"علم الروحانيات".. نيران تلتهم الشباب والدعاة غائبون
الجمعة 11 يناير 2013

 

 

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

 

أعدادهم بالآلاف على المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، بعضهم أساتذة والآخرون مريدون ينهلون من علمهم المزعوم، علم لم يرد في القرآن والسنة التي يزعمون اتباعهما، وأدعية لم نسمع عنها من قبل، هم لا يمارسون سحرا بالمعنى التقليدي بل وتحت مسمى "علم الروحانيات" يدسون السم في العسل، فترى متونهم ومخطوطاتهم وأدعيتهم تضم آيات قرآنية، وتراها في الوقت ذاته تحوي جداول بها أرقام وطلاسم سريانية غير معروفة، الأدهى أنك تراهم يقولون إنهم يمارسون علما يؤتيه الله من يشاء، أي أن الله اختصهم بأسرار دون غيرهم.

وفي عصر السماوات المفتوحة انتشرت تلك الظاهرة المخيفة التي تلقي بشبابنا في طريق الشيطان وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، في هذا البحث تحاول "الراصد" الغوص في أعماق هؤلاء لمعرفة طريقة تفكيرهم، مرجعياتهم ومن يقف خلفهم، وما إلى ذلك من تفاصيل تتيح لنا الوقوف عن كثب على أخطر الظواهر التي تواجه شبابنا وللأسف فإن كثيرا منهم يحملون درجات علمية عالية لكنهم جاهلون بأمور دينهم ما يجعلهم لقمة سائغة في وجه تلك البدع الشركية.

بداية يجد الشغوفون بغوامض الأمور والألغاز من متصفحي الإنترنت ضالتهم في منتديات بعينها، قد يكون دخول المرء للمرة الأولى بدافع الفضول ولكن كلما تعمق في القراءة يتولد لديه شعور بأنه عثر على ما يرنو إليه وما سيحقق كل أحلامه بسهولة، لكنه ربما لا يدري أنه على حافة الهاوية والطريق السريع إلى جهنم والعياذ بالله.

فلك أن تتخيل أيها القارئ الكريم شابا لا يفقه الكثير عن دينه يدخل إلى منتدى يحوي عناوين مثل هذه: جلب الحبيب في 48 ساعة، استخراج الدفائن والكنوز، استخدام لدفع الخصوم، استخدام للتهييج، استخدام لعدم زواج الزوج على زوجته، استخدام في القبول والجاه عند الناس، استخدام لقضاء الحوائج، استخدام للقضاة وأرباب المناصب والمسؤولين، واستخدام لجلب الزبون في البيع والشراء.

أحلام ضائعة

ولأننا نعيش في عصر تصطدم فيه أحلام الشباب بواقع مرير، تتضاءل فيه فرص العمل، ويرتفع سن الزواج إلى ما فوق الثلاثين، فإن كثيرا من هؤلاء يصبحون فرائس سهلة لمثل هذه المنتديات التي يرون فيها حلا سحريا لكافة مشاكلهم الحياتية. وعند هذه النقطة يبدأ الشاب في التعرف على كيفية الانضمام إلى هذا العالم المثير الذي يخيل إليه أن كل ما فيه لا يخالف الدين في شيئ بل إن ممارسة هذا العمل تعتبر تقربا إلى الله عز وجل، وهذا ما يسوقه من يسمون أنفسهم شيوخ الروحانيات. حينئذ يبدأ الشاب في الدخول في خلوات وقراءة أوراد وأدعية وسور قرآنية بأعداد معينة وفي أوقات بعينها للولوج إلى عالم الروحانيات المزعوم.

تزييف الحقائق

الغريب ما يسوقه هؤلاء "الشيوخ" لقلب الحقائق وإقناع الشباب بأن تلك الروحانيات لا تخالف الشرع، يقول أحد هؤلاء "الشيوخ" معرفا الأعمال الروحانية: هي الأعمال التي تفوق قدرة الحواس الطبيعية أو قدرة العقل كجلب النفع أو دفع الضرر، وهذه الأعمال لها أقسام متعددة فمنها ما هو خير ومنها ما هو شر ويكون مدى استخدام الخير والشر منها على ذات المستخدم فالإنسان الذي يسعى للإصلاح بين الناس ويساعدهم على حل مشاكلهم يكون عمله الروحاني خيراً وبالعكس، فالشخص الذي يسعى بهذه الأعمال إلى الإيقاع بالناس وزرع الحقد والضغينة بينهم بأعمال التفرقة أو المرض أو سوء الحظ فإن عمله الروحاني يكون شرا وعامة أعمال الخير تكون أكثر استجابة وسرعة في نجاحها خاصة إذا ابتغى الروحاني خدمة الناس ومساعدتهم لأن خدام الأسماء والأعمال من الروحانيين يحبون تقديم المساعدة للناس، وبالعكس فإن أعمال الشر والفراق والجنون وما إلى ذلك تكون بطيئة الاستجابة وقد لا تحصل إلا إذا عمد المستخدم إلى الاستعانة بالأعمال السفلية".

هذا "الشيخ" يدعى محمود العطار وهو مصري له أكثر من عشرة منتديات ومواقع من بينها "منتديات أسرار الجن الرسمية المعتمدة للعلوم الفلكية والروحانية" و"موقع لجلب الحبيب خلال 48 ساعة"  و"موقع أسرار الجن الروحانية للمحبة والجلب" و"موقع الشيخ العطار للدروس وتحضير الجن" وغيرها من المواقع والمنتديات التي تجذب عددا كبيرا من الشباب من مختلف الأقطار العربية.

ويعرف "العطار" نفسه بأنه عضو الاتحاد العالمي للفلكيين والروحانيين بفرنسا وإخصائي الحسابات الفلكيه والطب الروحاني والمعالجة المعتمد من الأزهر الشريف وهو كما يزعم عضو مشيخة الأزهر وعضو مجمع البحوث الفلكية.

يقول "العطار" في الصفحة الرئيسية لأحد منتدياته: "تنقسم الأعمال الروحانية إلى خير وشر فإذا كانت أعمال خير وليس فيها ما يدل على الكفر أو التوسل أو التقرب إلى الجان فهذه لا بأس بها والله أعلم، أما أعمال الشر فإذا كانت كذلك أي ليس فيها صيغ كفرية أو ما يدل على الاستعانة والتقرب إلى الجان فلا بأس بها إن عملت لمستحقها "الإنسان الظالم، أو المتعدي، أو الماجن" كعمل الفرقة لأشخاص يجتمعون على الإثم والفساد والعدوان وإن كان الأفضل تركها والاستعانة بالأدعية والأذكار وخواص الأسماء الحسنى والآيات القرآنية فإنها أقوى استجابة، وأما إذا كانت الأعمال الروحانية سواء خير أو شر تحتوي على صيغ كفرية أو استعانة بالجان بالتقرب إليهم بأمور غير شرعية فهذا لا يجوز قطعاً، وصرح بذلك أغلب أئمة وعلماء الإسلام والله أعلم".

السم في العسل

لكن وفي حقيقة الأمر فإن تلك الأدعية والأوراد والمخطوطات الروحانية لا تخلو من الطلاسم والجداول التي ما أنزل الله بها من سلطان فهي لا تمتّ للكتاب ولا للسنة ولأي قول مسند صحيح من أهل العلم الثقات، فهذه الطلاسم غير المفهومة تحوي تعظيما للجن وتأليها لهم ورفعهم في أعالي المنازل والسخرية والاستهزاء بالله تعالى وقرآنه والعياذ بالله وذلك إما بكلمات صريحة في الكفر وإما أن يكون بتمويهها على العامة وذلك إما أن يكون الذكر أو الرقية بكلمات غير مفهومة نطقا أو كتابةً أو أن يتم دمج هذه الكلمات غير المفهومة بأخرى مفهومة أو أن يتم دسها بين القرآن والسنة أو أن يتم كتابة حروف القرآن مفرقة أو معكوسة.

كذلك فإنه يشترط قراءة آيات وسور معينة في أوقات معينة بأعداد معينة زاعمين أن لكل سورة من القرآن خداما من الجن العلويين أي المسلمين، ويرى بعض العلماء من أهل السنة والجماعة أن تلك أكاذيب واضحة لأنها إن صحت فهذا يعني أن هؤلاء "الروحانيين" أفضل وأعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وجاءهم من العلم ما لم يأته وبهذا يكون ما بلغ الرسالة ولا أدى الأمانة وهذا يخالف النص القرآني (اليوم أكملت لكم دينكم)، ويرى بعض العلماء أن قراءة السور والآيات بتلك الطريقة قد يكون لتحضير الجن الكافر، وهنا يسأل سائل: هل يحضر الشيطان مع تلاوة القرآن؟ الإجابة بنعم لأنك بتلاوة القرآن لتحضير خدام الآيات صرفت نية القراءة من التعبد إلى الله تبارك وتعالى وعزوجل إلى نية أخرى وهي تحضير الجن والشياطين.

الشيعة والصوفية

وفي المقابل فإن معنى الروحانيات الحقيقي في الإسلام لدى أهل السنة والجماعة هي تلك النصوص والتعاليم التي تصب في مجال تزكية الروح أو النفس والسمو بها في مدارج السالكين لله عز وجل، لكن وبتتبع أصول ما يسمى بعلم الروحانيات المنتشر حاليا يتضح انتماءه للشيعة والصوفية، وهو ما يمكن إثباته من خلال عرض بعض أذكارهم، ففي كتاب الطبرسي (مكارم الأخلاق ص 415-416) ورد ما يسمى بـ "حرز أمير المؤمنين (علي) عليه السلام والذي جاء فيه:

للمسحور والتوابع والمصروع والسم والسلطان والشيطان وجميع ما يخافه الإنسان وجميع ما علق عليه هذا الكتاب لا يخاف اللصوص والسارق ولا شيئا من السباع والحيات والعقارب وكل شيئ يؤذي الناس وهذه كتابته: بسم الله الرحمن الرحيم.. أي كنوش أي كنوش أرشش عطينطينطح يا ميططرون فريالسنون ما وماسا ماسوما يا طيطشالوش خيطوش مشفقيش مشاصعوش أو طيعينوش ليطيفتكش هذا هذا.. وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ..اخرج بقدرة الله منها أيها اللعين بعزة رب العالمين .. اخرج منها وإلا كنت من المسجونين .. اخرج منها: فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين.. اخرج مذؤوما مدحورا ملعونا كما لعنا أصحاب السبت!!.. وكان أمر الله مفعولا.. اخرج يا ذوي المخزون.. اخرج يا سورا سور بالاسم المخزون يا ميططرون طرعون مراعون تبارك الله أحسن الخالقين. يا هيا شراهيا حيا قيوما: بالاسم المكتوب على جبهة إسرافيل اطرد عن صاحب هذا الكتاب كل جني وجنية.. وشيطان وشيطانة ..وتابع وتابعة .. وساحر وساحرة .. وغول وغولة .. وكل متعبث وعابث يعبث بابن آدم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..وصلى الله على محمد وآله الطيبين وعترته الطاهرين".

ومن كتاب (التحفة الرضوية في مجريات الإمامية) لمحمد الرضى الرضوي لعلاج الألم ص 55: قال السيد السمناني: تضع يدك على موضع الألم وتقول سبع مرات: كالي جربا .. لا بد ولي بيلي .. جرباسي هنوته .. بيركي دون اورابيسيناسي .. جا جا جا".

والأمثلة كثيرة جدا من كتب الشيعة والصوفية التي تضم أذكارا غير مفهومة نذكر منها أيضا الرقية التي أوردها "العلامة" السيد حسن السمناني في (منهاج العارفين) ص 256 للحصول على الحمل: إذا صامت المرأة يوم الخميس وعلقت هذا الطلسم عليها عند الجماع حملت بلا شك.. وقد جُرب ذلك: م م م م ط هـ هـ.. على على على على على على.. له له له. ما مو لعو هو فسو".

كذلك نجد أن للصوفية أورادا وأذكارا خاصة بهم يتم قراءتها عدد مرات معينة، ومن المنتديات الشهيرة على الإنترنت لتعليم "الروحانيات" وتسخير الجن تلك الخاصة بالطريقة الصوفية التيجانية كمنتدى "مملكة الشيخ المغربي التيجاني" و"الجواهر السبعة للشيخ التيجاني"، وموقع "الشيخ سيد عبد الرحيم الرفاعى للروحانيات"، كذلك فمن بين أشهر الكتب التي تستخدم في هذا المجال كتاب "الأسرار الباطنية في الاستخدامات الروحانية" وهو من تأليف الشيخ حسين قنديل صاحب الطريقة البيومية الصوفية، ويوصف الكتاب بأنه "مرجع قوي في الأعمال وتلبيس وصرع وفك وعقد وصلح وتسخير وأعمال كثيرة في المحبة قوية جدا".

نصب واحتيال

ولا يخفى على أحد أن الكثيرين من طالبي ما يسمى "العلاج الروحاني" كثيرا ما يتعرضون للنصب من قبل "الشيوخ الروحانيين" وتزخر مواقع النت بقصص لهؤلاء الذين وقعوا فريسة للمشعوذين والدجالين، فهذه فتاة تعرضت للابتزاز الجنسي من أحد الدجالين الذي أوهمها بقدرته على علاج أختها المريضة بالصرع وذلك بعدما أخذ منها مبالغ مالية كبيرة، وذلك نصاب آخر يدعى "هيمون" وزوجته شيخة نصابة تدعى "سحر" يقومان باستدراج النساء بحجة تقديم العلاج ثم يتم تخديرهن قبل الإتيان برجال لممارسة الفاحشة معهن وتصويرهن لابتزازهن ماليا بعد ذلك.

ويروي أحدهم قصة أخرى فيقول: لي قصه حدثت مع أحد اصحاب المنتديات الروحانيه والمنتدى هذا اسمه (منتدى الشيخ التيجاني للعلوم الروحانية) وكنت أنا مشتركا بهذا المنتدى باسم أبو الفضل وفي الآونة الأخيرة كتب في منتداه أنه يبيع جنيات للنكاح مقابل 600 دولار وإحدى المشتركات تقول له: هذا ظلم يا شيخي هذا للرجال وليس هناك شيء للبنات؟!

 فرد عليها: هناك ذكور من الجن للبنات. فرددت عليه: استغفر الله وأتوب إليه. وفي اليوم التالي حُظرت من المنتدى وكنت متوقعا ذلك فأرسلت اليه إيميلا أوضح له أن هذا لا يجوز وناشدته الله أن يلغي الموضوع (جنيات للنكاح) من المنتدى وسألته لو أن ابنته طلبت منه جنيا للنكاح ماذا يكون رد فعله؟ فرد علي بأنني غبي ولا أفهم واتهمني بقلة الأدب وأرسل كل شتائمه التي لا حد لها.

كنت أعتقد أن عنده شيء من العلم فاتضح لي أنه ليس عنده أي علم لا بالدين ولا حتى بالعلم الروحاني الذي يدعيه ولو في إمكانيه أن أرسل هذه الإيميلات إليكم لأرسلتها ولكنها تتضمن أحقر العبارات التي يمكن تصورها، هذا هو علمهم وهذا هو عالمهم".

دعوة عاجلة

وفي النهاية نوجه الدعوة عبر منبر "الراصد" لعلماء الأمة ورجال الدين الذين سكتوا عن تلك الظاهرة الخطيرة أن يتحركوا ويردوا على هذا الضلال وتلك البدع التي انتشرت في المجتمع كالنار في الهشيم، تحركها الأحقاد الشيعية والأباطيل الصوفية، وأن يخرج رمز من رموز الأمة ويفضح ألاعيبهم ويجزم بشكل قاطع أن ممارسة ما يسمى بعلم الروحانيات تنطوي على شرك بالله تعالى وليست من الإسلام في شيء.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق