موقع القاعدة في الصراع "الإسلامي - الشيعي"
السبت 7 سبتمبر 2013

 

 سعيد بن حازم السويدي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

تشهد منطقتنا منذ أكثر من ثلاثة عقود صراعاً شرساً مع الشيعة، ولابد من الاعتراف أولا بأن الشيعة حققوا مكاسب كبيرة وانتصارات عديدة وتمكنوا من السيطرة المباشرة وغير المباشرة على أجزاء واسعة من بلادنا.

وقد ندرك بعض أسباب التفوق الشيعي، إذا نظرنا إلى اتحادهم واجتماع كلمتهم واتفاق جموعهم على محاربة المسلمين، وهذا الاتحاد والاجتماع لا يتأتى إلا بوجود قضية عامة ومصلحة عليا تتمحور الجهود حولها، وهذا يتطلب بالضرورة تقديم التنازلات وتأجيل الخلافات الداخلية في سبيل نصرة القضية الأساسية والهدف الاستراتيجي للمذهب.

كلا الأمرين: (الإيمان بالقضية، والعمل الجاد من أجلها) يفتقدهما الجانب السني، فلا يقف بوجه إيران ومشروعها سوى ثلة من السلفيين على قلة في إمكاناتهم، وخذلان من بني جلدتهم.

فنحن أمام مواجهة غير متكافئة بين عدو يُحسن المكر ويحترف شن الحروب واختراق البلدان، ومجموعة قليلة العدد محدودة الخبرة والقدرة، وعليه فأولى أولويات هذه الجماعة هو الحرص على تماسك صفها ونقائه ضماناً لسلامة العمل وديمومته.

وأهم التحديات التي تواجه المشروع المناهض للتشيع ظهور فئات دخيلة متطفلة تزعم الحرص على المصلحة السنية، وتسعى لإقصاء مخالفيها والعبث في ساحة المواجهة مع إيران.

وحتى نجنب الكلام الإشارات والرموز، فإن تنظيم القاعدة ومن يسمون بالجهاديين يحاولون تقديم أنفسهم كمقاتلين غيارى على الإسلام والسنة وأهلها، غير أنهم في واقع الحال مساهمون بقوة في إضعاف الجبهة السنية وخلخلة صفوفها وتمكين عدوها منها، ومن يعشق نظرية المؤامرة لا يتردد بالقول إن القاعدة أصبحت أداة إيرانية لإفشال محاولات التصدي لإيران!

إن الأدلة والحجج التي يستند إليها من يتهم القاعدة بالعمل لصالح إيران قوية ومتينة لا يمكن معارضتها وتفنيدها ومن أهمها:

1- عدم إنكار القاعدة للاتهامات بالعمالة لإيران: وهذا من أقوى الدلائل لأن القاعدة تحترف توجيه الاتهامات لمخالفيها، وتسارع إلى نفي كل ما يسيء لسمعتها فهي خير من يجيد الحرب الإعلامية، لكنها لم تواجه هذه الاتهامات سوى ببعض النفي المتواضع والإنكار الخجول الذي لا يفند تفاصيل الاتهامات، وغالباً ما تتجاهل القاعدة الحديث عن هذا الأمر، وكأنه لا يعنيها!

2- عدم التعرض لإيران ومصالحها وحلفائها في عملياتها: وهذا واضح بيّن فالقاعدة استهدفت بتفجيراتها: نيويورك ومدريد ولندن والرياض والرباط وعمّان، وأحرقت العراق وما زالت، وتعبث لليوم بأمن اليمن، لكنها لم تتعرض لإيران وسوريا ولبنان ولم تضرب مصالحها في تلك الدول، فالقاعدة تتحرك في المنطقة متجاهلة وجود دولة تُسمى "إيران"!!

ولم أكن أتوقع أن تصرّح القاعدة بهذا، حتى وقفت على كلام لعطية الله "لويس" أحد رموز القاعدة وكتابها حيث يقول: (لو كان المجاهدون لا يحسنون تحييد الخصوم ولا يعرفون فن التحكم في فتح وإغلاق الجبهات لرأيت شيئا من الفوضى والانفلات لم يستطع معه أحد جهاداً..!

إذا كان المجاهدون لا يعرفون هذه الأشياء ولا يبالون بموازين المصالح والمفاسد ولا يفقهونها لماذا لم يشعلوا الحرب في الشام، وفي بلدان الخليج، وفي كثير من البلدان، ولماذا لم يضربوا الصين والهند ولم يعلنوا الحرب على باكستان، وانظر كيف يحيّدون الجيش الباكستاني في وزيرستان، وانظر كيف حيدوا إيران وسكتوا عنها طويلا وصبروا على هذا السكوت ولاقوا فيه الأذى)([1]).

ويقول عطية الله في موضع آخر: (هي - يعني الدولة الايرانية - تحاول أن لا تدخل في مواجهة مع المجاهدين، والمجاهدون أيضا يتفادونها)([2]).

3- شهادة قادة المقاومة العراقيين السنة على عملها لصالح إيران: وهي شهادة مبنية على خبرة طويلة وتجربة مرّة، ويكفينا في هذا الباب ما صرّحت به الفصائل الجهادية العراقية من سقوط القاعدة في الشَرَك الإيراني وتحولها إلى مليشيا إجرامية تعمل عمل مليشيا الصدر في المناطق السنية.

4- المعلومات المتواترة عن علاقة قادة القاعدة بإيران، وعن تلاعب النظام السوري بها و توجيهه لتحركاتها.

لكننا لن نتوقف عند هذه الدلائل، بل سنعمد إلى قراءة سلوك القاعدة وسياساتها ونسلط الضوء على تصريحات بعض قادتها التي لم تنتشر بشكل واسع، لنرى إن كانت القاعدة تقف مع أهل السنة في معركتهم أم مع عدوهم؟

إن المبادئ والمنطلقات التي تدفع القاعدة للعمل المسلح لا تلتقي مع جبهة المواجهة مع الشيعة التي يقودها السلفيون، بل إن التنافر الشديد والتباين الحاد بين المنهجين (الثوري) و(السلفي الإصلاحي) يؤكد أن الأمر تعدى عدم التوافق والالتقاء، إلى المصادمة والمواجهة العنيفة، مما جعل القاعدة في طليعة الجبهة الإيرانية المعادية للمنطقة العربية، والحركات السنية المناهضة للعدو الشيعي.

فالقاعدة ليست سوى حركة ثورية كلاسيكية بمظهر ولباس إسلامي وعبارات ومصطلحات سلفية، أما الأسس والأولويات والأهداف فهي امتداد للتيار الثوري التي انتشر في معظم الاتجاهات الفكرية المعاصرة: (الإسلامية، واليسارية الاشتراكية، والشيعية - الإيرانية، والعلمانية القومية)، فهؤلاء جميعاً يشتركون في عداء الولايات المتحدة والغرب وقوى الهيمنة، بالإضافة إلى حلفائهم في الأنظمة العربية.

ولأن "إيران الخميني" أقوى الأطراف المنتسبة للثورية ومعاداة الاستكبار العالمي والصهيونية، وهي التي تقود تيار محور (المقاومة والممانعة)، فأصبح كل من شاكلها وشاركها في المبادئ الأساسية والخطوط العامة دائراً في فلكها منخرطا في خدمتها، داعماً لمشروعها لحاجته إليها.

فنتائج عمل القاعدة تخدم المشروع الشيعي الخميني، بل وتصب في مصلحته، لأن القاعدة لا تملك مشروعاً مستقلاً ولا تحمل رؤية واضحة لكيفية استثمار نتائج العمل المسلح الثوري الذي تمارسه، وغاية عملها هو استمرار العنف والفوضى، مما يسهل على إيران قطف ثمرة القاعدة!

أما التباين الفكري والديني بين القاعدة والشيعة فشبهة هزيلة لا تقوى على دفع الوقائع والحقائق المؤكدة بـ (فائدة القاعدة للمشروع الإيراني)، وهذا لا يتطلب اتفاقاً مكتوباً بين قيادة القاعدة والدولة الإيرانية كما يعتقد بعض الجهلة السُذج، فعمل القاعدة يذهب بالمجان لخدمة إيران دون الحاجة لتوظيفه وحرف مساره باتجاه المنفعة والمصلحة الشيعية، فكيف إن وقع هذا التوجيه وحصل هذا التوظيف، لا شك بأنه أثره سيكون أكثر تركيزاً.

القاعدة ومشروع تصدير الثورة الإيرانية

يعتمد تصدير الثورة الإيرانية على زعزعة أمن البلاد العربية واستهداف استقرارها السياسي والديني ونشاط القاعدة المنصب في دعم هذا الاتجاه يتمثل بـ:

1- تكفيرها للحكومات العربية والدخول في مواجهة غير متكافئة معها ينتج عنها:

- خسارة القاعدة المؤكدة.

- اضطراب الأمن واختلال النظام العام، وزيادة مستوى الاستبداد الذي ينعكس على الشعوب السُنية والحركات الإسلامية، ومسيرة الدعوة والعمل الخيري.

2- تقديم قتال الجيوش العربية على الجيوش الغازية، من باب أولوية قتال المرتد على قتال الكافر الأصلي! وقد عبّر عن هذه الرؤية أبو عمر البغدادي (الزعيم السابق للقاعدة في العراق) في أحد خطاباته حيث قال: (إننا نرى كفر وردة جميع حكام تلك الدول وجيوشها، وقتالهم أوجب من قتال المحتل الصليبي)([3]).

إن نزعة القاعدة لمواجهة الداخل الإسلامي، والانحراف عن المعارك الأساسية يُشكل أكبر مكسب للإيرانيين الذين استنفروا كل قواتهم للنيل من البلدان السنية، لكنهم وجدوا أن القاعدة مستعدة للقيام بالمهمة دون أي ثمن!

فالقاعدة حينما تسعى للتمرد على كل ما هو موجود في الساحة السنية (أنظمة، جيوش، علماء، نُخب، عوام) ثم تطمح بعد انقلابها لقيادة مشروع الحكم بالشريعة ومواصلة الجهاد فإنما تتطلع إلى حلم وخيال، يؤكد على أنها غير مؤهلة حتى لرعي قطيع من الغنم!

 

غياب أي رؤية لمواجهة الأقليات

القاعدة تكتفى بترديد الشعارات ضد (أمريكا وإسرائيل ومن معهما) في الوقت الذي تنتهك أمريكا وإسرائيل فيه مقدرات الأمة، ومن وسائلهما في ذلك توظيف الأقليات لصالحهما بما يضر الأمة ويعرقل مسيرتها، فالأقليات (الشيعية، النصرانية، الدرزية، العلوية) أصبحت من مصادر الداء والبلاء، وقد أحدثوا فينا ما عجزت عنه الدولة العبرية.

لقد حُرفت الصورة وتم التلاعب بالمشهد، فأصبحت هذه العناصر المفسدة تُصور لنا على أنها في مقدمة الجبهة الثورية التحررية المقاومة للغزو الأجنبي المدافعة عن الأمة العربية، فبعض النصارى أصبحوا هم الرموز الفكرية للاتجاه القومي العربي، وشيعة العراق هم قادة ثورة العشرين ضد الإنكليز، والخميني (الثائر على الشيطان الأكبر) أصبح هو الملهم الروحي، والنموذج المثالي للتيار الإسلامي الثوري، وحسن نصر الله هو سيد المقاومة وزعيم الانتصارات في زمن الهزائم! والنظام العلوي هو الحاضنة الأخيرة لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

إن كل ما حواه تاريخنا، وكل ما يتضمنه واقعنا المعاصر، يشهد بأن الأقليات الدينية والطائفية هي مصدر الخراب والاضطراب والحروب والفوضى، ويشهد كذلك بأن إسرائيل أشد حاجة لهذه الفئات الحاقدة من حاجتها إلى التسلح المستمر وعسكرة المجتمع اليهودي وحشد الدعم الدولي لقضيتها.

فاستقرار إسرائيل مرهون بسيطرة الأقليات، لأن كلا الطرفين يشعر بالخوف من محيطه الإسلامي، وإذا كانت إسرائيل تحلم بتوسيع مساحة الاستيطان في الضفة الغربية، والاستيلاء الكامل على مدينة القدس، فإن أطماع الأقليات تتعدى ذلك إلى السيطرة على البلاد جميعها ووضع اليد على ثرواتها وتسخير الشعوب السنية لخدمة أبنائها.

لم يكن الدعم الغربي – الصهيوني لهذه الأقليات والمليشيات من موقع القوة، وإنما من موقع الحاجة والافتقار والاضطرار إلى دعمها لأن الاستقرار والانتصار اليهودي في فلسطين لا يتم إلا بسيطرة نظرائهم في البلدان الأخرى.

موقف القاعدة مما سبق

لا نجد ذكر الأقليات في خطاب القاعدة، فضلاً عن أن نجدهم في ميدان التصدي لأطماع الطوائف في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين والكويت، فلم يذكر للقاعدة أي جهد مقاوم للنزعات التوسعية والانفصالية لدى كثير من الأقليات والطوائف في منطقتنا، ويكفى مثلا أن القاعدة تخوض حربا ضروسا ضد الدولة اليمنية بينما تقف متفرجة على اعتداءات الحوثيين المتكررة في اليمن على اليمنيين المسلمين!!

القاعدة والتصدي لحركات المقاومة لإيران

1- الدعوة السلفية

إذا ذُكرت "مقاومة التشيع وإيران" برز السلفيون في طليعة هذا المعسكر الذي تفردوا بقيادته دون مبالاة بمَن خالفهم أو خذلهم من جهلة الإسلاميين والقوميين، وما زلنا نؤكد أن القاعدة تشتد في محاربة السلفيين وتجتهد في النيل منهم، لأن:

- المنهج السلفي عقبة في وجه القاعدة لا يمكن تجاوزها نظراً لأصالته في العلم والدعوة والعمل البنّاء.

- كما أن السلفية بطبيعتها حرب على الأهواء والآراء الشاذة المنحرفة عن سبيل السنة والجماعة.

- ولأن السلفية تقود الأمة في معركتها ضد التشيع، كان لازماً على القاعدة كعنصر مطيع في خدمة دولة المرشد الايراني أن تتخذ السلفية عدواً تسعى في النيل منه والقضاء عليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولذلك نجد القاعدة:

- تدعي الانتساب للسلفية فيسمون أنفسهم ب ـ"السلفية الجهادية".

- لكنها تحرف المفاهيم والمفردات السلفية (التوحيد، الكفر بالطاغوت، الولاء والبراء) باتجاه مذهبها الفاسد، فيؤدي ذلك إلى نفور الناس عن السلفية (بمبادئها ودعوتها وأعلامها)، ويُفسح المجال أمام المناوئين والأعداء للتشنيع عليها واتهامها بكل قبيح.

- نقمة القاعدة على السلفية، كنقمة اليساريين الشيوعيين على الدين الذي يعتبرونه وجهاً من أوجه التخلف والرجعية، وأداة تخديرية لصرف الشعوب عن المطالبة بحقوقها والثورة على الطبقة الارستقراطية الحاكمة، وهذا من تلبيس إبليس، أن تُجعل الدعوة إلى الحق حجر عثرة في سبيل تحصيل الحقوق ورد المظالم والانتصاف من الظالم، فمحاربة التشيع والتصدي للمبتدعة والدعوة للتوحيد لا يراها أتباع القاعدة سوى انحراف عن الجهاد وتعطيل له.

 يقول أبو محمد المقدسي متعرضاً لما سماها "أساليب الطغاة لتمييع ملة إبراهيم وقتلها في نفوس الدعاة": (ومن ذلك أيضاً ما يلجأ إليه كثير من هؤلاء الطواغيت من تجنيد العلماء وشغل أوقاتهم لصالحهم في محاربة خصومهم ومن يخافونهم على أنظمتهم وحكوماتهم كالشيوعيين مثلاً أو الشيعة أو غيرهم ممن يهددونهم ويهددون حكمهم.. فيلجأ الطاغوت إلى بعض هؤلاء العلماء المتحمسين المبغضين لتلك الاتجاهات الضالة.. فيعينهم على أولئك الأعداء المشتركين ويخادع هؤلاء العلماء بإظهار حرصه على الدين وعلى أهله وتخوفه من أولئك على حرمات المسلمين، ويمدهم بالعون والدعم المادي والمعنوي لمحاربة أولئك.. فيسقط هؤلاء المساكين بحبائله ويضيعون أعمارهم وأوقاتهم ودعواتهم في نصرة عدو على عدو)([4]).

وهذا الكلام طالما سمعناه من قادة "الإخوان" وغيرهم الذين اتهموا السلفيين بالعمل لصالح معسكر الاعتدال ضد محور الممانعة (إيران وحزب الله، والنظام السوري).

القاعدة: حرب على السعودية، سلام مع إيران!

لا يختلف خطاب القاعدة عن خطاب الخميني في مهاجمة السعودية الوهابية الموالية للاستكبار العالمي، فكلاهما يدور في نفس الدائرة وينتهي إلى نتيجة خلاصتها أنه لا بد من القضاء على هذه الدولة (بحكامها وعلمائها ودعاتها).

ولو جمعنا ما صدر عن رموز القاعدة ضد السعودية وقارناه بما صدر منها ضد إيران لتبين مقدار التوافق والالتقاء مع الإيرانيين في خطابهم وسياستهم.

- فكلا الطرفين يسعى لزعزعة الأمن في المملكة، فإيران من خلال خلاياها ومخابراتها وشيعتها في المنطقة الشرقية، وتهريب المخدرات، والقاعدة عن طريق التفجيرات والعمليات المسلحة.

- تعمل القاعدة على استهداف الدبلوماسيين السعوديين في الخارج كما حصل في باكستان واليمن، بينما لا تتعرض لسفراء إيران.

- وجدنا أن كثيرا من عناصر التطرف ورموزه لديهم مشكلة مع شيوخ السلفية الكبار كابن باز وابن عثيمين والألباني، ولم نجد لهم خلافاً مع خميني وخامنئي وسعيد جليلي ورفسنجاني وقاسم سليماني، وربما كثير منهم لا يعرف رموز العدو الإيراني، فضلاً عن إدراك شيء من مشروعه وأطماعه.

- يهاجم تنظيم القاعدة في اليمن الدولة السعودية، ويتغافل عن المصالح الإيرانية والمليشيات الحوثية.

- يعترض مفكرو القاعدة على دعوة السلفيين للتوحيد، ويرون في ذلك تشويهاً وانحرافاً عن المعنى الذي يحرض على التمرد على الأنظمة وهو عين دعوة الخميني إلى "البراءة من المشركين" (يقصد بذلك الأنظمة العربية). والبراءة من المشركين أصل عظيم في دعوة الرسل لا يجادل في ذلك أحد، أما مراد الجهلة الغلاة (القاعدة والثوريين من الإسلاميين)، من هذه الدعوة فهو القضاء على الدعوة الإسلامية بعد إدخالها في مواجهة غير متكافئة مع الأنظمة وقوى الباطل، فهي دعوة لتسريع الإجهاز عليها، أما الخميني فإنه بدعوته إلى البراءة من المشركين، إنما يدعو الناس إلى الشرك، بتقديس الأئمة وعبادة قبورهم.

- تدور أطماع الشيعة وأحلامهم في السعودية حول إعادة الأوثان والقباب والمشاهد إلى المدينة النبوية، فالغاية هي: إعادة الشرك إلى جزيرة العرب.

والقاعدة حينما تحرّض الشباب والعلماء والدعاة إلى إعلان الجهاد ضد الدولة، إنما تدعوهم الى حياة السجون والمعتقلات والإعدامات، وإخلاء المجتمع من عناصر الحماية والوقاية من الشرك، الذي سيتسلل شيئاً فشيئاً ليقيم أوثانه، بعد أن تصبح مرتعا للعلمانيين والطائفيين!!

إن إيران ليست بحاجة إلى جيوش أو خلايا مسلحة لإسقاط السعودية، وحسبها أن تدعم نشاط القاعدة في دعوتها إلى حرب الدعوة السلفية، ليتحقق هدفها!!

2- المقاومة العراقية

لا ينبغي النظر للمقاومة في العراق على أنها حركة جهادية ضد المحتل الأجنبي فحسب – وإن كان انطلاقها بالأساس لهذا الغرض-، إلا أن واقع الصراع أجبر المقاومة على تغيير المسار وإعادة الحسابات لأن العدو الأخطر والشر الأكبر تمثل في (إيران وشيعة العراق)، أما الأمريكان فكانوا أداة داعمة ومنفذة للمشروع الإيراني بشكل أو بآخر.

كان تنظيم القاعدة حاضراً بقوة للتصدي للمقاومة السنية المتصدية للخطر الإيراني من خلال:

1- حرب التخوين والتكفير التي بدأت منذ عهد الزرقاوي.

2- حرب التصفيات والاغتيالات والتفجيرات، ضد عناصر الجماعات الجهادية وقياداتها والتي بدأت مبكراً كذلك.

3- الصدام مع المجتمع السني الذي يواجه ضغطاً مركزاً من الشيعة والأمريكان.

4- تركيز الاستهداف على أكبر الفصائل السلفية الواعية لخطر إيران (الجيش الإسلامي في العراق).

5- استهداف الشيعة استهدافاً لا يضر دولتهم ولا يوقف تمددهم، بل يحرضهم ويجمعهم على حرب السنة وإبادة أهلها.

6- إعلان "دولة العراق الإسلامية" بالتزامن مع الحملة الشرسة على أهل السنة في بغداد (2006)، ليبدو الأمر وكأنه اتفاق بين دولة المالكي في بغداد، ودولة القاعدة على توحيد الجهود وتركيزها ضد المدن السنية.

7- كانت القاعدة تخوض حربها وعيونها على بيت المقدس كما قال الزرقاوي، أما خطر الشيعة والدفاع عن العاصمة بغداد وإعداد ما يلزم لمواجهة مفتوحة طويلة الأمد مع المليشيات الشيعية العراقية والدولة الإيرانية، فلم يكن يخطر ببال القاعدة.

3- المقاومة الإيرانية "حركة جند الله البلوشية"

 من الطبيعي أن لا نجد للقاعدة أي نشاط يذكر داخل إيران أو اي استهداف لمصالحها في الخارج، فالجهاد عند القاعدة لا يستقيم إلا في دولة سنية.

لكن ما لا يعرفه الكثير أن القاعدة ترى أن استهدف النظام الإيراني لا يمثل مصلحة للمسلمين، وأن المصلحة هي استهداف الدول السنية!!

فقد سئل عطية الله أحد رموز القاعدة عن جماعة جند الله البلوشية المعارضة للنظام الإيراني فأجاب: (ليس لديّ معلومات وافية عن حركة جند الله في بلوشستان إيران التي يقودها عبد المالك، ولكن هي حركة سنيّة جهادية بالأساس، لكن لعل دخولها في مواجهة وحرب معلنة مع النظام الإيراني الآن يعتبَرُ مبكراً، ويحتاجون فيه إلى أن يكونوا منسجمين مع سائر إخوانهم في الحركة الجهادية العالمية، فإن لم يكن كذلك، فهو خطأ. والله أعلم.

وأهل السنة في إيران سواء في بلوشستان أو غيرها يبدو أنهم غير مؤهّلين في التوّ لدخول حرب مع النظام الرافضي، في مثل هذه الظروف العادية.

لكن يمكن أن تتاح فرص وتتغير معطيات الواقع فلا بد أن يكونوا مستعدين ولا بد للدعاة والإخوة الواعين أن يكونوا في المستوى، والله الموفق.

وإيران كما سبق وأن قلنا: بقدر ما هي دولة قوية، هي أيضا تحمل العديد من عوامل الضعف والانكسار السريع، وكل ذلك سينبني على ما يكون من أحداث وتفاعلات، نسأل الله أن يجعل عاقبتها خيرا لأهل الإسلام، فمعظم حدود إيران مناطق سنية قابلة للاضطراب والتحرك ضدها حين تواتي الفرصة، وطالبان والقاعدة على يمينها من هنا، بل وباكستان وأفغانستان ككل، والمجاهدون في العراق على يسارها من هنا، وسائر أهل السنة في الجزيرة والخليج وما جاورها، وهي تحاول أن لا تدخل في مواجهة مع المجاهدين، والمجاهدون أيضا يتفادونها، ونفس النظام الإيراني يعاني من تحولات وتناقضات اجتماعيّة وثقافية داخلية)([5]).

والعجيب أن المبرر الذي ساقه عطية الله لعدم صحة فتح معركة الآن مع ايران متحقق في غيرها من الدول السنية التي فتحت القاعدة فيها معارك متعددة!!

4- الثورة السورية

لم تمتلك القاعدة قبل الثورة أي خطة لإعلان الجهاد ضد العلويين أو حزب الله، لأنهم أسقطوا من حساباتهم أي مواجهة ضد الشيعة، بل لولا دعم النظام السوري المباشر وغير المباشر لما قام للقاعدة جهاد في العراق!

والأمر ليس بحاجة إلى إثباتات وأدلة، فسوريا كانت الشريان المغذي والمأوى الآمن لنشاط القاعدة، كما أننا نخجل من القول بأن النظام كان على علم بنشاط القاعدة وتحركاتها لأن هذا الاستنتاج يحسنه الأغبياء والجهلة فضلاً عن العامة والبسطاء.

وحينما يتعرض زعماء القاعدة لذكر النظام السوري لا يرون فيه إلا عميلاً للغرب وإسرائيل، يقول الظواهري في كلمته الأولى عن الثورة: (سلامٌ عليكم وأنتم تلقنون الباغي الظالم الخائن الغادر دروسًا في مقاومته ومقاومة ظلمه وفساده وخيانته ورضوخه للاستكبار العالمي وتخليه عن الجولان)، هذه مشكلة الظواهري مع بشار الأسد (التخلي عن الجولان)!

ومن الغريب أن يستخدم الظواهري المنتسب للسلفية الجهادية مفردة خمينية كــ (الاستكبار العالمي)! ويقول الظواهري: (قولوا لهما إنّ غضبتنا المباركة وانتفاضتنا الجبارة لن تهدأ بإذن الله حتى نرفع رايات الجهاد المنتصرة فوق جبل المكبر في القدس الحبيبة السليبة)([6])، ويقول في كلمة أخرى: (فاستحضروا نية تحرير بيت المقدس وديار المسلمين المحتلة بانتفاضتكم العزيزة الأبية)([7]).

أما الحكم العلوي باعتباره امتداداً لمشروع شيعي يهدد المنطقة السنية فلا اعتبار له، ولا يشكل بذاته مشكلة لدى الظواهري والقاعدة!!

وحين توافرت الظروف لاستدعاء القاعدة في سوريا، فإن ظهورها لم يكن حميداً، بل كانت تنزع إلى الاستقلال والانفصال عن الركب الثوري مما يفتت الصف ولا يجمعه، ورغم تأخرهم وغربتهم عن أهل البلد إلا أنهم حاولوا تصدر المشهد وتسلم القيادة، وقاموا بتصرفات لا تصبّ في صالح الثورة مثل:

- رفض مطلب الشعب بالتدخل الخارجي والحماية الدولية، واعتبار ذلك استعانة بالكفار.

- تكوين تنظيمات مستقلة عن فصائل العمل المسلح السوري كــ (جبهة النصرة، دولة الشام والعراق).

- اعلان جبهة النصرة مبايعة الظواهري، وإعلان البغدادي قيام دولة القاعدة في العراق والشام.

- الدخول في صدامات واشتباكات مع الفصائل الإسلامية والقوى المحلية.

 

 



[1] - حوار مركز اليقين الاعلامي مع عطية الله (حزيران 2007).

[2] - حوار مع منتديات شبكة الحسبة.

[3]  - خطابه (إني على بينة من ربي) بتاريخ 13/3/200، المجموع لقادة دولة العراق الإسلامية، ط 1، 2010.

[4] - من كتابه (ملة إبراهيم)، الفصل الأخير.

[5]  - حوار مع منتديات الحسبة.

-[6] كلمة له بعنوان (عز الشرق أوله دمشق) تموز 2011، تفريغ: نخبة الإعلام الجهادي الصادرة عن مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي.

[7]-  كلمة (إلى الأمام يا أسود الشام).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق