثيرين بأنه خطاب عقلاني على عكس الخطاب السني، حتى أن (الاستبصار) وهو المصطلح الذي يطلقه الشيعة على من يلج في دينهم يوحي بظلمة تنيرها العقلانية والتأمل الذي يمكن من إبصار الحقيقة.

وأعطت الثورة الإيرانية والحركية السياسية للجمهورية الإسلامية عقب الثورة دفعة للشيعة، حيث عززت من حضورهم وشرّعت لهم الأبواب في مختلف المحافل. وأُسس على نجاحاتها السياسية قناعات إضافية بصوابية المعتقدات الشيعية.

كما وجد الخطاب الشيعي بيئة مناسبة له في الأوساط الفكرية والثقافية والإعلامية التي كانت تتجاذبها التيارات اليسارية والعلمانية التي عملت على تحوير الدين الإسلامي وفق أجنداتها الأيديولوجية والسياسية، وفي هذه البيئة كانت العقلانية الشعار الجامع بين كل هذه القوى في قراءة التراث للانطلاق نحو الحضارة، ومن هنا تسلل التشيع بين هذه الأوساط وبدأت تبرز بعض الرؤوس المتشيعة.

هذه العقلانية المزعومة تروج من خلال دعوى النقاش الموضوعي والعقلاني للتراث والتاريخ كأحد أهم العناوين التي يرفعها دعاة التشيع، والبداية تكون بنقض صحيح البخاري بشبهات واهية عن المختصين، ولكن لجهل المستبصرين والمتشيعين برد هذه الشبهات وعدم لجوئهم لأهل العلم، يصبح لا مناص عندها من الانتقال السنة إلى الضفة الأخرى حيث رحابة العقل الشيعي زعموا. فهل حقيقة تقود العقلانية للتشيع؟

العقل الشيعي/العقل المتشيع

يفرق علي شريعتي، المفكر الإيراني المعروف، بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي، ويعتبر أن الدولة الصفوية أحدثت الكثير من المعتقدات الشيعية أو حرّفت معانيها ولا علاقة لها بالتشيع العلوي الأصيل. هذا الموقف لعلي شريعتي والذي يميز فيه بين تشيعين بناءً على مرحلة تاريخية ضمن نفس البيئة الاجتماعية يدفعنا أيضا للفصل بين العقل الشيعي والعقل المتشيع حيث القطيعة الجغرافية والتاريخية، والتي يستحيل أن تكون متطابقة فيها محددات تفكير كل عقل، رغم أن العقل المتشيع مجرد عقل ملحق، إذ يستند على كل مضامين وآليات تفكير العقل الشيعي، كون مصادر التثقيف واحدة ممثلة في الحوزات الشيعية في إيران ومختلف الدول العربية، وكل المؤسسات الدينية والسياسية والثقافية والإعلامية التابعة لطهران وما تبثه من مواد في الشقين الديني والسياسي. ولكن البيئة الاجتماعية المختلفة لها تأثيرها على العقل المتشيع، حتى وإن لم يظهر ذلك بشكل جلي فإنه يتمظهر في أشكال مختلفة إما عاجلا أو بعد حين.

إذ مهما كانت معتقدات أي مجتمع فإنها تخضع لقوانينه، ويكون الاقتناع بها على سبيل العادة والتلقين الذي يتم بتوجيه من العائلة بداية ثم المؤسسة الدينية وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ولكن هذا لا يعني نفي المعرفة العلمية لتلك المعتقدات بغض النظر عن محتواها، حيث توجد لكل مجموعة دينية كتبها المقدسة.

والمجتمع الشيعي ليس استثناء من ذلك، فالشيعة في العراق وإيران أو لبنان وغيرها من الدول التي بها تجمعات شيعية (أصيلة)، يؤرخ لها بقرون طويلة جدا، من الطبيعي فيها سبّ الصحابة وضرب الزنجيل واللطم والنياحة في عاشوراء، وزواج المتعة وغيرها من المعتقدات التي يعجب ويستغرب منها المسلم السني في شمال إفريقيا بشكل خاص، الذي لم يعتد على مثل هذه المظاهر، وهو يشاهدها على الفضائيات ويتساءل عن علاقة هذه الأمور بالإسلام. ومن هنا تأتي أول معايير الفصل بين العقل الشيعي والعقل المتشيع، فهذا الأخير يخضع لتأثيرات بيئته الاجتماعية التي تلزمه رغما عن إرادته بآليات تفكير تبقي على خصوصية من نوع ما.

وتجاوز المتشيعين لهذه الحقيقة لمجرد تسليمهم بكل المعتقدات الشيعية، وتبنيهم لكل مواقف إيران السياسية، يعد أول وأهم مظاهر لا عقلانيتهم على عكس ما يدّعون.

مظاهر اللاعقلانية دينيا:

يعاني العقل الشيعي من عدد من الأزمات([2])، وهي ليست وليدة اللحظة إنما ارتبطت بالشيعة ارتباطا وثيقا منذ نشأتهم، لدرجة يمكن فيها وصف المعتقدات الشيعية بأنها معتقدات أزماتية، كونها وليدة الفراغات التي مرّ بها التشيع عبر مراحل تشكله، ومحاولة ملئها بالتفتيش عمّا يسندها من نصوص بأثر رجعي، إذ أنه في المعتقدات الشيعية النص ملحق بالاعتقاد وليس سابقا له، وهذا ما يزيد من اضطرابها ولا عقلانيتها، مقارنة بالاعتقادات السنية، فبينما نجد الأخيرة لها أدلة كثيرة جدا في القرآن الكريم والسنة النبوية وآراء الفقهاء مؤسسة عليها، في المقابل المعتقدات الشيعية جلها غير مؤسسة على ذاتها، وإنما مبنية على التشكيك في ونفي المعتقدات السنية. فالإمامة والتقية على سبيل المثال لا الحصر هناك نصوص كثيرة وصريحة عنهما في ما ينسب لأئمة أهل البيت من مرويات بينما أدلتها في القرآن والسنة النبوية تكاد تكون منعدمة !!

على هذا الأساس يفترض بمن يتخذ من العقلانية منهجا في التفكير أن يسلك في التعامل مع الخطاب الديني السني والشيعي نفس الآليات ويمارس النقد على كل المعطيات والمقاربات. وهذه الارتباكات والمآزق التي مرّ بها الفكر الشيعي وانعكاس ذلك على معتقداته تفرض الإمعان أكثر في هذه المعتقدات قبل الاستسلام لها أو التسليم بها.

فالعقلانية تلزم أن لا يتم الانتقال إلى التشيع قبل تمحيص مضمون المعتقدات الشيعية كما محصت المعتقدات السنية، والتمحيص يُسبق بالقراءة المعمقة، ولكن الانتقال السريع لهؤلاء وفي سن المراهقة يدلل على عدم عقلانيتهم، خاصة وأن الكثير من العقائد والمظاهر التدين الشيعية لا تستقيم مع العقلانية، فعقيدة الإمامة تصطدم بالواقع التاريخي وتقتضى تكفير الصحابة وتحريف القرآن ! اما مظاهر التشيع المناقضة للعقلانية فمن أهمها زواج المتعة، والخُمس والاحتفال بعاشوراء، فضلا عن تضارب الآراء والمواقف من الصحابة في  تراث أئمة أهل البيت أنفسهم ككتاب نهج البلاغة المنسوب لعلي رضي الله عنه، وموقفه من الخلفاء الثلاثة قبله، وتجاوز العديد من الحقائق الاجتماعية كالمصاهرات التي تمت بين الآل والأصحاب، وموقف الحسن رضي الله عنه من معاوية، ثم الموقف من الزيدية وبعدها الإسماعيلية التي لا تؤمن بالمهدي المنتظر عند الإثني عشرية، وليس أخيرا قصة الإمام الثاني عشر وغيبته الصغرى وحكاية السفراء الأربعة، وما تلاها من إشكاليات في نظرية الانتظار التي سادت لقرون طويلة واصطدامها بنظرية ولاية الفقيه.

والنقد والجدل السابق والحالي ضمن الدائرة الشيعية يدعو للإلحاح على العقلانية في التعاطي مع معتقداتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بنفس المسألة التي يدّعون أنها أدت بهم إلى هجرة أهل السنة والجماعة، فقد حارب الشيعة العقلانية التي ظهرت عندهم متأخرة لقرون طوية، وتجلى ذلك في الصراع بين الإخباريين والأصوليين. وكلاهما كان يسند موقفه بروايات منسوبة للأئمة([3]).

بناء على هذا إذا افترضنا صحة القول بتغييب السنة للعقل فإن المنهج العقلاني يفرض على الباحث أن يقول نفس الشيء عن الشيعة، مع العلم أن الصراع لا زال مستمرا داخل البيت الشيعي حول الموضوع في هذا العصر، فقراءة علي شريعتي ترفضها المؤسسة الدينية الشيعية، كما ترفض كل المساهمات في هذا الإطار مثل أبحاث أحمد الكاتب، ومثيلاتها من البحوث التي يزخر بها موقع اجتهادات التي تصنف ضمن نطاق "الدعوات العقلانية" في دراسة العقائد الشيعية([4])، كما ترفض مراجعات أقل منها مثل تلك التي ينادي بها حسن الصفار والمرجع اللبناني المتوفى محمد حسين فضل الله الذي حورب ومورس ضده الإقصاء والتهميش، وهو اتجاه عقلاني لكن أتباعه ومقلديه في الأوساط المتشيعة فئة قليلة جدا، بينما يفترض أن تكون هي الأغلبية. ولكنهم فضلا على تبنيهم المعتقدات الشيعية جملة فإنهم يقفون ضد هذا التيار.

والانتقال إلى الاتجاه المتطرف يعكس لا عقلانية التحول، فحدية الطرح والانتقال السريع إلى يمين التشيع يبين القصور المنهجي. والملاحظ أن التحول يتمّ إلى الإثني عشرية المرتبطة بإيران دون غيرها من الفرق الشيعية ما يرجح تأثير الحدث السياسي في عملية التحول وليس العامل الديني فحسب.

ومهما كانت البدع في الوسط السني والتي هي محل صراع حيث يرفض جمهور عريض من العلماء إن لم نقل جلهم أو كلهم، من مثل ما يقوم به الصوفية في الموالد وأضرحة الأولياء، إلا أنه لا يوجد احتفاء بتلك البدع مثلما يحتفل الشيعة بعاشوراء وما يواكبها من السلوكيات التي لا تستقيم مع العقلانية ولا تتقاطع معها في أي نقطة. ومع ذلك فإن المتشيعين يحتفلون بها، والأدهى من ذلك أنهم يشككون في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعاشوراء، وإذا كان الصوم محل تشكيك فإن الأولى عدم الاحتفال بها كما يفعل الشيعة إطلاقا.

وتبقى عموما تهمة عدم عقلانية المنهج السني تهكة ساقطة، أبطلها علماء أهل السنة وناقشوا كل مفرداتها وفنّدوها بمختلف الوسائل، ومن يبحث ويقارن بين ما هو متداول من الطرفين كما يفرضه التجرد العلمي والعقلانية سيجد الكثير من الكتب والمؤلفات التي تكشف الحقيقة أمامه بعقلانية أهل السنة في مقابل خرافة التشيع !

مظاهر اللاعقلانية سياسيا:

لا يختلف الشق السياسي الشيعي كثيرا عن الشق الديني فهو بدوره مليء بالتناقضات، فأهم إشكالية سياسية تطرح عند المتشيعين تتمثل في موقف علماء أهل السنة من الأنظمة الحاكمة وما يراه (العقلانيون) خضوعا وتسليما للظلم والطغيان، ورغم علم هؤلاء أن هذه المسألة هي مدار نقاش وجدل، وحتى انقسامات بين الاتجاهات السنية، لكنهم يتغاضون عن ذلك، ويعمّمون التصور الذي لا يخلو من لا عقلانية في حد ذاته، إذ أن الإشكال ليس الإقرار بظلم تلك الأنظمة من عدمه ولكن في كيفية تخطيه، حيث التخوف من الفتن التي ترافق التغيير ودماء المسلمين التي تراق هو أهم كابح ومحدد لهذا الموقف السني. وبغضّ النظر عن هذا الجدل ما هو المقابل عند الشيعة؟

يبدو أن المتشيعين فتحوا أعينهم على ولاية الفقيه التي طورها الخميني ويغفلون قرونا طويلة سادت فيها نظرية الانتظار التي عطلت حتى صلاة الجمعة بحجة غيبة الإمام المعصوم. واعتبروا أي حاكم مغتصبا لحقوقه. ولكن فقهاء الشيعة خلال هذه المرحلة لم يجدوا مانعا من التعامل مع الأنظمة الشيعية التي نشأت في هذه الحقبة، ووقعت بينهم خصومات، كان آخرها قبيل تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران حول الدستور بين مؤيدي الدستوربة المشروطة وأنصار الحكومة المستبدة([5]).

أما نظرية ولاية الفقيه التي يهلل لها المتشيعون فهي تعني السلطة المطلقة والدائمة للمرشد الأعلى الإيراني على أساس نيابته للإمام الغائب، وهذه الأخيرة رفضها مراجع كبار أيام الخميني. ومن جهة أخرى فإن السلطات التي تُمنح للمرشد هي أسوأ بكثير من تلك التي تمنح للحاكم عند السنة، أو على الأقل لا تختلف عنها، ولكن المتشيعين يغفلون هذا الجانب ويركزون فقط على الانتخابات الرئاسية التي تجري كل أربع سنوات ويفاخرون بالديمقراطية على الطريقة الإيرانية، والإشكال أن هذه الأخيرة عليها العديد من المآخذ التي لا تستقيم مع القيم الأخلاقية المفترضة في النظام الإسلامي والتي يزعم المتشيعون أنهم تركوا منهج أهل السنة بحثا عنها.

في مقدمة هذه المآخذ ما حصل لنائب المرشد الأول آية الله حسين منتظري في أيام الخميني وحتى وفاته، وما يجري من اضطهاد للتيار الإصلاحي الذي يقبع تحت الإقامة الجبرية وأبرز قادته مير حسين موسوي ومهدي كروبي اللذين شاركا في الانتخابات الرئاسية عام 2009 وسبق لهما تولي مناصب عليا في الدولة. وحتى داخل التيار المحافظ بين (النجادية) أو التيار المنحرف كما يصطلح عليهم بسبب ما يعتبرونه خرافات الرئيس السابق أحمدي نجاد عن المهدي التي كانت محل غضب وسخرية آيات الله من هذا التيار. لكن الهزّات التي تضرب بشكل مستمر النظام الإيراني والتناقضات داخله غائبة تمام عن عقل المتشيعين.

بل على العكس ينافحون عنه ويتصورون أن الشعب الإيراني يعيش في رغد، وأن طهران قوة اقتصادية كبيرة تضاهي الدول الأوروبية رغم أن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن الاقتصاد الإيراني ريعي كغيره من اقتصاديات دول العالم الثالث، يعتمد على مداخيل النفط بنسبة الثمانين بالمائة، وهذا المعطى كفيل لتأكيد أن البلاد ليست بالقوة الاقتصادية الكبيرة كما يعتقدون، وأيضا نسبة التضخم التي بلغت وفق الأرقام الرسمية الأربعين في المائة بتصريح من الرئيس الجديد حسن روحاني وقبله هاشمي رفسنجاني، ومن المعلوم أن الأرقام الرسمية في الغالب الأعم في الأنظمة العالم ثالثية تقلل من السلبية وتضخم الإيجابية، ولكن عقلانية المتشيعين تختفي في هذا الجانب.

وفي السياسة الخارجية فإن حجم التناقض أكبر بكثير لدرجة تجعل المتابع يعتقد أن المتشيعين مجرد حمقى ومغفلين وليس لديهم عقلانية ولا هم يحزنون. فبينما يدينون الأنظمة العربية لتواطئها مع الولايات المتحدة الأمريكية في احتلال العراق، يغضّون الطرف عن سياسات إيران هناك جملة وتفصيلا، بل ويجدون في المفاوضات بين الطرفين حول العراق وفرض طهران للمالكي في انتخابات 2010 رغم أحقية القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي بتشكيل الحكومة دليلا على مهارة إيران وقوتها، ويعتبرون في نفس الوقت أن الشيعة هم من حرر العراق بزعامة المالكي الذي جاء على ظهر الدبابة الأمريكية وحظي بتزكية المراجع الشيعة، وكأنه نسخة ثانية من المهاتما غاندي بطل المقاومة السلمية في الهند.

 وموقفهم من الثورات العربية أشد غرابة فلم يخرج قيد أنملة عن الخط الإيراني، وهو ما تكشف في  الثورة السورية وتناقض مواقفهم تبعا لبوصلة الملالي، خاصة وأنهم كانوا يعتبرون ما يجري في البحرين ثورة شعبية. فإذا افترضنا أن الموقف السني غير عقلاني وطائفي يتعامل مع القضايا من زاوية وبعد مذهبي، فكيف نفسر الموقف الشيعي في المقابل إذا كان يخضع لنفس الآليات فإنه بدوره غير عقلاني.

وقد نتفهم ذلك في حالة العقل الشيعي، ولكن ماذا بالنسبة للعقل المتشيع؟ إذا كان لجأ إلى الشيعة لعقلانيتها فيفترض به أن يستمر في تأييد الثورات على أساس عقلاني، ولا يتعامل معها من بعد طائفي، خاصة وأن المظاهرات في البحرين سبقت الثورة السورية وبالتالي يفترض أن تكون هناك استمرارية في نفس الموقف والتحول يعكس تناقضا في القراءة، فهل يعقل أن يثور شعب عدد سكانه في حدود المليون نسمة ضد نظام ملكي ولا يثور أكثر من عشرين مليون نسمة ضد نظام جملوكي؟؟

ونشير هنا للفارق الديمغرافي لأن المتشيعين يغيبون البعد الاجتماعي نهائيا في تحليل ما يجري في سوريا ولا يستحضرونه إطلاقا لأنه يثبت أن البعد الطائفي هو الذي يحرك شيعة البحرين وأن التخندق الشيعي إلى جانب النظام السوري لأنه نصيري ينتمي إلى نفس الملة. كما أنه يعكس مصادرة العقل لديهم وتقزيمه وتقليصه بل وحتى مصادرته.

وأسوأ ما في الأمر أنهم ينددون بالبعد الطائفي المتحكم في المواقف السنية رغم علمهم أنهم كمتشيعين ما يحرك ويوجه مواقفهم في الحقيقة هي الدوافع الطائفية. ولكنهم لا يفصحون عن هذا الحس الذي رضعوه من تشيعهم.

والمسألة لا تتوقف عند هذا الحد فالطائفية عند القوم هي أهم أمارات المؤامرة الغربية لتقسيم الأمة بإثارة النعرات الطائفية. وإذا سلمنا جدلا مع المتشيعين الذين يرددون الأسطوانة الإيرانية المشروخة التي تتحدث عن مؤامرة صهيو- أمريكية لتقسيم الأمة من خلال افتعال الحروب الوهمية بين السنة والشيعة، فإن المتشيعين أنفسهم أحد أهم وسائل هذه المعركة وأدواتها، فبنشاطهم وسعيهم الدؤوب لنشر التشيع في أوساط أهل السنة مع علمهم بردة فعل قطاع كبير منهم قد تصل لحد السحل كما حصل مع المتشيع حسن شحاته في مصر، فإنهم يؤكدون أنهم غير عقلانيين.

وما دامت إيران كدولة والمرجعيات الشيعية ومختلف مؤسساتها وحركاتها السياسية تحرص على نشر التشيع وتدعمه كما يعلم المتشيعون أنفسهم هذه الحقيقة أكثر من غيرهم، فإن هذا يحتمل بتحليل عقلاني أمرين لا ثالث لهما: فإما أن إيران متورطة في هذه المؤامرة وتنسق مع الصهيونية وإما أنها غبية ولا تدرك أنها تقدم خدمات مجانية لها.

وبالعودة إلى القراءات النقدية للمعتقدات الشيعية، فهناك نقد عقلاني آخر موجه لحزب الله، وخطاب مناهض ومعترض على توجهاته السياسية من نفس الدائرة وليس خارجها أمثال صبحي الطفيلي الأمين العام السابق لحزب الله وهاني فحص ومحمد حسن الأمين، وهي قراءة عقلانية تدعو إلى تجنب توريط الطائفة في صراعات ضد الأمة وتنتقد سياسات إيران التي تسببت في إحداث شروخ بين الشيعة وشركائهم في الوطن، وأن هذه السياسات ستتولد عنها ردود أفعال يدفع جراءها الشيعة ثمنا باهظا.

ولكن المتشيعين المدّعين للعقلانية والذين يفترض بهم الوعي بمثل هذه المخاطر نتيجة ردود الأفعال ضدهم في مجتمعهم كالعادة يعيشون في غيبوبة ولا يلتفتون لمثل هذا الكلام العقلاني بل هم أشد تحمسا للخطاب الثأري الانتقامي ويتمسكون بالمواقف السياسية الإيرانية على تناقضاتها وبالنسبة لهم أي تراجع معناه خذلان آل البيت وضعف وذلة (وهيهات منهم الذلة).

الخلاصة

يستعصي على الباحث أن يجد رابطا بين العقلانية والتشيع، فقد نتقبل أن تؤدي العقلانية إلى العلمانية أو الليبرالية بشكل أو آخر. أما أن ينتقل شخص من التسنن إلى التشيع وينسب ذلك للعقلانية فالأمر صعب جدا. إذ لو بذل المتشيع عُشر عقلانيته في التعامل مع المعتقدات والأفكار الشيعية لما لبث في تشيعه لحظة واحدة.

وما يتوهم المتشيعون أنه عقلانية قادتهم إلى التشيع ما هو في الحقيقة إلا انبهار سياسي في بيئة متردية دافعه شغف المراهقة للتطلع إلى ما هو جديد ومختلف، أصبح في مرحلة تالية يقينا مطلقا عند المتشيعين، يصطدم بين الفينة والأخرى بالعقلانية التي تحفزها البيئة المختلفة، غير أن الكبر والأنا العارفة تحول دن مراجعة عقلانية للمعتقدات بنفس الطريقة التي دخلوا منها، وتجد في "مجتمع الظل" للمتشيعين نوعا من السكينة المتوهمة.

هذا يدلل على أن ما قاد إلى التشيع ليس العقلانية بحد ذاتها وإنما هو البحث عن التفرد نتيجة الشعور بالتميز. فاعتقاد المتشيعين أنهم متفوقون ومتميزون في مجتمعاتهم هو السبب الذي يدفعهم لتبني المعتقدات الشيعية التي وجدوا فيها ما يعبر عن تميزهم، وإدراكهم لما تقصر عنه من حقائق لعقولها التقليدية.

وكما بدأنا بعلي شريعتي في الفصل بين العقل الشيعي والعقل المتشيع نختم به أيضا من خلال مقاربته الأخرى عن النباهة والاستحمار، فما اعتقد المتشيعون أنه نباهة وعقلانية دفعتهم إلى التشيع ما هو في الحقيقة إلا استحمار، كيف لا، والمتشيع يفاخر بالعقلانية التي أوصلته للطعن والسب والسخرية والاستهزاء ليس من رموز الآخر الذي يفترض بالعقلانية كمدخل للتحضر أن تجعله يحترمها، وإنما رموزه الدينية التي يجلها القريب منه قبل البعيد، والأسوأ من ذلك أنه يعتبر هذا رقيا وتطورا، فإذا لم يكن هذا هو الاستحمار بعينه فأين ومتى يكون الاستحمار؟

وننهي بمقاربة أخرى لعلي شريعتي ونتساءل: متى يعود المتشيعون إلى الذات؟؟؟

 



([1])  صالح الورداني، الطرح الشيعي عوامل الجذب، شبكة الشيعة العالمية، على الرابط:

 http://www.shiaweb.org/shia/khedaa/pa24.html

([2]) للكاتب مختار الأسدي كتاب تحت هذا العنوان (أزمة العقل الشيعي)، يحوي على عدد الدراسات التي منعت من النشر أو تحفظ على البعض من أجزائها، والتي تناقش قضايا شيعية عقدية وسياسية.

([3]) حسان عبد الله حسان، إشكالية العقل عند فقهاء الشيعة بين التقليد والاجتهاد، مجلة التسامح، على الرابط:

 http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=473

([4])  رابط الموقع: http://ijtehadat.com

([5]) اختلف علماء الشيعة حول فكرة الدستور من الأساس سواء في الدولة القاجارية أو الدولة العثمانية بين مؤيد للمشروطية والحياة الدستورية، وبين رافض لها متشبث بالحكم الاستبدادي خشية على التقاليد الدينية. لتفاصيل أكثر حول الموضوع انظر: رشيد الخيون، النّزاع على الدستور بين علماء الشيعة المشروطة والمستبدة، دبي: دار مدارك، ط2، 2011.  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق