تقرير عن الحراك السني في العراق
الجمعة 11 يناير 2013

عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

 

مرت قرابة عشرين يوما لحد كتابة هذا التقرير على ظهور حراك سني في العراق، على إثر عملية اعتقال عناصر حماية وزير المالية رافع العيساوي وهي الحادثة التي لم تكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فحراك اليوم لا علاقة له البتة بحادثة العيساوي؛ ولقد تطور الحراك يوما بعد يوم مثل كرة الثلج حتى غدا اليوم على ما هو عليه، ولم يدر في خلد حكومة المالكي في أول الأمر أن الأمر سيتطور إلى ما آلت إليه الأمور اليوم، ولذلك سارع بعض أصدقائه وأتباعه بنصحه ألا يكرر خطأ بشار والرؤساء المخلوعين القذافي وعلي صالح وحسني مبارك خاصة بعد تلويحه ببعض التهديدات الحمقاء.

لقد بدأ الحراك في محافظة الأنبار وهي المحافظة التي تحسب لها الحكومة الشيعية ألف حساب، ومنها انتقلت الشرارة إلى محافظة صلاح الدين وبالتحديد إلى مدينة سامراء التي يطمع الشيعة للسيطرة عليها وتحويلها إلى (محافظة سامراء المقدسة)، لذا فإن أسباب ودواعي ثورة أهالي سامراء قديمة وليست حديثة أو مرتبطة بحادثة حماية العيساوي، لكنها كانت فرصة تم استثمارها.

 وسامراء مدينة متميزة في محافظة صلاح الدين من حيث القدرة على حشد الجمهور، وتبعتها محافظة نينوى فى التحرك فتصدت لها قوات الحرس الوطني الشيعي ولكن أهالي نينوى تغلبوا عليها، ثم انتقل الأمر إلى محافظة ديالى وحاولت الشرطة منعها بأي ثمن لكن الأمور مضت بعكس مراد الحكومة الشيعية، ورافق ذلك تحرك مماثل في كركوك.

أما في العاصمة بغداد فقد حاولت منطقة الأعظمية الخروج واستعدت لذلك إلا أن الحكومة بذلت الكثير من أجل منعها من الخروج ونجحت في مسعاها، إلا أن منطقة الدورة كسرت الحصار وتمكنت من التظاهر وتأييد الحراك. هذه هي صورة الوضع في العراق، والكل يترقب هل سيكون الحراك العراقي ربيعاً سنيا أم شتاء صعباً مجهول العواقب.

من أجل استطلاع حقيقة الحراك في المحافظات العراقية كانت هذه المقابلات الخاصة "للراصد" مع عدد من الناشطين فيه لتوضيح الصورة وشرح المطالب، وقبل الخوض في ذلك لابد من أن ننبه إلى أن الحراك لم يكن وليد حادثة حماية العيساوي فثمة ثلة من الشباب العراقيين في الخارج والداخل يعملون منذ أكثر من سنة هذا لمثل هذه الانتفاضة الشعبية ، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر (الحراك الشعبي السني في العراق ) بقيادة السيد عبد الله الدوسري، والذي بذل جهدا متميزاً مع فريق كبير من الشباب للتمهيد والدعم لهذا الحراك عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وهي الجهود التي ساهمت في ما نراه اليوم. وفي لقاء خاص معه حول مطالب الحراك قال:

"يجب عدم إهمال أي جهد يساعد الحراك العراقي، مع رعاية وتطويل الجهود القائمة"، كما أنه اشتكى من عدم تواصل وتفاعل النخب العراقية، رغم أنها وحدها من تؤثر في حركة الشارع وتضبطه، وشدد على وضع استراتيجية شاملة وواضحة لإدامة الانتفاضة وفهم لعبة التغيير، والحرص على إدامة زخم الانتفاضة في الشوارع والميادين وعدم الركون للتواجد في العالم الافتراضي على شبكة الإنترنت.

وفي حديث مع أحد ناشطي محافظة الأنبار قال:

لا بد من المحافظة على سلمية الانتفاضة لأن حكومة المالكي هي من تريد عسكرة الحراك لضربه عسكريا والقضاء عليه، وأهمية الحفاظ على وطنية الانتفاضة لأن المالكي يريدها طائفية، ولابد من الاستعداد لسيناريو الاعتداء بالقمع الوحشي والعسكري على الحرااك، وحذر من خطورة فشل الحراك لأن هذا يعني الدخول في مرحلة من القمع الشديد بما يفوق ما يحصل حالياً بأضعاف كثيرة، وأهمية كشف زيف الحكومة الصفوية إعلاميا، وضرورة وحدة صف أصحاب الحراك.

أما محافظة ديالى فقد شرح لنا أحد الناشطين وضع المحافظة بقوله:

إن وضع ديالى له خصوصيتهبسبب قربها من إيران، وتتواجد بها قواعد أمنية قوية جدا ولاؤها للحكومة الشيعية وليس للدولة العراقية، كما أن ديالى تعتبر المحافظة الاولى من ناحية عدد المعتقلين الذين قضى بعضهم تحت التعذيب يقدر البعض عددهم بـ 40 سنياً، والحكومة تحرص على أن لا تطلق سراح اي معتقل من ديالى.

وتمكن أهالي مدينة جلولاء من تنظيم مظاهرة مؤيدة للحراك وذلك بسبب قربها من المناطق الكردية، كما تم عقد مؤتمر حضره 200 داعية وعالم من كل الأطياف السلفية والإخوان والصوفية من أجل المطالبة بحقوق المعتقلين، ويرى ضرورة الاستمرار في الحراك لأنه فرصة سانحة ومهمة لأهالي ديالى.

أما أحد المتابعين من مجلس علماء العراق للحراك وهو من الحزب الإسلامي فقد سمى الانتفاضة أو الحراك بانتفاضة (العمامة) لكثرة الأئمة والخطباء المشرفين على تحفيز الأمة للتحرك ضد الطغيان الشيعي.

وقال : إن الانتفاضة باعتراف الجميع كانت من الأنبار، وجارٍ تشكيل لجان في عدة مناطق، أما مدينة سامراء فقد شهدت تعاونا وتنسيقا جيدا بين العلماء والسياسيين هناك، وإن بغداد وديالى تعانيان من وضع صعب لشدة قمع الحكومة، وإن أهل بغداد لا خبرة لهم بهذه المظاهرات مثل أهل الأنبار وسامراء فلا بد من تأهيل وتدريب الشباب على ذلك والاستفادة من خبرات إخوانهم في المحافظات الأخرى، رغم ذلك استعد أكثر من 30 خطيبا في مدينة بغداد للخروج بمظاهرة داخل بغداد، وركز على عدم الاستعجال للظهور في بغداد.

إن غاية هذا الحراك السلمي هو رفض ظلم وطائفية الحكومة، ولا تراجع عن هذا الطريق، وإن على أهل السنة أن لا ينجروا لمواجهة عسكرية إلا بعد سقوط بشار الأسد، وإن أهل السنة هم الأصل في الأمة وهم مستعدون دائما للتعايش مع الآخرين بخلاف غيرهم.

ولقد تم تحذير كل السياسيين أن لا يجيروا الحراك لمصالحهم الشخصية أو الحزبية وإلا حصل لهم كما حصل لصالح المطلك، وإن الحاجة لخطاب وطني في المناطق المختلطة لا يلزم منه التخلي عن مطالبنا السنية في المناطق الخالصة لأهل السنة.

وعن حراك نينوى قال لنا أحد الناشطين:

إن أهل نينوى متأثرون بمحافظة الأنبار، وهناك دور عشائري كبير ومهم، ودور العلماء وأصحاب العمامة واضح ومتميز في قيادة الحراك، وإن الاتحادات الطلابية هي الأنشط في تحريك مدينة الموصل التي هي مركز المحافظة.

وحذر الناشط من الفرقة والاختلاف لأنه مرض فتك بالمقاومة وبالسياسيين السنة وسيفتك بالحراك كذلك، ومن وجود مندسين يحاولون التحرش برجال الأمن لخلق صراعات جانبية تجهض الحراك، وحذر من محاولات تنظيم القاعدة لاختراق الحراك.

أما الناشط في محافظة كركوك فقال:

لقد جرت تظاهرة تضامن مع بقية المحافظات عقب صلاة الجمعة وكان عدد المشاركين محدودا بسبب إجراءات الأجهزة الأمنية، حيث قامت الفرقة 12 بتفريق المتظاهرين ومنعهم من الوصول إلى مكان التظاهر، كما جاءت مجموعات شيعية للمكان ورفعوا أعلامهم السوداء.

ويرى عدد من المنسقين للحراك في جميع المحافظات:

أن الخروج الأولي كان بطريقة عفوية وحقق نتائج كبيرة ومشجعة وذلك تحت قيادة العلماء وطلبة العلم من أهل الاعتدال للحركات في كل المحافظات، لكننا اليوم بحاجة إلى من يجيد التخطيط لإدارة العصيان المدني والمقاومة بأساليب اللاعنف، وهناك حاجة لتدويل قضية الحراك العراقي ضد الظلم الشامل من حكومته الطائفية ضد كل أطياف الشعب العراقي، والعمل على إيجاد جبهة وطنية لإنقاذ وتحرير العراق، وأن استمرار فعاليات الحراك سيضمن دعم المجتمع الدولي له.

ونبه على أن هناك من يحاول تجيير الحراك لمصالحه الشخصية وهذا ضار بالحراك، كما لابد من الاستمرار بتجنب الطائفية واحتواء بعض أهل الجنوب من الشيعة وطمأنة الشرفاء من أهل الجنوب بأن الحراك غير طائفي ولا يهدف للانتقام والثأر.

وأضاف الناشط: هناك عدم وضوح للموقف الكردي من الحراك، وإن مواقف البرلمانيين السنة العرب في كركوك مواقف سيئة!!

هذه هي مجمل الأوضاع الميدانية للحراك في العراق، نسأل الله أن يحرر العراق من هذه الطغمة الفاسدة الشيعية وأن ينصر أهل العراق.

الحراك السني... نظرة عامة

كل ما تقدم ما هو إلا توصيف سريع لحال الانتفاضة العراقية بعد مضي ثلاثة أسابيع على انطلاقتها، إن دواعي الثورة والانتفاضة قائمة ومتوافرة بكثرة في العراق، فالظلم عمّ جميع المكونات والطوائف لكنه تركز على أهل السنة ولذلك تحمل السنة راية الانتفاضة وقادوها.

 ولن يخرج الحراك الشعبي في العراق عن صبغته السنية لأن التوازن المفقود سببه إقصاء السنة عن موقعهم وتحييدهم عن مكانهم اللائق بهم في قيادة العراق.

وهذا الأمر يدفع الشيعة باتجاهه بسببهم عُقدهم الطائفية وعدم قدرتهم على استيعاب السنة وإعطائهم شيئا من حقوقهم الأساسية، وقد رأينا كيف تجمع السياسيون الشيعة (أطياف التحالف الوطني الشيعي) واحتشدوا وتوحدت مواقفهم في وجه المظاهرات ومطالب الحراك الشعبي، بعد أن كانت الخلافات بينهم في أعلى مستوياتها بسبب استئثار المالكي بالسلطة.

إن المبشرات التي يحملها هذا الحراك كثيرة ومن أهمها أنها المواجهة الأولى بين الجماهير السنية والسياسات الشيعية، فنتائج الجولات السابقة كانت تميل لصالح الشيعة لأن السنة لم يمثلهم طرف يحمل همومهم وقضيتهم دون أجندته الخاصة وينطلق في عمله من حاجتهم بعيداً عن مثاليات الوطنية وأحلام الوحدة التي كفر بها الشيعة ونسفوا أسسها منذ زمن بعيد.

فإذا حافظ الحراك الشعبي على تماسك صفه ومنع تسلل الغرباء والدخلاء وأصحاب التوجهات الحزبية، وواصل الثبات كما فعل أهل الشام فإن هذه الثورة ستكون الصخرة التي تتكسر عليها أطماع حزب الدعوة بإخضاع العراق للحكم الشيعي والإرادة الإيرانية.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق