إعلان السودان محاربة التشيع في أفريقيا.. الخلفيات والأبعاد
الثلاثاء 28 فبراير 2017

 

 د. محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

جاء إعلان رئيس جمهورية السودان المشير عمر حسن أحمد البشير في حواره أخيرا مع قناة الإخبارية السعودية عن مخطط تقوده إيران في القارة الإفريقية لنشر التشيع عبر التعليم وسفر البعثات التعليمية إلى طهران وطرق أخرى مختلفة لينقل الاتهامات الشعبية لإيران بنشر التشيع والطائفية لتصبح اتهامات رسمية تصدر عن رئيس دولة كانت إلى وقت قريب تعتبر دولة صديقة لإيران، حيث كشف البشير في حواره أن الجهات المختصة في السودان أعدت دراسات حول مخططات النظام الإيراني لنشر الفكر الشيعي في قارة أفريقيا وتقييم الأخطار الناجمة عنها، خاصة وأنها أسهمت في حدوث خلل اجتماعي في دول مثل نيجيريا، إلى جانب العنف الطائفي.

وقد قام السودان بالفعل بإغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية بالخرطوم وملحقاتها من مراكز ثقافية ومراكز لتعليم اللغة الفارسية في بعض مدن السودان الأخرى، وأتبع ذلك بإغلاق السفارة الإيرانية بضاحية المقرن في الخرطوم، ولكن يبدو أن ملف الأنشطة الإيرانية المشبوهة، خاصة في نشر الفكر الرافضي، لم تنتهِ بعد، حيث برز إلى السطح من جديد الحديث على لسان الرئيس البشير، مصحوبا بدراسات علمية ميدانية حددت مكامن الخطر ومواطن الضعف التي يلج منها المد الإيراني لإفريقيا عموما، والسودان خصوصا.

خلفيات تاريخية وواقعية:

تاريخيا كان افتتاح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في عام 1988م في عهد رئيس الوزراء السوداني السابق الصادق المهدي، وخلال عهد الإنقاذ تمددت المراكز والمؤسسات الايرانية في البلاد ليصل عددها إلى 26 مركزاً بالعاصمة والولايات حتى لحظة إغلاقها من قبل الحكومة السودانية، بسبب ما أسمته تجاوز التفويض الممنوح لها والأعراف الدبلوماسية.

 ولكن بعيداً عن العرف الدبلوماسي ومدى خرقه فإن المسؤولين الإيرانيين استغلوا التعاون من الأوساط السودانية وتواصلوا مباشرة مع قيادات وزعامات بعض الطرق الصوفية السودانية تحت مظلة محبة آل البيت، كما أن المستشار الثقافي كانت له علاقات وثيقة مع حزبي الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، والوسط الإسلامي بقيادة يوسف الكودة، تحت زعم أنه يعمل من أجل الوسطية، ووصل به الأمر بأن يحاضر في إحدى كليات جامعة النيلين، وتقام الأسابيع الثقافية الإيرانية في الجامعات مصحوبة بمعارض الكتاب والتراث الإيراني.

كما استغلت إيران تحسن علاقتها بالسودان في مجال التعاون العسكري لبسط نشاطها المذهبي الهدّام، كما وضح ذلك الرئيس البشير في حوار له مع قناة العربية أن السودان كان له تعاون في مجال الصناعات العسكرية والحربية مع إيران، خاصة في الصناعات التي يصعب على السودان الحصول عليها من جهات أخرى بسبب الحصار الذى كان مفروضا على السودان.

 وقد أشار تقرير مهم صدر نهاية عام 2012 عن منظمة "بحث تسليح الصراع" البريطانية إلى توزيع الأسلحة الإيرانية في أفريقيا. وتشمل هذه الأسلحة راجمات الصواريخ وقذائف الهاون والألغام الأرضية، وهي أسلحة أنتجت منذ عام 2002، ومثل السودان أبرز الأمثلة الأفريقية على عمق التعاون العسكري بينها وبين إيران حيث يشمل هذا التعاون تصدير أنواع من الأسلحة والذخائر والمعدات الإيرانية للسودان، وذلك قبل تدهور العلاقات بين البلدين وانضمام السودان لتحالف عاصفة الحزم.

ويرى مراقبون أن إغلاق بوابة السودان أمام المد الرافضي جنّب البلاد ويلات مستقبلية كانت ستحدث له أسوة بالبلدان التي دخلها الرافضة، مثل اليمن ولبنان وسوريا إلى جانب العراق والبحرين، حيث ارتبط وجودهم بالأنشطة الدموية العنيفة، كما أنه حصّن الشعب من مذهب منحرف به من السلوكيات ما لا يقبله الشارع السوداني، مثل زواج المتعة وضرب الأجسام بالجنازير وغيرها، وفوق ذلك أصبح حائط صد لغرب أفريقيا وشرقها وجنوبها، مما يقلل حجم التشيع في تلك المناطق رغماً عن أنه دخلها تحت لافتات إنسانية وصناعية وتعاونية.

وهناك عدد من المكاسب جناها السودان من طرده للإيرانيين، حيث حدث تقارب مع القوى الإقليمية في المنطقة مثل السعودية وبقية دول الخليج العربي، والذي انعكس إيجابا في علاقات السودان مع المجتمع الدولي، خاصة أمريكا صاحبة قرار رفع العقوبات الاقتصادية، لتأتي بذلك خطوة انضمام السودان لتحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، معززة لثقة العرب، والخليجيين خاصة، في السودانيين، ثقة انعكست تطوراً في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية بين تلك الدول والسودان.

رؤية البشير للخطر الإيراني في إفريقيا:

وفيما يخص أمن المنطقة والفتنة الطائفية التي تشعل إيران فتيلَها وتسعى لتوسيع اللهب لأفريقيا، نوّه الرئيس عمر البشير في حواره مع قناة الإخبارية بخطورة مشروع التشيّع الإيراني واستهداف طهران لأهل السنة في سوريا وفي العراق ولبنان واليمن، تمهيدا لدولتها الصفوية الممتدة إلى أدغال أفريقيا، وقال إن المسلمين في أفريقيا رغم أنهم أكثرية في عدد كبير من دولها، إلا أنهم ظلوا مستضعفين رغم كثرتهم، ويعانون من الجهل والتهميش لأن الاستعمار الغربي جعل التعليم داخل الكنائس، ونتج عن ذلك إحجام المسلمين عن إدخال أولادهم للكنائس خوفا من التنصير، كما أشار لتنصير عدد من القيادات السياسية في إفريقيا مثل الرئيس السنغالي الأسبق ليبولد سنغور، والرئيس الغيني السابق جون عبد الرحمن".

وحول مداخل إيران لإفريقيا قال البشير: وقد دخلت إيران من نفس الباب الذي دخل منه الاستعمار إلى أفريقيا، وهو باب التعليم، حيث بدأت في توفير المنح والفرص لتعليم أبناء السودان وأفريقيا ومن ثم تحويلهم إلى شيعة اثني عشرية.

وقال البشير إن السودان استشعر هذا الخطر الإيراني الكبير على القارة وأبنائها، فقام بالتعاون مع الأشقاء بالسعي لضرورة مواجهة هذا المشروع الطائفي، فأنشأ السودان جامعة إسلامية هي "جامعة أفريقيا العالمية" والتي تستقبل سنويا 3 – 4 آلاف طالب من داخل أفريقيا، بجانب طلاب من أكثر من 70 بلدا حول العالم.

وكشف البشير أن السودان لديه دراسة كاملة لمخطط إيران ونشاطها المذهبي لتشييع المسلمين في إفريقيا، ووصف هذا النشاط بأنه خطير بكل المقاييس، وهدفه إضعاف المسلمين، مؤكداً حصوله على معلومات بتشييع حوالي 5 ملايين مسلم في نيجيريا، وهي أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، ووصف ذلك بأنه رقم كبير، ومؤشر خطير جداً، خصوصاً أن هذا النشاط الإيراني أحدث خللاً اجتماعياً في نيجيريا، وأسهم في تفشي العنف الطائفي الذي تغذيه طهران، علما بأنه لم يكن هناك حضور للشيعة في إفريقيا سابقاً، وقال البشير إن هذا النشاط الإيراني الهدام يوجب علينا مضاعفة الجهود لتحصين المسلمين من خطر التشيع والمد الإيراني في المنطقة.

وقال البشير في الحوار المذكور إن السودان يتحمل اليوم عبء التصدي لمشروع تشييع القارة الإفريقية من خلال فتح أبواب الجامعات السودانية لأبناء القارة، إلى جانب إسهامه في البعثات التعليمية في الدول الإفريقية، لتقويض مخطط إيران لنشر التشيع في القارة الإفريقية عبر مجال التعليم، وسفر البعثات التعليمية والإعلامية إلى طهران.

وقال البشير إن السودان لم ولن يندم على مقاطعته إيران ولا يأبه بتقنيتها الحربية التي كانت هي فقط الفاعل المستتر في جملة العلاقات السابقة بين البلدين، والتي وضع حدّا لها، وأضاف: "قناعتنا راسخة بأن هناك حلف ثلاثي (صهيوني صليبي فارسي)، وهو الذي يدير كل العمليات في المنطقة العربية، وما يحدث في سوريا وفي اليمن واضح جدا، وما يحدث كذلك في العراق واضح جدا، وحتى في لبنان وبكل أسف حتى داخل ليبيا كل هذه القضايا واضحة جدا، إنها تدمير للمنطقة العربية، وإبادة للمسلمين السنة، حيث إن أهل السنة في العراق والمدن السنية في العراق يتعرضون إلى استهداف وجرائم كبيرة جدا، نعم وجود «داعش» كان عنصرا مغذيا للتبرير لاستهداف المدن السنية في العراق، والمحاولة المستمرة لإيقاف الدعم من أجل الإجراءات الإنسانية وإيصال الإغاثة في بعض المناطق في سوريا عامة وفي حلب تحديدا، كنموذج، لذلك في ذهننا مخطط لتقسيم المنطقة ما بين إسرائيل، وللأخيرة مشروع «إسرائيل الكبرى» ممتد من الفرات إلى النيل، وأيضا هناك مشروع «الدولة الصفوية» التي تحاول ألا تكتفي بخريطة فارس القديمة بل تحاول التمدد حتى في المناطق العربية داخل الجزيرة العربية، وفي الهلال الخصيب في سوريا ولبنان وفي جنوب الجزيرة في اليمن، طبعا نحن متابعون الاختراق الكبير في أفريقيا وفي عملية تشيّع تقوم بها إيران بصورة كبيرة جدا، حيث أنشئت الآن الكثير من الجامعات، وهناك الكثير من الفرص التي تكون في شكل منح دراسية للدراسات العليا، لأبناء المسلمين في أفريقيا، علما بأن غالبية المسلمين في أفريقيا، في الدول الأفريقية التي كانت ترزح تحت نيران الاستعمار كانوا محرومين من التعليم لأن التعليم كان في الكنائس، حيث أتيحت فرص التعليم لأبناء غير المسلمين، أو حتى أبناء المسلمين الذين دخلوا تلك المدارس حيث تعرضوا لعمليات تنصير، رغم أن أفريقيا كانت قارة مسلمة قبل دخول الاستعمار، ولكن الاستعمار اخترقها بالكنائس، وبقي التعليم وسط المسلمين ضعيفا، ولذلك نقول إيران استغلت هذا الضعف وبدأت تعطي منحا دراسية لعدد كبير جدا من الطلاب في أفريقيا وعبر ذلك يتم تشييعهم، وإرسالهم ليصبحوا هم بدورهم عناصر لنشر المذهب الإثني عشري الرافضي، بل بدأت تطلق مدارس وجامعات داخل أفريقيا ولذلك فإن تقسيم مسلمي أفريقيا إلى سنة وشيعة رغم ضعف المسلمين في أفريقيا بسبب قلة التعليم، يشكل خطرا كبيرا جدا، وهي تعمل بشدة لمحاصرة كافة المنطقة العربية من كل الاتجاهات والهدف هو أنه عندما يضعف العالم العربي يفسح المجال بكل سهولة لإقامة كيان دولة إسرائيل الكبرى والدولة الصفوية التي يخطط لها من جديد".

وحول الأثر السلبي أو الضرر الذي وقع على السودان جرّاء القطيعة بين الخرطوم وطهران سياسيا واقتصاديا، قال البشير: "العلاقة مع إيران كانت في بعدها السياسي إلى حد ما يبرز في المحافل الدولية، ولكن في المجال الاقتصادي لم يكن هناك تعاون يذكر بين البلدين، لأننا دائما كنا نصطدم في أي محاولة لتطوير علاقاتنا الاقتصادية مع إيران بموضوع الديون، حيث كانت لإيران ديون محدودة على السودان منذ أيام شاه إيران، في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، ولكن الفوائد الربوية على هذه الديون أدّت إلى تضخمها، وكنا دائما نصطدم بصعوبة كبيرة وتعنت وقسوة في إجراء أي تطور في علاقات اقتصادية أو تجارية، ما لم تحلّ قضية الديون، وفي فترة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، حاول أن يتجاوز هذه المرحلة ولكنه اصطدم هو الآخر بنفوذ سلطات البنك المركزي وتبادل مواقف، فكانت هي العقبة الأساسية".

وقال البشير: "كان هناك تعاون في مجال التصنيع الحربي ... محدود جدا، وكان الدفع هنا بمقابل، ولكن بالنسبة لنا كنا نجد فيها بعض التقنيات التي حرمنا من التزوّد بها من عدد كبير من بلاد العالم المتقدمة بسبب العقوبات التي فرضت على السودان، فكانت ملاذا اضطراريا ملحّا، ولكن بالتأكيد ما فقدناه في قطيعة علاقتنا مع إيران، هو فقد التعاون في مجال التصنيع الحربي من بوابة الجزيئية التقنية المطلوبة، ولكن على الصعيد الاقتصادي ليس هناك علاقات أو تعاون يذكر في المجال الاقتصادي، وبالتالي ليس هناك ما خسرناه اقتصاديا، جراء هذه القطيعة".

أبعاد الدور السوداني في محاربة المخطط الإيراني في إفريقيا:

من الواضح أن قرار السودان بقطع علاقاته مع طهران وإغلاق سفارتها في الخرطوم جاء بعد تشاور ودراسات علمية حددت مكامن الخطر ومواطن الضعف التي يلج منها المد الإيراني لإفريقيا عموما، والسودان خصوصا، ومن ثم سعى السودان لحمل هذا العبء في التصدي للمد الرافضي في إفريقيا، عبر عدد من الطرق، منها: زيادة الفرص التعليمية للطلاب في القارة وقبولهم في جامعة أفريقيا العالمية في السودان، وهي جامعة عالمية كانت تسمى في السابق المركز الإسلامي الإفريقي، كما قاد السودان نشاطا فكريا ودعويا عبر مجمع الفقه الإسلامي، وبعض الجامعات جعل الكثيرين يتراجعون عن اعتناق الفكر الرافضي، ثم أتت الخطوة الكبرى من المجلس الوطني (البرلمان السوداني) الذي شرع قانوناً يجرّم من يسب الصحابة، وصحب ذلك تنقيح لبعض مقررات المدارس التي أدخلت فيها بعض صور الفكر الشيعي.

كذلك تحرك السودان بجدية ضد أنشطة إيران لنشر التشيع وبسط وجودها العسكري والاقتصادي الآخذة في التزايد في إفريقيا، لتوسيع نفوذ إيران في المنطقة، وهو ما يتطلب مواجهة الأمر بجهد جماعي مدروس ومؤسس لمعالجة الداء قبل استفحاله، في ظل الأحداث المتوالية والسريعة والمؤثرة على الأمن والسلام في إفريقيا، والتي تستوجب إيجاد إستراتيجية إسلامية عربية موحدة مستقبلية تتعامل بجدية مع كل الأخطار المطروحة، وعلى رأسها الخطر الإيراني.

وقد وصلت مخاوف المد الإيراني في إفريقيا إلى مستوى التهديد، فقد استطاعت إيران أن تخدم تطلعاتها للوجود الكبير في إفريقيا لتمكين الحوثيين على الضفة المقابلة للبحر الأحمر من إفريقيا، حتى تحول اليمن إلى إقليم تابع لها، ولكن جاءت "عاصفة الحزم" وأطاحت بكل الحسابات التي كانت حتى وقت قصير في حكم المؤكدة.

وبعد إغلاق باب السودان في وجه إيران كقاعدة تنطلق منها نحو إفريقيا، سعت إيران لطرق أبواب أخرى لتكون سندها الداعم في إفريقيا، وتساعدها في تحقيق حلمها الذي لا تستطيع تحقيقه من السودان، وصولا للتحكم في الممرات المائية العربية من مضيق باب المندب وحتى قناة السويس، على طول البحر الأحمر، مع ضمان وجود إيراني في كل دول إفريقيا.

إن اعلان السودان محاربة التشيع في إفريقيا يحتاج بالضرورة القصوى وقوف الدول العربية والإسلامية مع السودان في استراتيجيته لمحاربة التشيع في إفريقيا لضمان عدم تمدد إيران في الفراغات التى أوجدها الغياب العربي، والسعي لتأهيل دعاة أفارقة متخصصين في تبيين عقائد الرافضة بأسلوب علمي وموضوعي وسطي باللغات المحلية المعروفة في إفريقيا، والاستفادة القصوى من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لتخصيص مساحات للدعاة والعلماء الأفارقة لمخاطبة المسلم الإفريقي داخل القارة باللغات المتاحة لبيان الخطر الإيراني وسبل مكافحته وتطويقه.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق