11 عاماً بوجه المشاريع الطائفية "شيعة رايتس ووتش" .. لحقوق الإنسان وجوه أخرى الحركة النسوية في مصر ولعبة عض الأصابع (1) نموذج حادثة التحرش الجماعي بجامعة القاهرة العدوان الإيراني والشيعي على البحرين الوجه الآخر - 5 - حسن الصفار قالوا - العدد مائة واثنان وثلاثون - جمادى الأخرة 1435 هـ أحداث العوامية: البيانات وحدها لا تكفي !! السلفيون في جنوب السودان .. الواقع والمستقبل إيران وركوب الأمواج العالمية: جنوب إفريقيا نموذجا حقيقة القانون الجعفري في العراق خطايا قانون الأحوال الشخصية الجعفري لوبي آية الله في شارع كييه في واشنطن من مخططات المالكي للحصول على ولاية ثالثة مؤتمر الصحوة السادس .. متى يرى الآخرون ما تحت القناع؟ هل يزحف التشيع إلى المجتمع السني العراقي؟ "جيروزاليم بوست": فوز أردوغان "كارثي" لإسرائيل المهدوية وتوظيف النظام الإيراني لها أميركا تتأهب لتسليم أفغانستان إلى طهران بعد سقوط يبرود لنتذكر الكويت ! جيش لبنان في الميزان " حوالش" البحرين.. انعكاسات فوز اردوغان هل ثمّة فرص لنشوء تحالف إقليمي عربي لمواجهة المشروع التوسّعي الإيراني؟ معركة الإعلام بين العرب وإيران
 
حركة كولن.. تركيا تدق الأبواب
الجمعة 11 يناير 2013

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

حتى سنوات قريبة لم يكن الشباب العربي يسمع بحركة كولن الإسلامية التركية إذ كانت المعرفة بها مقصورة على النخبة الثقافية والفكرية العربية المعنية بالأساس برصد حركة وتطور الفكر الإسلامي التنظيمي سواءً كان ذلك في تركيا أو في غيرها من البلدان الإسلامية ومن ثم لم يزد أمر متابعة الحركة عن كونه أحد مسارات العمل البحثي الأكاديمي الذي يتناول الحركة كما يتناول بقية الحركات الإسلامية.

لكن مؤخرا وخلال أقل من عقد من الزمان تقريبا اختلف الوضع تماما بالنسبة لحركة كولن سواء في مصر أو في بعض البلدان العربية فأضحت الحركة التركية من بين الحركات الإسلامية التي تقيم المؤتمرات وتعقد الندوات خارج حدودها الجغرافية وتصدر الصحف والمجلات الناطقة باللغة العربية بل إن الحركة دشنت موقعا إلكترونيا خاصا بمؤسسها الشيخ محمد فتح الله كولن ضمّنته كتاباته ودراساته وسيرته الذاتية باللغة العربية أيضا وهو ما لفت انتباه الكثيرين إلى الحركة ودفع آخرين إلى التطلع لمعرفة المزيد عنها وعن مؤسسها وما تطرحه من رؤى وأفكار.

ويرجع البعض الأسباب وراء التأخر في معرفة حركة كولن عربيا على الرغم من أن تاريخ نشأتها يعود لعقود مضت إلى التضييق الذي مارسه النظام التركي خلال الفترة الماضية إذ اتسم هذا النظام بعلمانيته الشديدة ومن ثم محاربته لكل الحركات الإسلامية والحدّ من نشاطها وهو الأمر الذي خفت حدته بعد وصول حزب الرفاه برئاسة الراحل نجم الدين أربكان ومن بعده حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان وهما الحزبان المتصالحان إلى حد كبير مع الإسلام والتنظيمات الإسلامية مقارنة بالأحزاب الحاكمة السابقة عليهما.

يضاف إلى ذلك أن بلدان العالم العربي ذاته كانت ومازالت تزخر بالعشرات من الحركات الإسلامية المتباينة الرؤى والاتجاهات وفق المدارس والمذاهب الإسلامية والتي يتبنى كل منها ويطرح منهجا إصلاحيا ومشروعا نهضويا يختلف كليا أو جزئيا مع بقية المشروعات ولهذا فإن هذا العالم العربي لم يكن في حاجة إلى أن يلتفت أو ينتبه إلى ما هو خارج حدوده الجغرافية بل كانت ترى أغلب هذه الحركات أنها ربما تكون الملهمة لغيرها من الحركات في البلدان الإسلامية غير العربية.

لكن هناك تفسيرا ثالثا يقدمه لنا أحد تلامذة كولن وهو الأستاذ نوزاد صواش الذي يقول :"بالنسبة لفتح الله كولن لماذا لا يعرفه العالم العربي هناك أسباب كثيرة منها شخصيته وخلقه لأنّه يحرص على الفعل وليس على القول كما يُقدّم لسان الحال على لسان القال وتقليل الإنجاز مهما كان ضخما لعدم الرضى بالعمل الذي تقوم به لأنّه لا وقت لديك للدعاية والترويج لعمل تؤمن بأنه تمّ بفضل الله".

 بين الحركة والمؤسس

لا تنتسب حركة كولن إلى الداعية التركي محمد فتح الله كولن لكونه مؤسس الحركة فحسب بل إن الحركة تتخذ من أفكار ورؤى كولن أيضا منهجا فكريا وحركيا ومن ثم فإن محاولة التعرف على طبيعة الحركة وتوجهاتها يستلزم بالضرورة التمعن وبشكل عميق في شخصية كولن وما يطرحه من أفكار وما يتخذه من مواقف فتلامذة كولن وأتباعه يتخذون من هذه الأفكار نبراسا لهم في حركتهم وأطروحاتهم بما يشبه إلى حد كبير تعاطي المريدين مع الشيخ وفق منهج المتصوفة.

ولد كولن في 27 أبريل/ نيسان عام 1941م في قرية كوروجك الصغيرة بمحافظة أرضروم لعائلة متدينة إذ كان والده شخصًا ‏مشهودًا لـه بالعلم والأدب والدين، ووالدته سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله ‏ما دفعها لتحفيظ ابنها القرآن وهو في سن الخامسة من عمره ليتم حفظه في سن العاشرة.

وكان بيت والد كولن مفتوحا لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة لذا تعوّد محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم فيما قام والده بتعليم ابنه اللغتين العربية والفارسية.

وتشير بعض المصادر إلى أن كولن درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه وكان يتردد إلى (التكية) أيضًا حيث تلقى تربية روحية إلى ‏جانب العلوم الدينية والعلوم الوضعية ‏والفلسفة كما تعرف خلال دراسته على رسائل النور الخاصة بحركة بديع الزمان سعيد النورسي وقد تأثر بها كثيرا إذ كتب النورسي هذه الرسائل وهو في السجن أو المنفى من عام 1926 حتى عام 1950م وشملت تفسيرات قيّمة لآيات القرآن وتوجيهات دعوية لإرشاد المسلمين باللغة التركية وزاد عددها عن مائة وثلاثين رسالة وجمعت في كتاب تحت عنوان (كليات رسائل النور) ولم تطبع في المطابع حتى عام 1954م فكانت تكتب يدوياً وتنشر بصورة سرية لأنها كانت تلاقي محاربة شديدة من قبل نظام الحكم العلماني السائد في تركيا في ذلك الوقت.

وبدأ كولن عمله الدعوي في سن مبكرة فقد تم تعيينه إماما لأحد المساجد وهو في العشرين من عمره ثم انتقل إلى مدرسة لتحفيظ القرآن ثم عمل ‏واعظاً متجولاً في الأناضول وكان يؤثر أن يبيت في المسجد لا يغادره إلا لضرورة.

وفي دعوته لم تقتصر جهود كولن على تربية النفوس وتزكيتها إذ حرص أيضا على أن يستحث أتباعه على إنشاء العديد من المدارس والأقسام الداخلية ‏وإصدار الصحف وإنشاء المطابع وتأليف الكتب وبث المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تعمل على نشر أفكاره وهو ما كان له أثره الكبير في بلدان آسيا الوسطى التي عانت من الاحتلال ‏الروسي.

وركز كولن على التعليم وتنشئة جيل إسلامي جديد كان يحلو له تسميته بـ "الجيل الذهبي" إذ كان يرى أن مشكلة التعليم مشكلة جوهرية في العالم الحديث وليس في تركيا فحسب فأساس أزمة المجتمع الحديث هو تحطيم تكامل القلب والعقل في التعليم والفكر العلمي فيقول: "إن الفكر العلمي الحديث والنظام التعليمي قطع الرابطة بين جميع العلاقات الإنسانية والاجتماعية والفكرية وبين المقدسات بطريقة وضعية في عدة عصور وكان ذلك هو مصدر الأزمات الأخلاقية والمعنوية والفكرية التي تتعرض لها المجتمعات الحالية".

وفي دراسة للدكتور رجب فايمافحان بعنوان "مفهوم التربية الشمولية لكولن وانعكاسه على المدارس" قال إن كولن يرى أن الحل لهذه المشكلة يكمن في تحقيق تكامل القلب والعقل في التعليم بنظرة شمولية إلى العلاقة بين الإنسان والكون والله.

في هذا السياق فقد حرص كولن على أن ينقل تجربته الدعوية الخاصة إلى المدارس التي أنشأتها حركته في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ومن ثم فقد كان من بين أهداف هذه المدارس محاربة الأفكار المادية والإلحادية التي تبنتها العديد من المؤسسات والدول، وتمكنت في لحظة تاريخية بعينها من أن تغزو بها عقول الشباب العربي والمسلم ما كان له أثره السلبي الشديد على الواقع الاجتماعي والسياسي وهو ما حاول كولن نفسه جاهدا أن يكون لبنة في مواجهته ومحاربته عبر الرد على الأسئلة الحائرة التي كانت تدور في عقول من الْتقاهم من الشباب.  

ويكفي للتدليل على درجة النفوذ التي وصل إليها إعلام حركة كولن أن نشير إلى أن مبيعات الصحيفة الرسمية للحركة وهي صحيفة (الزمان) ارتفع مؤخرا وخلال خمس سنوات فقط من 300 ألف نسخة إلى ما يقارب المليون نسخة حتى أنه عندما يقوم أشخاص أجانب بالطيران على طائرات الخطوط التركية تقدم لهم النسخة الإنجليزية من هذه الصحيفة بدلا من صحيفة "تركيش ديلي نيوز" العلمانية.

وكانت ثمرة جهود كولن أن أسس ما أسماه البعض بتيار "الخدمة الإيمانية" ومن ثم ظهور ما يسمى بـ"حركة كولن" والتي تمتلك نحو ألفي مدرسة وعشرين جامعة متميزة في مختلف التخصصات منتشرة في تركيا وفي 6 قارات و160 دولة عبر العالم والكثير من المؤسسات الإعلامية الكبيرة وحتى الاقتصادية.

ولا يقتصر نشاط الحركة على ذلك بل يمتد إلى إقامة مراكز ثقافية خاصة بها في عدد كبير من دول العالم وإقامة مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا بالتعاون مع كبريات الجامعات العالمية من أجل دراسة الحركة وتأثيرها وجذورها الثقافية والاجتماعية.

والملاحظة الأهم التي يمكن أن نستشفها من سرد بعض المحطات الرئيسة لسيرة فتح الله كولن هي تأثر الرجل بالمنهج الصوفي وهو الأمر الذي يتكشف جليا أيضا في طريقة خطبه ومواعظه إذ يركز الرجل وبشكل كبير على أن يبكي أتباعه إلى حد الصراخ بل هو نفسه يحرص على أن يشارك أتباعه في هذا البكاء.

 

 الحركة والغرب

إن أهم ما يلفت النظر عند دراسة حركة كولن هو موقف الغرب من الحركة إذ هي من الحركات الإسلامية القليلة التي يرحب الغرب بوجودها ويقبل بنشاطها بين بلدانه وهو الأمر الذي  بقدر ما يمكن القول بأنه كان له ظلاله الإيجابية على حركة الدعوة الإسلامية بقدر ما يطرح تساؤلا حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الموقف؟ فالبديهي أن الغرب دائم الرفض إلى حد العداء والمحاربة للحركات الإسلامية التي يرى أنها تمثل خطرا محدقا بأمنه وسلامه الاجتماعي وهويته الثقافية فكيف إذاً يقبل بمثل هذه الحركة؟

ولعل من مظاهر هذا القبول أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتضت أن يعيش الشيخ كولن على أرضها وبالتحديد في ولاية بنسلفانيا منذ عام 1999م ويتواصل من خلال تواجده هناك مع أتباعه وتلامذته بل ويدير نشاط الحركة وفاعليتها وهو أمر يثير التعجب حتى لو كانت هذه الإقامة جاءت بعلة العلاج أو نتيجة المشكلات الأمنية والقضائية التي تعرض لها كولن في تركيا.

كذلك فقد كان لكولن موقفه الواضح والمحدد من هجمات سبتمبر عام 2001 إذ أنه وبعد يوم واحد من وقوعها نشر إعلانا من صفحتين في صحيفة "نيويورك تايمز" يقول فيه إن "الإرهابي لا يمكن أن يكون مسلما كما لا يمكن أن يصبح المسلم الحق إرهابيا".

ويمكننا التعرف على الموقف الإيجابي للأمريكيين من كولن من خلال نقرة واحدة باسم فتح الله كولن على مواقع البحث على الإنترنت لنحصل على مئات المواقع التي تتحدّث عنه وهي المواقع التي في أغلبها مواقع أمريكية بل إن العديدَ من الجامعات اهتمت كثيرا بحركة كولن، وبكولن نفسه حيث أنشأتْ له بعضُ الجامعات في أمريكا أقسامًا خاصة باسمه "كرسي أكاديمي" ومراكز علمية متخصصة لدراسة أُطرُوحاته ونظرياته في الدعوة والفلسفة والإصلاح.

أيضا من بين مظاهر هذا القبول الغربي لكولن وحركته دعوته بشكل شخصي للقاء بابا الفاتيكان بولس الثاني عام 1998م كما التقى بالعديد من قيادات المجتمع اليهودي في العديد من المناسبات بعد ذلك في إطار ما يسمى بحوار الأديان.

وبالطبع فإنه من المعلوم أن دعوة الفاتيكان لا توجّه إلا إلى شخصيات ذات مواصفات خاصة فالفاتيكان ينظر لكولن باعتباره شخصية متسامحة بعيدة عن التزمت والتشنج وفق تصورهم.

وهنا وفي محاولة لتفسير طبيعة هذه العلاقة يرى البعض أن الغرب يتعاطى مع كولن باعتباره داعية يركز على الجانب الاجتماعي من الإسلام حيث يلقب في تركيا بـ "أبي الإسلام الاجتماعي" وبالتالي فهو ينأى بنفسه وبحركته عن الدخول في معترك الحياة السياسية سواء في تركيا أو في غيرها من البلدان ومن ثم لا يمثل كولن وحركته أي خطر على الغرب من الناحية السياسية خاصة وأنه ينظر إلى الولايات المتحدة وأوروبا باعتبارهما قوى عالمية لا بد من التعاون معها.

والحقيقة أن التفسير السابق ربما يكون محاولة استباقية للرد على ما يمكن أن يراه آخرون من تفسير لطبيعة هذه العلاقة إذ الغرب في حربه على الحركات الإسلامية يستثني تلك الحركات المحسوبة على التيار الصوفي وطرقه التي وفق تقرير مركز راند الأمريكي الصادر في بداية الألفية الثالثة هو الإسلام الوسطي المعتدل الذي يجب أن تلقى كل طرقه وحركاته الدعم المالي والسياسي من قبل الغرب في مواجهة الإسلام السياسي الذي يتخذ من الغرب عدوا يجب أن يواجَه ويقاوم، وعليه فإن هذه الطرق الصوفية وبحسب هذه السياسة تتحول إلى شوكة في حلق الإسلام وليس إضافة له إذ هي تقضي على روح المقاومة والجهاد ضد من يحاولون مسخه وهدمه.

كذلك وفي نفس السياق لا يمكن أن نتجاهل بعض المواقف التي ربما تفسر الكثير مما يصعب فهمه ومن ذلك مثلا أن حركة كولن تعاونت مع حزب العدالة والتنمية التركي حيث خاضا سويا معركة شرسة ضد العلمانيين المتشددين في تركيا غير أن كولن نفسه لم يتردد في الإعلان عن رفضه في تصريحات خاصة لصحيفة ''وول ستريت جورنال'' الأمريكية لذهاب النشطاء الأتراك والدوليين إلى قطاع غزة لكسر الحصار عبر ما عرف إعلاميا بـ "أسطول الحرية" وهم يعلمون بالمخاطر الجمة التي تنتظرهم مؤكدا أنه كان عليهم أن يحصلوا على تصريح "إسرائيلي" قبل انطلاق القافلة لتوصيل المساعدات إلى غزة كي لا يعرضوا أنفسهم للخطر.

فهذا الموقف الذي استهجنه الكثير من الأتراك ربما يحمل لدى أطراف أخرى تفسيرا لهذا القبول الغربي لكولن وحركته.

غير أنه ومع كل ما سبق فإن الحركة ومؤسسها ونشاطها قد أثاروا الريبة والشك لدى بعض الأطراف الغربية حتى أن صحفية ألمانية تدعى (نجلاء كولك) كتبت تنتقد كولن فوصفت الحركة بـ"الطائفة الإسلامية الغامضة ذات الهيكل المؤسسي" وهو ما دفع الكاتب التركي سلجوك جوتاشلي الذي يكتب في صحيفة زمان – التابعة للحركة -  ليقول: "إننا لسنا بمنظمة يمكن للمرء أن يصبح عضوا فيها. إننا جماعة من الناس لهم نفس الهدف تقريبا" مضيفا : "بإمكان كل مَن يتهمنا باتباع أجندة سرية أن يأتي ويستفسر فنحن لا نخفي أي شيء".

 كولن والشريعة

يعد موقف حركة كولن من قضية الشريعة وتطبيقها في تركيا من بين الإشكاليات التي تحتاج إلى كثير نظر إذ في الوقت الذي يؤكد فيه تلامذة كولن ومنظرو حركته أن من أهم أهداف الحركة هو تطبيق شريعة الإسلام في الوقت الذي نجد فيه أن بعض العبارات لكولن تشي بعكس هذا تماما ففي مقولة له نقلتها الموسوعة العالمية للمعرفة "ويكيبيديا" يقول كولن: "إن الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس فيما الأقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها وأنه لا داعي لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام".

كذلك تؤكد بعض المصادر التركية أنه في الثمانينات من القرن الماضي وقد أصبح كولن خطيبا مشهورا عندما كان يخطب في جامع اسطنبول الشهير (جامع السلطان أحمد) يكون من بين الجماهير الحاضرة رئيس الوزراء الأسبق سليمان ديمريل ووزير خارجيته إحسان صبري في حين كان على صلة دائمة برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الأسبق تورجوت أوزال.

يضاف إلى ذلك أن جماعة كولن لم تكن أبدا على وفاق مع رئيس الوزراء السابق والزعيم الراحل للحركة الإسلامية السياسية نجم الدين أربكان بسبب اختلاف رؤية الجماعة عن رؤية تيار أربكان في كثير من القضايا المحورية فبينما تحوي أدبيات تيار أربكان كثيرا من شعارات معاداة الغرب والصهيونية العالمية التي تقود العالم ــــ حسب رؤية أربكان - لا ترى جماعة كولن في الغرب وأمريكا لونا واحدا وتدعو إلى التعاون مع القوى الغربية لتحقيق أهداف مشتركة وهو ما يفسر سبب ترحيب كولن وجماعته بسقوط أربكان عام 1997م.

لكن وفي مقابل ذلك فإن هناك بعض المواقف التي تعكس إلى أي مدى يحرص الرجل بالفعل على تطبيق الإسلام والقضاء على التوجه العلماني في تركيا ومن ذلك مثلا ما أورده الباحث الألماني دانيال ستينفورث الذي يقول: "إنه وفي مارس 1999 سافر الخطيب كولن إلى الولايات المتحدة بشكل مفاجئ وبعد ذلك بوقت قليل بثت إحدى محطات التلفاز التركي خطبة مصوّرة سريا يطالب فيها كولن أنصاره بـ"العمل في صبر والتسلل إلى مؤسسات الدولة للاستيلاء على الحكم" وعلى التو قام المدعي العام بالمطالبة بسجن كولن عشر سنوات بتهمة "تكوين منظمة تعمل على إطاحة الحكومة العلمانية وبناء دولة تقوم على أسس ثيوقراطية".

وعلى الرغم من أنه وبعد سنوات من توجيه التهمة إلى كولن برأت المحاكم التركية الرجل في عام 2006م مما وجه إليه إلا أن كتابات كولن تشي بأن الرجل فعلا حريص على أن يسود الإسلام وإن لم يتحدث صراحة عن تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا ففي كتابه "ونحن نقيم صرح الروح" يحاول كولن أن يصف واقع العالم الإسلامي فيقول: "يمر العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة بأحلك الفترات تأزمًا على مر التاريخ من حيث الاعتقاد والأخلاق والمنهج الفكري والمعرفة والصناعة والعادات والتقاليد والأوضاع السياسية والاجتماعية".

ثم وبعد سطور يستعرض فيها ذلك الذي قدمه المسلمون للدنيا بأسرها وللإنسانية جمعاء يحاول أن يضع يده على السبب وراء أزمة العالم الإسلامي فيقول: "ومن المؤلم حقًّا أن هذا العالم لما ابتعد عن المقومات التاريخية والقيم الإسلامية التي نهضت به قرونًا طويلة فوقع أسيرًا في أغلال الجهل والرغبات البدنية والجسمية والانحلال الأخلاقي والخرافات.. انحدر إلى مهاوي الظلام والخسران وانساق من انهيار إلى آخر.. مُهانًا تحت الأقدام مبعثرًا كحبات مسبحة انفرط عقدُها أو كصفحات كتاب سُلّ خيطُه.. مزلزَلاً بجدل عقيم مقصومَ الظهر بتفرق لا حد له.. مشدوهًا متحيرًا يتغنى بأناشيد الحرية وهو يعاني من أسرٍ أودى به إلى أشد أنواع الخزي والعار.. أنانيًّا يختال بنفسه رغم أنه بلا هوية.. أعلن العصيان على الله ورسوله متذرعًا برفض الثوابت التي يحظر المساسُ بها، فوقع فريسة في مخالب ثوابت أخرى بَئس بها أيما بؤس".

ثم يؤكد كولن أن الانبعاث الجديد لهذه الأمة لن يكون إلا بالعودة للإسلام فيقول :"بيْد أن هذه الفترة العصيبة المتأخرة لم تدم أمدًا بعيدًا رغم كثرة جهود "الأربعين حراميًّا" في الخارج وحفنة من الأخِسّاء في الداخل. وما زال المسلمون الذين يشكلون خمس البشرية اليوم يخوضون كفاحًا من أجل انبعاث جديد في بقاع الأرض كافة ويناضلون للفكاك من عهد هذا الأسر اللعين. وإن ما لاقوه من مصائب واعترضهم من نكبات صباح مساء لا سيما في العقود الأخيرة قد أثمر لديهم طاقة ميتافيزيقية دافعة وفرارًا إلى الله وشحذًا لعزيمة الكفاح".

ويستطرد: "إن توافق روح الإسلام مع طبع الإنسان، ودفعه له نحو الرقيّ المادي والمعنوي وانفرادَه بمكانة لا تُدرَك في الموازنة بين الدنيا والعقبى.. هذا كله جعلَنا –حتى في أحلك المراحل ظلمة- نتنسّم عبَقَ معاني "الحقُّ يعلو ولا يُعلَى عليه" ونفتح أعيننا ونغمضها على حقيقة ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:128) ومن ثم فإننا لم نقع في اليأس والقنوط البتة. وأنّى ذلك ونحن نشاهد من الآن تسارعًا مطردًا في التوجه إلى الإسلام من غالب فئات البشر ناهيك عن أن الإسلام تصدّر مكانة عالية في دائرة واسعة امتدت من أمريكا إلى آسيا ومن الدول الإسكندنافية إلى أستراليا".

 

كولن والصوفية

إن مهمة البحث عن الربط بين كولن وحركته من ناحية والفكر الصوفي من ناحية أخرى مهمة بسيطة ويسيرة للغاية فمجرد الاستماع إلى بعض من خطب كولن عبر موقع اليوتيوب على الإنترنت يكشف للمشاهد ومن الدقائق الأولى المنهج الذي يتبعه كولن في خطبه ومواعظه وطريقة أدائه التي يسير فيها على خطى كبار المتصوفة وفق ما سردت كتب التاريخ ووفق ما نراه في عصرنا الراهن.

كما يتكشف للمشاهد أن خطاب كولن يمزج بين رسالته التي يريد أن يصل بها إلى مستمعيه ومريديه وبين مشاعره الخاصة والذاتية بما يؤكد أن ما يسلكه يأتي عن وعي وإدراك كاملين منه بأنه ليس مجرد داعية أو مبلّغ لرسالة معينة، ولكن عن شعور بأنه شيخ طريقة له أتباعه ومريدوه.

وفي هذا الصدد يمكننا أن نسرد بعضا مما جاء في أحد خطبه التي خصصها للدفاع عن الشبهات التي يثيرها البعض ضده ومنها أنه يمتلك المزارع والعقارات إذ حرص في هذه الخطبة أن يؤكد على زهده وتقشفه في حياته فيقول:

"أما أنا فليس لي مطلب دنيوي وها قد جاوزت الخمسين من عمري لم يقع لي أن طلبت أمرا دنيويا ولم أسلك طريقا أبتغي به تحقيق مرادي الشخصي حتى إن بعض أصدقائي اقترحوا علي أن أنام على الفرش الوثيرة، وإني بكل اطئمنان وراحة بال أقسم بالقرآن كلام ربي إنني قد وقع لي النوم على الفرش في بعض حالات الاضطرار وأظن أن هذه الحالات لم تتجاوز عدد أصابع اليدين. لقد توسدت خشبة ونمت وأحيانا أخرى أسندت رأسي إلى وسادة فنمت فما كان لي أن أخلد إلى الراحة وأطمئن بينما العالم الإسلامي يعيش حالة الاغتراب. إنني لم أمتلك شيئا ولم أضع لنفسي حجرا على حجر في حين أن هناك من رماني بأنني أمتلك مزارع للزيتون تمتد من أدرميت إلى بحر مرمرة ومنهم من ادعى أن لي عددا من العمارات. دعوني أصارحكم وأقل لكم فحينما كنت أعيش أحلك الوحدة والغربة ضاقت بي السبل بعد الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980م، ما كان عندي لقيمات أسد بها رمقي واستحييت أن أطلب شيئا من أحد فاضطررت إلى بيع آلة التسجيل التي كان أهداها لي أحد أصدقائي كنت استمع بها القرآن الكريم فأخذها أحدهم ووضعها في دكانه ثم بعد برهة أتى بها قائلا: لا يليق بنا ابدا".

ثم يحاول أن يقنع أتباعه أنه يحمل همّ العالم الإسلامي وأنه في ذلك يشبه صلاح الدين الأيوبي فيقول: "إلا أنني حرمت الضحك على نفسي مثل صلاح الدين الأيوبي".

ثم يعود ليؤكد على زهده فيقول: "ولقد كنت فرشت تحتي حصيرا قبل ثلاثين سنة وأني ما زلت على ذلك الحصير فلم أغير حصيري وكان لي عدد من الكتب فقلت لأصدقائي أشعر أنني أحملها على ظهري فأهديتها قبل خمسة عشر عاما إحدى المكتبات وقفا عليها وكنت أستفيد منها كلما احتجت إليها. لقد أوقفتها خشية سؤال ربي إذا حاسبني عنها".

والحقيقة أن هذا الكلام لا يمكن قبوله ببساطة إذ أن من بين ما يعلنه تلامذة كولن لتبرير إقامته في الولايات المتحدة هو تلقي الرجل للعلاج من السكري وأمراض القلب وهو ما يتنافى مع منطقه في الزهد والتقشف مع إقرارنا بحقه في العلاج غير أننا فقط نشير إلى أن الأمر يحتاج إلى تفسير.

أيضا يتكشف تأثر كولن بالتصوف وبوضوح في كتاباته إذ هو يرى أن كبار المتصوفة أمثال محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي من الذين "رسموا الطريق إلى المعرفة الحقة بالحب والروحانيات" فيما يشير الباحث الألماني دانيال ستينفورث إلى أن تلاميذ  كولن يستندون في نشاطهم إلى الشكل التنظيمي للجماعات الصوفية الدينية الذي يعود إلى العصور الوسطى أيام الخلافة العثمانية.

وفي كتاب "فتح الله كولن جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية" للباحث محمد أنس أركنه أقر الباحث بوجود بعض أوجه الشبه بين الآليات الرئيسية للحركة والطرق الصوفية التقليدية في استعمال بعض المفاهيم المتعلقة بالتربية الروحية والحياة القلبية إلا أنها تختلف عنها في مجال تشكيل حركة مدنية مؤثرة وفي طراز التثقيف وفي منهجية سلوكيات الحركة.. مضيفا أن حركة كولن حركة مجهزة بآليات الحركات المدنية وفيها الكثير من المفاهيم التصوفية: الفكرية منها والعملية.

 

حتمية البحث

إن الموضوعية تفرض علينا أيضا أن نقر بأن ما قدمناه سابقا ليس كافيا للتعرف على حركة كولن "أفكارها وأهدافها" إذ الأمر يحتاج إلى الكثير من الدراسات والأبحاث حول الحركة وهو عبء يجب أن يشارك فيه باحثون من مختلف التخصصات، فما تطرحه الحركة فكرة تتسم بالتعقيد والتشعب.

كما أن الطريقة التي قدمت الحركة بها نفسها للعالم العربي تطرح العديد من التساؤلات فقد جاء أول لقاء عربي بحركة كولن عن طريق مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة التي استضافت مؤتمر "مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن التركية" عام 2009 أي بعد أربع سنوات من إصدار مجلة حراء الناطقة باللغة العربية والقريبة من الحركة.

وكان التساؤل الأهم الذي دار في خلد الباحثين والإعلاميين والسياسيين حول السبب الحقيقي الذي يدفع الجامعة العربية لاستضافة هذا المؤتمر للتعريف بحركة إسلامية في الوقت الذي تعاني فيه الحركات الإسلامية الإصلاحية في أغلب البلدان العربية من التضييق والتهميش؟ وهل يرتبط هذا بما سبق وأن أشرنا له بشأن طبيعة العلاقة بين الغرب وحركة كولن؟

الأمر الثاني يتعلق بكون حركة كولن ونشاطها في البلدان العربية سواء من خلال الإصدارات أو المؤتمرات أو الندوات هو طريقة التواصل التركية الجديدة مع هذه البلدان بعد غياب تركي عن هذه البلدان امتد لأكثر من ثمانين عاما - سقوط الخلافة العثمانية 1923م – فهل تريد تركيا بهذه الخطوة أن تقدم لنا بديلا إسلاميا حركيا يختلف عما أفرزته الحركة الإسلامية العربية؟ أم أن الأمر مجرد محاولة تركية للعودة من جديد للأمة العربية والإسلامية وفق تعليق الدكتور محمد عمارة على مؤتمر الإصلاح حيث قال: "إنَّ تركيا تعود مِن جديد لأمَّتِها".

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: