الأحد 18 يناير 2015 08:01:37 بتوقيت مكة 

د. محمد عبد العليم الأستاذ بجامعة...  - لا يوجد عنوان 
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً   
لا يعني الدفاع عن البخاري بحال من الأحوال، تقديسه أو عبادته كما يزعم الأفاكون الذين يهرفون بما لا يعرفون، لكن يعني أن الله تعالى منّ عليه بحفظ السنة الشارحة للقرآن، ومن غيرها ما كنا نعرف عدد ركعات الصلاة ولا أنصبة الزكاة ولا شرائط وتفاصيل الحج والصيام وغيرها من العبادات أو البيوع وسائر المعاملات أو الحدود ولا ما أحلّ وحرُم من الأبضاع والأموال والأطعمة والأشربة.. إلخ، وأعطي نماذج تبين فضل الله على هذا الرجل، حكى أصحاب التراجم أنه "حين قدم بغداد، سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس وانتُدب أحدُهم، فسأل البخاري عن حديث من عشرته – يعني المقلوبة المتن والسند – فقال البخاري: لا أعرفه – يعني لكون قائله أخطأ متعمداً في السند – وسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، وكذلك حتى فرغ من عشرته.. ففعل الثاني كما فعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فكذا وصحته كذا، والثاني والثالث إلى العشرة، فرد كل متن إلى إسناده بعد أن ذكر خطأه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرَّوا له بالحفظ".. وذكر له الذهبي في السير 10/ 282 قوله: "كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف حديث وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده".. ويَحكي عنه حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: "كان البخاري يختلف – يتردد – معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع؟!، فقال: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتما، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد عن خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحكم كُتبنا من حفظه.. فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد"، وقيل له مرة: (تحفظ جميع ما أدخلت بالمصنف؟، – وعدده (7397) حديثاً انتقاها من (000, 600) حديثاً كان يحفظها – فقال: لا يخفى عليَّ جميع ما فيه).. إن هذا – والحق يقال – لا يقوى عليه بشر، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء وما أراد الله به إلا حفظ دينه، وأتحدى أولئك الأفاكين أن يقوى على واحدة فقط مما ذكرنا.. وعن احترام البخاري لما جمع لما جمع من كلام نبي الهدى، يقول: "ما وضعت في كتابي (الصحيح) حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين".. وعن مدى صحة ما جمع، يقول أبو جعفر العقيلي كما في هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر ص 9: "لما ألف البخاري كتاب الصحيح، عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث قال العقيلي في شأنها: (والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة)".. وقد أثنى عليه بسبب جهده وجهاده في جمع الحديث علماء عصره، فمن قائل: (إنه آية من آيات الله تمشي على ظهر الأرض)، ومن قائل: (إن فضله على العلماء كفضل الرجال على النساء)، ومن قائل: (كأنه لم يخلق إلا للحديث)، ومن قائل: (ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل).. فإذا ما أضفنا على ذلك ما حكاه الحافظ الذهبي في السير 10/ 274 من قوله: "سمعت أبي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل – عليه السلام – فقال لها: (يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائِك أو كثرة دعائٍك)، فأصبحنا وقد رد الله عليه بصره"، وأضفنا إليه ما رآه هو في المنام من أنه رأى رسول الله وما من قدم يضعه إلا وضع البخاري قدمه بنفس موضع قدم الرسول، وما فسروه له من أنه اقتفاء لأثر رسول الله وتتبع لما صح عنه صلوات ربي وسلامه عليه، لأيقنا أننا أمام نابغة قلما يجود الزمان بمثله، وآية أراد الله بها حفظ دينه.. فهل يعلم ابن عيسى وميزو وابن البحيري ومن على شاكلتهم عن البخاري شيئاً من ذلك؟؟!!، ثم ما للبخاري وما يفعله الإرهابيون أو القتلة مما يجري في زماننا؟؟!!