سقوط الجولان
الرائد خليل مصطفي
هذا الكتاب كلف صاحبه فقدان حريته عشرات السنين داخل زنزانات نظام حافظ وبشار الأسد..
لم يكن أحد يعلم عنه أمراً إن كان ما زال حياً أو مات كحال عشرات آلاف سجناء الرأي أو اختلاف الرأي من أبناء سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق وكل من دخل سجون عائلة الأسد الأب والابن والشقيق والصهر.. تحت التعذيب.. أو القهر أو المرض أو الكبر..
ضابط استخبارات الجولان السوري المحتل منذ عام 1967 خليل مصطفى، وضع كتاب ((سقوط الجولان)) كاشفاً عبر يوميات موثقة أضاف إليها الكثير من آرائه بحرقة وطنية عالية الصوت والأنين والحسرة.. كيف سلم نظام البعث هذه البقعة الغالية من أرض الوطن للعدو الصهيوني خلال عدوان 1967، من أجل حماية النظام.. وهو المفرد السياسي الذي ما زال طاغياً في سلوك هذا النظام منذ أن كان وزير دفاعه الآمر الناهي فيه حافظ الأسد إلى أن أورثه لابنه بشار عام 2000.. النظام أهم من الوطن.. ومن أجل بقاء النظام فليذهب الوطن وأي بقعة فيه إلى الجحيم، وهل هناك جحيم أفظع من الاحتلال، خاصة إذا كان صهيونياً؟
كشف خليل مصطفى حقيقة تسليم حافظ الأسد الجولان لإسرائيل ساحباً كوزير للدفاع قطاعاته العسكرية من أرض المعركة، معلناً سقوط القنيطرة قبل سقوطها فعلاً لإبعاد الجيش من أرض المعركة خوفاً من سقوط النظام، فيسقط الجولان بأكمله.. وما همّ.. المهم أن يبقى النظام.
يعتقل حافظ الأسد الضابط الوطني خليل مصطفى ويختفي هذا الضابط في غياهب سجونه لا يعلم أحد مصيره حتى عام 2005.
في هذا العام خرج مواطن لبناني من سجون سوريا حيث اعتقله نظام الأسد ضمن آلاف اللبنانيين والعرب الآخرين ظلماً وعدواناً.. استضافته قناة ((الجديد)) (N.T.V) اللبنانية شارحاً لها معاناته في سجون الأسد الأب والابن.. وتحدث عن رفاقه في أحد السجون فيكشف اسم الضابط خليل مصطفى.. صاحب كتاب ((سقوط الجولان)) الذي كان مضى على اعتقاله أكثر من 30 سنة اعتقد أهله وأصحابه وزملاؤه في الجيش انه قتل بسبب معلوماته الموثقة في هذا الكتاب.
خليل مصطفى ما زال حياً في سجون بشار الأسد فهو لم يخضع لأية محاكمة.. مثله مثل آلاف السوريين والعرب الآخرين.. وبعضهم يصادفه الحظ السعيد إذا عرف أهله انه معتقل بعد عشر أو عشرين سنة، وبعضهم من أصحاب الحظوظ السوداء يتسلم أهله جثته بعد سنين من البُعد والاختفاء، فيموت مريضاً أو تحت التعذيب أو الخرف المبكر..
خليل مصطفى ما زال حياً. كانت هذه بشرى سعيدة لأهله وزملائه.. أما الأهم فإن كتاب ((سقوط الجولان)).. ما زال شاهداً على سلوك نظام استبقاه العدو حياً ليمارس مهمته التي أوجد من أجلها وهي حماية إسرائيل من جبهة الجولان.. سلمها إياها عام 1967، وعقد صفقة معها عام 1974 يتم بموجبها إبقاء الجولان تحت إمرة إسرائيل مقابل السماح له بالانقضاض على لبنان وفلسطين.
ومن ما زال في صدره شك في هذا الدور نقدم له هذا الكتاب ليقرأه على حلقات.. وهذه هي الحلقة الأولى:
سير الحوادث
إن الذي حصل.. يكاد يكون كالخيال.. فالذين يتصورون أن قتالاً ناجحاً قد نفذ. وأن معركة نموذجية قد أديرت.. فالحقائق التالية ستخيب ظنونهم.. وتريهم أن مجال دراساتهم التاريخية العسكرية، ليس هنا.. فلم يدر قتال صحيح على أي مستوى كان.
ولكن الذي حصل.. هو مجال جيد لدارسي تاريخ المؤامرات والباحثين عن أسباب انهزام الأمم وانهيارها، ويشكل معيناً قد لا ينضب، لكاتبي قصص التجسس، والمولعين بالكشف عن خفايا أعمال الخيانة الكبرى في تاريخ الشعوب.
وما لنا وللتعليق الطويل – ها هي الأحداث كما حصلت:
(أ) منذ الساعات الأولى لبدء إسرائيل القتال.. أخذت القوات السورية وضع الترقب دونما تحريك لساكن على الجبهة.. بل اكتفت بالبلاغات ( كاذبها أو صادقها.. الله يعلم) ودامت الحال هكذا طيلة يوم 5 حزيران 1967.
(ب) ومنذ صباح 6 حزيران قامت المدفعية السورية بقصف مركز منبك استمر أيام 6 و7 و8 حزيران، وأنـزلت خلال هذا القصف آلاف الأطنان من القذائف من كل عيار وكل نوع.. حتى بدا للناظرين أن شريط المستعمرات المقابل للجبهة السورية قد غطيت أرضه بالقنابل.. لكل ذراع قنبلة، وقد شوهدت الحرائق تتصاعد مدة خمسة أيام.
(ج) تم حشد ألوية الاحتياط للقيام بالهجوم من قطاع – بانياس – البطيحة – وذلك على الشكل التالي:
1- اللواء 123 احتياط، أعطي أوامر الهجوم، وحددت له منطقة تجمع في منطقة عين الحمراء، وعينت له قاعدة الانطلاق، على الخط: (جليبينة – الدريجات الجمرك – اشرف حمدي) وبذلك بلغ عرض جبهة هجوم هذا اللواء 5 – 6 كيلومترات.
2- اللواء 80 احتياط، تم حشده في منطقة تجمع في (وادي حواء قرب الفاخورة – السنابر)، وحددت له قاعدة الانطلاق على الخط: (علمين – تل المشنوق – مخافر المخيمات حتى الدكة – تل الاعور) وبذلك بلغ عرض جبهة هجوم اللواء (9 – 10 كم)، أي أن هذا اللواء كلف الهجوم على جبهة واسعة، وبذلك يكون قد حدد في أوامر الهجوم هذه أن قطاع الخرق الرئيسي هو قطاع (جليبينة – اشرف حمدي)، ويقابله في الأرض المحتلة قطاع بستان الخوري – طوبا، وان محور الهجوم الرئيسي هو محور: قنيطرة، عليقة، جسر بنات يعقوب، روشبينا – صفد.
3- هذان اللواءان يشكلان النسق الأول لمجموعة ألوية، يفترض فيها أن تضم لواء ثالثاً من المشاة مع لواء مدرع، ولواء مدفعية وكتيبة هندسة، وكتيبة إشارة وأكثر من كتيبة مدفعية م – ط وكــتيبة مدفعية م – د مع باقي الوحدات المساعدة كسرايا الكيمياء وسرايا الشرطة العسكرية، وكتائب النقل والشؤون الإدارية.. الخ.
هذه الوحدات والقطاعات الأخرى، لم يعرف حتى الآن أن كانت قد حشدت ضمن نطاق مجموعة الألوية – المفترضة هذه – أم لا.. وان كل ما استطعنا الوقوف عليه، هو حشد لواءي المشاة الاحتياط المذكورين في المناطق التي ذكرت وأعطيت واجب اليوم، احتلال مدينة صفد.
(د) قامت وحدات الهندسة ليل 5 – 6 حزيران بتركيب الجسور العسكرية فوق نهر الأردن وعلى المخاضات بالذات، وكان عملاً – من الناحية الفنية البحتة – ممتازاً، وقد كانت ابرز المخاضات التي ركبت الجسور عليها: (مخاضة قصر عطرة، مخاضة الغوراني، مخاضة السمردل، مخاضة الدكة، مخاضة الشمالنة.. الخ).
(هـ) تم احتلال كتائب الهجوم لقاعدة الانطلاق، في الساعة السادسة من صباح الثلاثاء 6 حزيران، ما أدى إلى أن يقوم الطيران المعادي بالقصف المنهك على هذه القوات – وهي في العراء – مدة أربع عشرة ساعة، فكان من نتائج ذلك القصف فشل الهجوم على صفد قبل بدئه، وتحولت مهمة هذه القوات إلى الدفاع، بعد إلغاء خطة الهجوم الكاذبة.
(و) صباح الثلاثاء 6 حزيران، نفذت مجموعة – تركيبة (تشمل سريـتي حرس وطني وسرية دبابات، كـ(فصيلة) التصوير للتلفزيون، هجوماً تمثيلياً، انطلق من (هضبة المغاوير – تل العزيزيات)، واستهدف مستعمرة شرياشوف، وحين وصلت هذه المجموعة – التركيبة – إلى الهدف السخيف، وجدته قاعاً صفصفاً، وقد أخلي من السكان، وأحرق تماماً بسبب القصف المدفعي الهائل – مع باقي المستعمرات.
(ز) بغية - تسهيل مهمة ألوية (الهجوم) أعطيت الأوامر للقوات المتمركزة سابقاً في المواقع التي شملتها قاعدة الانطلاق، بالانسحاب على الشكل التالي:
1- القوات الموجودة في منطقة السنابر، والقادرية، أمرت بالانسحاب من الخط الموازي لجبهة المواجهة مع العدو إلى واسط.
2- القوات المتمركزة في جليبينة وتل 62، والبطيحة قوات حرس وطني (أمرت بالانسحاب من الخط العمودي على خط المواجهة مع العدو لتتجمع في نقاط تجمع خلفية بعيداً عن مجال تحرك الألوية المهاجمة.
هذان التحركان، اللذان نفذا أصلاً لتسهيل حركة ومهمة القوات المكلفة ((تنفيذ الهجوم)) شكلا اكبر عقبة في وجه هذه القوات، فاختلط الحابل بالنابل، وعجت الطرق بالآليات والقوات والأسلحة المقطورة، وكان ذلك كله هدفاً (لقطة)، للطيران الإسرائيلي، فأخذ يتسلى بضرب هذه القوات، بالرشاشات، والقنابل وصواريخ النابالم،.. وكانت كارثة حطمت ((الهجوم))، أفرغت المواقع الدفاعية من حماتها.. وتركت الأرض عراء أمام العدو.. تغطيها الجثث وهياكل الآليات، وحطام الأسلحة، بدلاً من أن تغطيها النيران، لتدفع عنها شره، وترده خائباً يجر الخزي والانكسار.
(ح) عملت المدفعية المضادة للطائرات – بعياراتها المختلفة – عملاً رائعاً، ونموذجياً، وساهمت إلى حد كبير في إسقاط أو إعطاب عدد من طائرات العدو، والتخفيف من وطأتها على القوات الصديقة.
(ط) الطيران السوري – لم يظهر في سماء المعركة أبداً، وكل ما قام به هو طلعات متفرقة نفذتها مجموعات تتألف كل منها من أربع إلى ست طائرات اتجهت نحو فلسطين المحتلة يوم 5 حزيران، وأذاعت إذاعة دمشق، أنها قامت بضرب أهداف في داخل الأرض المحتلة.
وبعد هذا.. وطيلة أيام الحرب المسرحية، اختفى اسم الطيران، ولم يظهر إلا بعد انتهاء الحرب.
(ي) الانسحاب – أو الهروب – الكبير:
منذ مساء الخميس 8 حزيران: بدأت الإشاعات تسري سريان النار في الهشيم، عن أوامر صدرت بالانسحاب.
وبدلاً من أن يملك القادة أمرهم، ويضبطوا أعصابهم، ويبقوا في أماكنهم ينفذون واجبهم – الذي على أمل أن يؤدوه احتمل الشعب إساءاتهم التي لا تحصى – بدأ قسم من الضباط – وحتى القادة -، الانسحاب، ولكي تشيع الجريمة، ساهموا بنشر تلك الإشاعات عن أوامر صدرت من القيادة العامة، تنص على الانسحاب – كيفياً.
ويا لهول ذاك الذي حدث..
1- فقائد الجيش.. (اللواء) احمد سويداني.. انهـزم عن طريق (نوى) إلى دمشق تاركاً وحدات الجبهة ووحدات احتياط الجيش دون قيادة واقعة في حيرة من أمرها، وقادتها لا يدرون ماذا يفعلون.
2- وقائد الجبهة.. العقيد (أ. ح) احمد المير .. غادر الجبهة فاراً على ظهر حمار لأنه لم يجرؤ على الفرار بواسطة آلية عسكرية، فالطيران المعادي كان يقضي على كل آلية يراها مهما صغر شأنها.. ولكن الحمار عجز عن متابعة رحلة الهروب فتخلى عنه احمد المير وأكمل الرحلة الى دمشق على قدميه فلم يصلها إلا وقد تورمت قدماه وخارت قواه، وألقى بنفسه بين يدي أول صاحب مروءة لينقذه من حاله التي هو عليها.. وكان في حالة الزراية يثير الضحك حقاً.
3- اتصل عدد من الضباط بقائد الجبهة قبل فراره فرفض التصرف، وقال لهم بالحرف الواحد: ((أنا لست قائد جبهة، اتصلوا بوزير الدفاع)) فأقيم الاتصال مع وزير الدفاع بواسطة الأجهزة اللاسلكية، وجرت الاتصالات بين ((قمر 1 وقمر 2)) (1) فأجاب وزير الدفاع: ((انه قد اخذ علماً بالوضع وأنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة))؟.
4- لجأ بعض الضباط من وحدات اللواء (80) احتياط إلى قيادة موقع القنيطرة بعد فقدانهم الاتصال بقائد اللواء وأي مسؤول في قيادة اللواء، فوجدوا المقدم (وجيه بدر) ماكثاً في القنيطرة يترقب الأخبار، ولما حاولوا أن يفهموا منه صورة حقيقية عن الوضع، تبين انه لا يفقه شيئاً، وحاول الجميع الاتصال بقيادة الجبهة، فوجدوها خلواً من أي مسؤول.. عندها دب الفزع في قلوب عدد كبير منهم، واتخذوا وجهتهم نحو دمشق، طالبين النجاة بأرواحهم، تاركين جنودهم كتلاً لحمية تتدافع على الطرقات، يدوس القوي منها على الضعيف، وأنين الجرحى والمشوهين، يملأ سهول القنيطرة، وترجع أصداءه سفوح التلال المتباعدة المتناثرة هنا وهناك، لا يشوه هذا الأصداء. إلا أزيز الطائرات المعادية.. وأصوات المكبرات المنبعثة من طائرات الهليكوبتر.. ينادي بواسطتها الإسرائيليون جنودنا الفارين.. ان ألقوا سلاحكم، تنجوا بأرواحكم.. فيستجيب الفارون للنداء ويتخلصون من هذا السلاح، الذي أصبح اليوم مبعث تهديد لهم بالموت.. بدل أن يكون مستقراً للطمأنينة. ومبعثاً للثقة بالنفس. وعاملاً مشجعاً على الوقوف برجولة في وجه العدو الغازي.
5- عند فقدان كل الاتصالات، وانفراط عقد السيطرة القيادية الذي كان ينظم الوحدات كلها. أخذ كل من القادة الصغار يتصرف حسب هواه. أو حسب بداهته.
فالكثيرون هربوا.. نعم هربوا.. وأعطوا الأوامر لجنودهم بالهروب.. والقلائل جداً – وهم من غير البعثيين – صمدوا.. وقاتلوا.. وظهرت بطولات فردية. سنتكلم عنها بعد قليل..
المهم.. ان الهرب من القتال، وتولية الدبر للعدو. قد بدأ منذ مساء الخميس 8 حزيران.. وبدأ يستشري ويتسع ويمتد حتى بلغ ذروة تفاقمه يوم السبت، 10 حزيران. بعد إذاعة البيان الفاجر، الذي أعلن سقوط القنيطرة.. ولم يكن جند العدو قد رأوها بأعينهم بعد – بل أن تكون أقدامهم وطئت أرضها.
ومنذ صباح الجمعة، وحتى صباح الأحد 11 حزيران شهدت أرض الجولان وما حولها من أراضٍ وطرقات مؤدية إلى دمشق أو إلى الأراضي اللبنانية أو إلى منطقة حوران، أو إلى منطقة اربد.. شهدت هذه المناطق، منظراً، لو أتيح لعدسة تصوير أو ريشة رسام أن تحيط به كله مرة واحدة، لكانت لقطة من أندر ما عرف في تاريخ التصوير أو الرسم، ولبقيت صورة حية ناطقة شاهدة على ما أصاب هذه الأمة من عار وخزي.. ولكانت أقوى حجة أمام محكمة التاريخ، تقودها إلى إدانة الحزب بالجريمة الكبرى، التي لم يعرف لها تاريخ المنطقة مثيلاً في العمق والدقة والإحكام.. والفجور.
هذه الصورة المحزنة.. التي أقل ما يمكن أن يقال عنها، إنها تقطع نياط القلوب، وتجرح كل كريم من هذه الأمة بجرح ينـز دماً وألماً وحسرة.. كيف يمكن للوصف أن يحيط بها، حتى يعطي للقارىء وللأجيال المقبلة.. فكرة واضحة عن الذي حدث.. وعن درجة الانهيار التي بلغتها هذه الأمة.. في أسوأ طور من أطوار تخلفها وانحطاطها؟
إننا لو حاولنا أن نتصور الطرق المعبدة (المفروشة بالإسفلت)، لرأيناها تغص بالحفر التي أحدثتها قنابل الطائرات المعادية.. وقد نقشت أمامها أو خلفها وعلى جوانبها، بقع صغيرة من البياض الموسخ أحدثتها رشات الرشاشات المنبعثة من طائرات العدو.. خلال انقضاضاتها المتتابعة المتكاثرة، على الأرتال والآليات الفرادى..
إن تلك الطرق.. قد أصبحت تشبه عقداً مشوهاً طويلاً متلوياً، تتابعت حباته بغير نظام، وهي آليات محروقة، أو حفر مسودة بتأثير النابالم أو عربات انقلبت خلال محاولتها الفرار من الطائرات المنقضة.. والجثث المحترقة قد تناثرت هنا وهناك.. والأسلحة تلمع في أشعة الشمس بعد أن أفلتت من أيدي حملتها وهم يهربون، أو بعد مقتلهم أو جرحهم.. والإطارات قد تناثرت، وترى هنا وهناك، بقعاً من الزيت.. مشعلاً أو مدخناً..
وأكواماً من الحديد.. هي كل ما تبقى من العربات بعد احتراقها.. وأبراجاً حديدية مزقتها القنابل، هي الدبابات والآليات المصفحة، بعد أن هجرها سدنتها للهروب، أو لتفادي الإصابات بنيران الطائرات..
هذه المناظر.. كنت تراها على الطرق المعبدة.. أو الممهدة.. أما الأراضي الأخرى خارج الطرقات.. في السهول والمنحنيات والأماكن التي ظن سالكوها أنها تغني عنهم شيئاً من غضب الطائرات المغيرة.. فلقد كانت الصورة فيها أوسع وأكثر شمولاً وأبلغ تعبيراً عن المأساة الفاجعة.
فلقد غصت الأرض بأسراب الجراد البشري الزاحف (عسكريين ومدنيين).. يتحركون جميعاً كل إلى مأمنه لا يلوون على شيء.. الضعيف يسقط وما من قوي يحمله أو يعينه على معاودة النهوض.. وستشهد الأرض أمام باريها.. عن هول ما قاسى الكثيرون من الناس (وخاصة المدنيين) من جوع وعطش، حتى اضطر الكثيرون – وخاصة الجنود – إلى الاقتيات بالأعشاب (أخضرها وجافها) أو السطو على ما يصادفون من مزروعات.. تفادياً للموت في تلك المخمصة.
والدواب.. حملت ما خف من المتاع، وفوق كل كومة من ذاك المتاع.. كنت ترى طفلاً أو أكثر، أو امرأة أو شيخاً.. وأفراد العائلة الآخرون يمشون متهالكين خلف الدواب.. والعيون قد تسمرت نحو هدف واحد. هو الوصول إلى دمشق أو إربد، أو إحدى القرى اللبنانية – أو درعا -.
إن الهول الذي صادفه ((المنسحبون)) الفارون، من كثرة الرؤى الفاجعة وأصوات الأنين والاستغاثة والتنادي وعويل الثكالى والفاقدات أهلهن أو بكاء الأطفال الذين شردوا.. وهاموا في الأرض لا أب يحنو، ولا أم تضم إلى صدرها ابنها ذا أو ذاك.. والموج البشري يتتابع وأرتال الجراد الزاحف تتلوى مع كل انحناءة أرض، أو نحو أي مصدر للطعام أو الماء.. لتعب منه ثم تغذ السير.. حتى تصل إلى حيث تعتقد أنها نجت من الخطر.
إن هذا الهول الذي صادفه المنسحبون ((الفارون)) قد أنساهم هول القصف الذي أنزلته على رؤوسهم طائرات العدو حين كانوا في مواقعهم.. وودوا لو يعودون إليها.. يحتمون بها ويردون عن الأرض أعداءها ولكن قد فات الأوان.. ولم يبق أمامهم إلا الإنسياح بين أمواج الفارين.. ((حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس(1))).
نعم.. هكذا كان الانسحاب الذي نصر على تسميته بالهروب الكبير – أما الانسحاب المنظم، ((تحرفاً للقتال.. أو تحيزاً إلى فئة)) وكما تعلمناه وعلمناه للكثيرين من جنودنا وضباط الصف.. الانسحاب الذي نفهمه وتعلمناه على أنه حالة من حالات القتال.. لها أسسها وأساليبها وطرق حمايتها بالنيران والمناورة..
الانسحاب الذي نعلمه قتالاً منظماً مدروساً متتابعاً يتم بضراوة وعنف يعرض لقوات العدو المتقدمة، ويحاول تأخيرها أو صدها عن متابعة التقدم. وينـزل بها الخسائر كلما سنحت الفرصة بذلك.. الانسحاب الذي نعلمه.. أسلوباً من أساليب المناورة والخداع.. بغاية استعادة القوى وإعادة تجميعها والقذف بها مجدداً في وجه العدو المهاجم..
الانسحاب الذي سبق أن مارسته جيوش محترمة ونفذه قادة هم عباقرة الحرب.. أمثال خالد بن الوليد في تاريخنا القديم.. وأمثال رومل في تاريخ العالم الحديث..
الانسحاب المشرف الشجاع.. الذي تمارسه القوات وهي في حالة معنوية ممتازة لا تقل عنها وهي مهاجمة أو مدافعة على خطوط الدفاع..
هذا الانسحاب.. لم تعرفه القوات السورية يوم عار حزيران.. ولم تشهده الأرض السورية يوم مسرحية العار.. بل كان الهروب الكبير والهزيمة الذليلة.. والفرار الجبان.. الذي دونه قرار الأرانب.. كنت ترى خلاله موجات متلاحقة من الجند والسكان.. تميل يمنة ويسرة.. من جوع ونصب ورعب.. حتى ليخيل إليك ان هؤلاء الناس ما هم إلا سكارى.. وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد..
6- ولقد كان القادة أول الفارين.. وأول من تبعهم وحدات الدبابات (وخاصة اللواء السبعين بقيادة العقيد عزت جديد) والكتائب التي يقودها كل من المقدم رئيف علواني والنقيب رفعت أسد(1) التي تركت ساحة القتال وعادت إلى دمشق (لتحمي الثورة) والضباط الحزبيون على اختلاف رتبهم.. (الذين تركوا قواتهم وفروا.. إلى القيادة لحضور اجتماع حزبي هام) ثم.. انفرطت المسبحة على الشكل الذي بيناه.
(ك) ثم.. صدر البلاغ الفاجر من إذاعة حزب البعث في دمشق.. (يوم السبت 10 حزيران الساعة التاسعة والنصف صباحاً) يعلن سقوط القنيطرة بيد قوات العدو. ويحمل توقيع وزير الدفاع – اللواء حافظ الأسد – ويحمل الرقم 66.. وكان هذا البيان هو طلقة الخلاص سددتها يد مجرم إلى رأس كل مقاومة استمرت في وجه العدو رغم كل تلك المخازي.. فانهارت القوى واستسلمت المقاومات الفردية المعزولة أو استشهد رجالنا.. وعلم الجميع ان لا أمل في متابعة القتال.. لأن القيادة البعثية قد أنهت كل شيء.. وسلمت للعدو الإسرائيلي.. مفاتيح أحصن وأمنع قطعة من أرض العرب.. بل وتكاد تكون من أكثرها غنى ووفرة بالكنوز الدفينة.. من آثار ومعادن.. وخصب تراب.. ووفرة مياه.
يتبع
(1) مثل عامي معروف في دمشق يستعمل للتعبير عن الحالات التي تعم فيها البلوى. فيستسلم المرء لها وهو يواسي نفسه انه ليس الوحيد الذي نزلت المصيبة به.
(1) المقدم رئيف علواني، هو من أبرز الضباط البعثيين الذين ساهموا (بأيديهم) في أعمال القتل – التي سموها إعداماً – عقب محاولة انقلاب 18 تموز التي قام بها الناصريون في عام 1963، وأحبطها اللواء السبعون بالاشتراك مع وحدات المغاوير بقيادة النقيبين سليم حاطوم وسليمان العلي.
والنقيب رفعت الأسد هو شقيق (الفريق) حافظ الأسد، وقد كلف هذا الضابط منذ تخرجه من الكلية الحربية – وحتى اليوم – بحماية مطاري (المزة والضمير) العسكريين اللذين هما مرتكز شقيقه (الفريق) حافظ الأسد.
من مجلة الشراع 1/1/2007 م