تحرر المرأة والإرهاب النسوي
السبت 7 سبتمبر 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

"من بين التبعات الخطيرة التي ترتبت على الحركة النسوية ذلك الحطّ من شأن عمل الأمهات حيث رسخ في اعتقاد صاحبات التوجه النسوي أن المرأة لن يمكنها التحرر إلا إذا تصرفت مثل الرجال، ولذا كن ينظرن نظرة دونية لمن تمضي وقتها في رعاية الرضع والصغار فمن وجهة نظرهن أن الأمومة ما هي إلا عمل رتيب وغير مجز لا يليق إلا بالخدم المنزلي"([1]).

لم أجد أصدق من هذه الكلمات لافتتح بها هذا المقال الذي يناقش إشكالية معيار تحرر المرأة وتحقيق ذاتها وكينونتها الخاصة وهل تتحرر المرأة بصورة ذاتية داخلية أم أن هناك صورة محددة ذات شروط خاصة عليها أن تحققها وإلا اعتبرت مخطوفة ذهنيا ومقهورة ذاتيا!

أسباب الاضطهاد

لا يمكن لأي باحث موضوعي إلا أن يعترف أن النساء قد تعرضن لكثير من صور الظلم والاضطهاد على مدار التاريخ وحتى عصرنا الراهن، وهناك الكثير من القصص المؤلمة لنساء تعرضن للظلم والإساءة لمجرد أنهن نساء.

وفي ظل مجتمعاتنا الإسلامية تبقى مشكلة المرأة بحجم مدى اقتراب أو ابتعاد تلك المجتمعات والأفراد من الفهم النقي للإسلام أو التعامل معه كجزء من العادات والتقاليد والثقافة السائدة.

فالإسلام وحده هو الذي يشتمل على آلية مثالية لوضع المرأة في القديم والحديث ليس فقط حزمة الحقوق التي تحصل عليها، والتي يتم المزايدة عليها، وإنما لأنه يشبع دوافعها النفسية والفطرية ولا يشعرها بأي تعارض بين ما تشعر به الأنثى في أعماق نفسها من مشاعر وعواطف وبين ما يفكر فيه عقلها بتجرد كإنسان بغض النظر عن نوعية جنسه.

إن المرأة كالطائر الذي يطير بجناحين فإذا اقتلعنا أحد جناحيه لا يمكنه أن يحلق أبدا .. وهذا ما تحاول الحركة النسوية أن تفعله وهي تسعى لتدمير المرأة وهي تزعم السعي تحو تحقيقها إنها تقتلع أحد الجناحين وتصله في غير مكانه بالجناح الآخر، تدعي أنها تقتلع جناح الضعف الذي فرضته التربية والتاريخ والمجتمع الذكوري، الضعف الذي تحول لمشاعر القهر الذاتي التي تحسها المرأة.

 

الإرهاب النسوي

وكم من امرأة مثقفة متعلمة اضطرت لقبول هذا الإرهاب النسوي حتى لا توصف بالتخلف والرجعية بينما في قرارة نفسها وفي أعماق مشاعرها وعقلها الباطن تحن للأنثى التي سلبوها منها، بعضهن امتلك شجاعة التغيير وكتب عن الصراع النفسي الشديد الذي عاشته وبعضهن لم تمتلك الشجاعة الكافية فدخلت لعبة المزايدات وتصدرن المشهد وادّعين بطولة مزورة وعانين سرا من الدوافع غير المشبعة بكل صور وآليات الدفاع النفسي، وعلى الجانب الآخر كرس أصحاب العادات والتقاليد صورة الأنثى العاطفية وعزلوا المرأة في قالب واحد وأفقدوها كل قوة ومن ثم -وبلا وازع من دين- ظلموها وأهملوها وأعادوها لعصر الجاهلية.

التحرر الحقيقي

التحرر الحقيقي للمرأة جاء به الإسلام فلقد صنع الإسلام من النساء باحثات عن الحرية الحقيقية ولقد شغلت النساء بالتفكير بلا قيود حتى أنهن سألن النبي صلى الله عليه وسلم عن المقصد اللغوي في القرآن الكريم حيث يوجه الخطاب بلغة المذكر وهل يعني ذلك أنهن لا يذكرن أو أنهن أقل أهمية أوأقل درجة ومرتبة. لقد كان سؤالا محوريا بالنسبة لنساء أدركن أن التحرر الحقيقي لهن يكمن في أن يكنّ في الصف الأول إذا اجتهدن وبذلن وأن المساواة في الإيمان والجزاء هي المساواة الحقيقية وليست المساواة في تفاصيل الأعمال.

فعن أم عمارة الأنصاري أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب: آية 35. أخرجه الترمذي وحسّنه، وصحّحه الألباني.

فالخطاب القرآني موجّه للمؤمنين باللغة العربية ووفق قواعدها اللغوية، والخطاب بلفظ مذكر ولم ينص فيه على ذِكر الرجال فإن ذلك الخطاب شامل للذكور والإناث، كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) سورة البقرة: آية 110.

وعلى الرغم من ذلك فالمرأة المسلمة مشغولة مهمومة بقضيتها الخاصة تريد تأكيدا يقينيا أن هذا الخطاب وهذه التكليفات وهذا الجزاء موجهة لها تحديدا فلم تتردد في طرح سؤالها على أعلى مستوى حتى تشعر ببرد اليقين، مما يشير إلى أن نساء ذلك العصر لم يكن يتلقين الأمور دون تفكير وتأمل وتمحيص ومن ثم يتساءلن ويتناقشن. إنها صورة جد مختلفة عن تلك الصورة البائسة التي تريد العلمانيات تصويرها للنساء المسلمات الخاضعات المستسلمات.

التعليم والعمل

لم يقرّ الإسلام حق المرأة في التعليم فحسب بل حث عليه وليراجع من شاء موقفه من تعليم أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها معارف عصرها وإذا كانت المعارف تختلف من عصر لآخر فإن مبدأ التعلم يبقى ثابتا وركيزة أساسية كي تستطيع المرأة أن تتحمل الأمانة فوق هذا الكوكب.

أما قضية العمل فلم يأتِ فيها نص بالوجوب والاستحباب أو الكراهية والتحريم فكل امرأة لها ظروفها الخاصة ومسئولياتها الخاصة والتدخل القانوني في مثل هذه الأمور يربك المشهد كله ويعقده.

تزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة وهي سيدة أعمال ناجحة، وتزوج السيدة زينب بنت جحش وكانت ماهرة بالصناعات اليدوية من صناعة جلود وتطريز بالخرز، وكانت تبيع ما تصنع وتتصدق به على الفقراء، وتزوج غيرهن ممن لا يقمن بعمل مأجور فالمسألة واسعة إذن والقاعدة الأساسية التي تحكم القضية أنه لا ضرر ولا ضرار.

هذا هو الإسلام وهذه هي الشريعة التي يزعمون أنها تكرس التمييز ضد النساء ويسعون من أجل (العمل الجدي من أجل فصل الدين كلية عن السياسة وإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تعين الإسلام دينا للدولة وتقول أن مبادىء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

إن هذه المادة في الدستور هي التي تجعل كل أشكال التمييز ضد المرأة شرعية)([2]).

لقد بلغ بهم من عمى البصيرة أنهم يرون أن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي تحكم أفضل من حكم الشرع الذي يشبهونه، معاذ الله بالغول.

(وإذا كانت حركة تحرير المرأة تواجه صعوبات بالغة في ظل الحكم فإنها على أي حال تستطيع أن تكافح ضد هذه الصعوبات وتهزمها أما حين يأتي، لا قدر الله هذا الغول الذي يحكمنا "بشرع الله" كما يراه فسوف تكون الصعوبات محنا ومآسي لأنهم ينظرون إلى الخلف بينما تتطلع حركة تحرير المرأة والعلمانية اليسارية خاصة إلى المستقبل، أي إلى تحرير المجتمع كله من قبضة الإمبريالية والصهيونية والاستغلال والرجعية دينية كانت أم مدنية)([3]).

هؤلاء هم العلمانيون الذين يسعى فريق من الإسلاميين لاسترضائهم ويعرضون أفكارهم باستحياء أمامهم ويحاولون التقرب والتقارب معهم، يشتمون الحركة الإسلامية ويقولون إنه وصف، بينما هم يقولون الكفر ويتطاولون على الشرع ونستحي من وصف ما يفعلون!! (وصف الحركة الإسلامية بأنها قوة رجعية معادية للمرأة وتدمر منجزاتها ليس "شتيمة" لكنه وصف علمي واقعي إذ أن هذه الحركة تهدر مبدأ المساواة وتضع المرأة في مرتبة أدنى بسبب جسدها)([4]).

يقولون عن الحجاب إنه رمز القهر ونستحي أن نقول عن تبرجهم أنه خلاعة ومجون وهبوط لمراتب الحيوان، (والحجاب في جانب أساسي منه رمز القهر وتغييب العقل والتحكم الذكوري باسم الدين)([5]).

آن أوان مصارحة الإسلاميين لأنفسهم بالحقيقة فهؤلاء لن يرضوا عنا أبدا فلا داعي لاستجدائهم حتى نقربهم خطوة من شريعة ربنا، فليؤمن من يؤمن، وليكفر من يكفر. أما نحن فعلينا عرض قضيتنا بكل عزة وكما هي دون  شعور خفي بالحاجة للدفاع والتبرير، فالذي خلق الإنسان بشقيه الذكر والأنثى هو الذي يعرف فطرة كل منهما وكيف يستطيع أن يتحقق ويسعد ويتوافق.

لا يوجد لدينا ما نخجل منه ولا يوجد عند المرأة المسلمة ما تخجل منه بل إنها تنظر بشمم من عليائها لهذه الترهات التي تصدر عن هؤلاء المرضى النفسيين وهي تحتوي طفلها وتسعد ببيتها وكأنها تقول لهم: موتوا بغيظكم فلن يفلح استهزاؤكم وسخريتكم من النيل مني ومن قناعاتي (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) سورة يوسف: آية 21.

 

 

 



[1] فرانسيس كندال .. نقلا عن المرأة والمرآة، ص 93.

[2] - فريدة النقاش .. حدائق النساء في نقد الأصولية، ص 8 ، 9.

[3] - السابق ص 22.  

[4] - السابق ص 27

[5] - السابق ص 27.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق