الفكر النسوي وأثره على ارتفاع معدلات الطلاق
الثلاثاء 28 فبراير 2017

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

"أستطيع أن أنفق على نفسي فأنا أحصل على راتب يساوي راتبه" هذه هي الكلمات التي قالتها السيدة الريفية التي تعمل معلمة ردا على والدتها التي تنصحها بحسن التعامل مع زوجها ووجوب طاعتها له، المعلمة التي على وشك الطلاق بسبب خلافات كثيرة ليس بينها أمر جوهري، فكل ما هناك خلافات صغيرة وكثيرة تحمل اختلافا في وجهات النظر، وفي كل مرة تصرّ المعلمة أن يعاملها الزوج معاملة الند للند وإلا فهي لا تحتاجه أو كما قالت لوالدتها إنها تعمل مثله ولديها راتب يساوي راتبه وتستطيع أن تنفق على نفسها جيدا.

أما تلك الطبيبة الشابة التي تركت منزل الزوجية طالبةً للطلاق فتقول إنها لا تقبل أن يعاملها زوجها معاملة أقل من تلك التي تحظى بها في مكان عملها فهي لم تدرس كل تلك السنوات وتتفوق في دراستها إلا كي تعامل كـ "دكتورة" وأن على زوجها أن يتعامل معها في البيت بالطريقة نفسها.

وهذه الصحفية التي أقامت دعوى خلع بسبب الغيرة التي يبديها زوجها بسبب الاختلاط بالزملاء والمصادر أثناء عملها الصحفي ترى أن هذه هي طبيعة عملها الذي لا يمكنها التنازل عنه بينما يمكنها التنازل عن هذا الزوج الذي يعيش بعقلية "سي السيد" على حد تعبيرها.

أما هذه الإدارية فابتسمت لي وهي تقول: أُنفق مثل ما ينفق في البيت حتى يكون لي من القرار مثل ما له، فمن يملك يحكم وإذا حدث وتم طلاقي وهو أمر ليس مستبعدا، فأنا لا أحتاج إليه، وإذا خيّرني بين عملي وبينه فلن أتردد في اختيار عملي، عملي هو الأمان الحقيقي وليس ظله.

أما هذه الأستاذة الجامعية التي حصلت على الطلاق مؤخرا فلم يكن هذا الطلاق مفاجئا على الإطلاق فقد ظلت لسنوات في حالة صراع مع زوجها المشترِك معها في نفس القسم، صراعِ مَن يحقق الدرجة أولا ومن يحصل على الترقية قبل الآخر، وكانت كثيرا ما تتّهمه أنه يحاول إهدار وقتها الثمين بسبب طلباته الخاصة حتى يثبت أنه الأكثر نجاحا بينما هي ترى أن لديها مقومات نجاح أعلى إلى أن حققت هدفها واستردت وقتها وتم الطلاق.

الندية والطلاق

هذه النماذج السابقة هي نماذج من الواقع، قد يكون هناك رتوش هنا وهناك، وأسباب أخرى إضافية تساعد على تعميق المشكلات والصراعات داخل البيوت وتعجل بوقوع الطلاق لكن تبقى النديّة واحدة من أهم أسباب الطلاق الذي تعاني منه بلادنا، فالظروف الاقتصادية الصعبة وتدخّل الأهل بل حتى مشكلات العلاقة الخاصة كلها أسباب قديمة كانت موجودة من قبل ولم تكن معدلات الطلاق تتفجر بهذا الشكل الكارثي فما هو المتغير الذي حدث في واقعنا وأدى لهذه التحولات؟

يشير بعض المختصين لوسائل التواصل الاجتماعي وما سبّبته من حالة سيولة في العلاقات، ويشير البعض الآخر للمواقع الإباحية وكليبات الأغاني التي تشيع الفاحشة، وهي أسباب وجيهة لرفع معدلات الطلاق بالفعل.

لكن هذا الحجم الضخم من حالات الطلاق يشير إلى أن هناك متغيرا أكثر عمقا حدث في العقل الجمعي وأن هناك نمطا معينا من الثقافة الجديدة بدأ بعملية إزاحة للثقافة القديمة، وفي اعتقادي أن هذا المتغير هو ثقافة المساواة المطلقة التي بشرت بها "السيداو" وعملت عليها مؤتمرات المرأة الأممية بدأب شديد، وتم تحويلها لبرامج محددة لها مدى زمني معين وبخطط مرنة تختلف حسب التركيبة السكانية والشريحة العمرية المستهدفة، وتم متابعة النتائج بشكل دوري حتى بدأت ثمار هذه الأفكار تؤتي أكلها بتفكيك الأسرة النمطية كما يطلقون عليها، وما النماذج التي استشهدتُ بها إلا ثمرات لهذه الأفكار.

 ويكفي في هذا الصدد أن نتمعن فيما تطرحه المادة 16 من اتفاقية "إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة" الفقرة الأولى حيث تنص على أن (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة:

(أ) نفس الحق في عقد الزواج.

(ب) نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.

(ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه.

(ح) نفس الحقوق والمسؤوليات بوصفهما أبوين، بغضّ النظر عن حالتهما الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالهما وفي جميع الأحوال، يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

(هـ) نفس الحقوق في أن تقرر، بحرية وبإدراك للنتائج، عدد أطفالها والفاصل بين الطفل والذي يليه، وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.

(د) نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنّيهم، أو ما شابه ذلك من الأعراف، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

(ز) نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة ونوع العمل.

(ح) نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتع بها والتصرف فيها، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض).

الفقرة ج في هذه المادة تتحدث عن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات أثناء الزواج ولا حديث هنا بالطبع عن التكامل، هذه المساواة التي تم تسويقها في المسلسلات والبرامج الحوارية ومحاضرات المدارس والجامعات والكتب المدرسية مستثمرة المظالم التي قد تتعرض لها المرأة أثناء زواجها أتت أكلها، قد لا تدرك السيدة التي تصرخ عند كل خلاف إنها "صاحبة مرتب" أنها منسحقة أمام مخطط شيطاني يبدو في ظاهره منقذا ومخلصا بينما في باطنه مدمرا ومفككا، هذه السيدة قد لا تكون سمعت أبدا عن "سيداو" ولا عن مؤتمرات بكّين، لكنها وعلى الرغم من ذلك تنفذ بحرفية شديدة ما جاء في هذه المقررات.

عن هذه التغيرات الاجتماعية يقول الدكتور أحمد المجدوب: (كما أن التغيرات الاجتماعية تمثلت في زيادة فرص عمل المرأة، وظهور دعاوى المساواة الكاملة والمطلقة بين الرجل والمرأة، وما فيها من تطرف فهو يناصب مبدأ القوامة للرجل العداء، وظهرت المطالبة بما يسمى حقوق المرأة، مما جعل العلاقة المستقرة في الغالب تعاني من الاضطراب والخلل، وهذه التغيرات لم يصاحبها توعية كافية للفتيات بالكيفية المرادة للحصول على حقوقها، ولم يتم توعيتها من أجل الإبقاء على الأسرة والزواج مع أخذ حقوقها بحيث لا تشذ عن الأوضاع الفطرية والطبيعية، فالدعاوى البراقة كثيراً ما تخدع المرأة ويجعلها تتنازل في مقابل حقوقها المزعومة عن أسرتها واستقرارها، فحدث تغير أدوار داخل الأسرة، فحتى الثلاثين عاماً الماضية كان الزوج يقود الأسرة بسلام وهدوء بدون دعاوى وشعارات، لكن مع مساهمة المرأة في الإنفاق على الأسرة جعلها تطالب بالمساواة، وقد تصدر القرارات الأسرية من منطلق أنها تساهم مثله في نفقات المنزل لأن المرأة في هذه الحالة كما يقولون بالبلدي "تستقوي" على زوجها وتطالب بالطلاق عند أي خلاف).

هذه النديّة المقيتة تمرر للعقل الباطن للفتاة منذ سن صغيرة منذ أن يقال لها إن شهادتك سلاحك، والحقيقة أن التعليم سلاح حقيقي ضد الجهل، لكن العبارة تقال في سياق تحذير الفتاة من غدر الزوج الذي تؤمنه بالحصول على الشهادة ثم الحصول على العمل ومن ثم تتقي شره فإن أحسن في علاقته بها فالأمور طيبة وإن كان هناك إساءة أو شبهة إساءة فلا صبر ولا مجاهدة ولا أي شيء من الثقافة القديمة، ثقافة المثل الشهير: (المرأة اللي صبرت دارها عمرت)، بل ذهاب للطلاق، فإن لم يكن فالخلع فهي لم تعد بحاجه لمهره وصداقه!

وبالتالي فلا نندهش مما أعلنته وكشفت عنه الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية عن إحصائية حول المسح القومي للربع الثالث لعام 2016 حيث ظهر فيها ارتفاع عدد المطلقات العاملات في المملكة إلى قرابة 73 ألف مطلقة في حين بلغ عدد النساء المطلقات غير العاملات لقرابة 15 ألف مطلقة، أي أن نسبة طلاق المرأة العاملة خمسة أضعاف المرأة التي لا تعمل، قد يكون السبب في ذلك أن المرأة غير العاملة بحاجة لمن ينفق عليها فتبقى مرغمة على حياة لا تريدها، لكن المؤكد أيضا أن الكثيرات يمارسن الاستقواء بالراتب والعمل ويطالبن بالندية والمساواة الكاملة، وربما تلجأ بعض النساء للطلاق بسبب الضغوط الهائلة التي تتعرض لها في محاولة التوفيق بين العائلة والعمل.

أرقام مرعبة  

إذا أردنا أن نعرف الحجم الحقيقي لعملية التفكيك والهدم التي تتعرض لها بُنية المجتمع فإن حاجتنا للغة الأرقام تكون بالغة الأهمية، وهذه نظرة سريعة ولكنها مفزعة مرعبة تبين بعضا من جوانب الكارثة التي ينزلق إليها المجتمع:

- وفقاً لإحصائيات وزارة العدل في المملكة العربية السعودية لعام 2015 فهناك 7.8 حالات طلاق تحدث في السعودية كل ساعة، أي نحو 188 حالة يومياً.

- أما تونس فتسجل 1000 حالة طلاق شهرياً، وفقاً لمركز الإحصاء الوطني التونسي، أي نحو 4 حالات كل 3 ساعات، وهو رقم ضخم لمجتمع يبلغ عدد سكانه نحو 11 مليون نسمة.

- وفي العراق ارتفعت حالات الطلاق  بنسبة 70% في السنوات العشر الأخيرة، وأصبحت تسجل حالات الطلاق أكثر من 60 ألف حالة سنوياً.

- أما الجزائر فقد وصلت عدد حالات الطلاق فيها إلى 60 ألف حالة سنوياً، أي حالة كل 10 دقائق.

- أما مصر فالوضع فيها كارثي بمعنى الكلمة حيث سجلت الإحصاءات الدولية بالأمم المتحدة أخيرا ارتفاع نسبة الطلاق فى مصر حتى أصبحت الأولى عالميا.

وتشير آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن هناك حالة طلاق كل 6 دقائق، بمعدل 40%، وهذا يعني أن مصر أصبحت الأولى في العالم العربي في عدد حالات الطلاق، إذ ارتفعت نسبة الطلاق من 7% لتصل إلى 40% خلال الخمسين عاماً الأخيرة فقط.

ووفقاً لجهاز التعبئة والإحصاء، سجلت مصر حالة طلاق كل 6 دقائق خلال عام 2013، أي 240 حالة طلاق يومياً.

كما بلغ إجمالي عدد حالات الخلع والطلاق عام 2015 ربع مليون حالة، بزيادة 89 ألف حالة عن عام 2014.

الخلع والمساواة

إذا كان الخلع حقا للمرأة أقرّته الشريعة الإسلامية لمن تريد أن تفارق زوجها لبغضها إياه وعدم قدرتها على معاشرته بالضوابط الفقهية المعروفة فإنه من الملاحظ أن النساء توسعن فيه كثيرا جدا حتى أن الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية صرح بأن قانون الخلع الصادر عام 2002 من ضمن أسباب زيادة نسب الطلاق.

فما الذي دفع النساء للتساهل كثيرا في طلب الخلع؟ هناك بلا شك أسباب موضوعية وراء الكثير من حالات الخلع لا أستطيع أن أنكرها كسوء خلق الزوج الذي لا يُحتمل، وبطء إجراءات التقاضي في حال طلب الزوجة التطليق، فلا يكون أمامها من حل إلا اللجوء للخلع، لكن قلة صبر بعض الزوجات وعدم منح أنفسهن فرصة ثانية لمحاولة الحوار والإصلاح هي ظاهرة تحتاج للتأمل ووضعها تحت دائرة الضوء.

الاستقلالية الشديدة والنديّة المبالغ فيها والتحسس الشديد لكل كلمة من الزوج أو أهله، بل لا أبالغ إن قلت التوجس وسوء الظن واستسهال إنهاء وقضم رابطة الزوجية، كل هذا أحد الثمار المرة لفلسفة المساواة البائسة التي صورت للمرأة أنها وفي حياتها الزوجية تدخل لمعركة قد تفقد فيها هويتها واستقلالها، لذا فعليها أن تدخل مسلحة وأهم أسلحتها هو عملها المأجور الذي يحفظ لها كرامتها التي ينبغي أن تكون بالغة التوجس وهي تحميها فلا تقبل ولا تمرر أي كلمة أو أي موقف لا تحقق فيه مساواتها الكاملة.

 بل وأعرف من النساء من تتجاوز فكرة المساواة لفكرة السيطرة والاستحواذ على الزوج وهي ترى أن هذا حقها، وتصبح علاقة زوجها بأهله مثلا ضمن دائرة ملكيتها الخاصة أو حقوقها التي تتوهمها وبالتالي تتوتر العلاقة الزوجية كثيرا، ومع أول هفوة أو خطأ أو ما تتصور هي أنه كذلك لا تجد صعوبة كبيرة في اللجوء للخلع كأسرع وأسهل طريقة لفصم عرى الحياة الزوجية دون أي شعور بالألم أو الندم والبعض منهن يقمن بعمل احتفال كلون من التقليد الجديد الذي قد ينتشر في المستقبل القريب، ربما يكون السبب في هذه التقليعة هو التأكيد للنفس وللآخرين أنه ليس هناك ما نتألم من أجله بل العكس نحن سعيدات ونحتفل أيضا!

إن أفكار المساواة المطلقة التي قتلت الكثير من المشاعر الناعمة الرقيقة التي كانت تعيش في قلب المرأة مرشحة كي تتحول لأفكار الانحياز الكامل للأنثى ومن ثم لمزيد من الانهيار الاجتماعي والتفكك الأسري كما لو كنا نسير على نفس الطريق التعيس الذي مشته أوربا من قبلنا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق