قصتي مع "حزب الله"
الأربعاء 9 أبريل 2008
قصتي مع "حزب الله"
جميلة جابر - النهار اللبنانية
 
لن أتحدث هنا عن نظرات التحقير وإلقاء التهم المجانية عند كل محفل لهم نطقت فيه مستوضحة أو مناقشة كوني في نظرهم "ممن لوثت أفكارهم الثقافة الغربية". ولن آتي على ذكر البيئة المخابراتية التي حُكم علي بمعايشتها يوميا كوني من سكان الضاحية الجنوبية ولا على القصف الاستعراضي كلما تكلم احد المسؤولين ولا عن النفس التشكيكي المليء بالأسئلة عند ابسط الأمور كركن سيارتي لشراء علبة تبغ، نفس انتقلت عدواه إلى "جماهير" الضاحية "انو بتعرفي الأيام اللي عمن عيشها الواحد لازم يحترس ويسأل!".
عملت جاهدة خلال السنوات التي أمضيتها في فرنسا وأنا أتابع دراستي هناك كي أتخلص من تلك المشاعر المريضة التي أحاطوني بهاومن الأذى النفسي الذي ألحقوه بي ورجعت متعالية على الجراح وأكثر تمسكا بالقضايا والمبادئ الإنسانية التي آمنت ولا أزال بها. وأنا المؤمنة بالحرية الفردية وحرية التعبير حتى الصميم بعيدا عن اي منطق حزبي او مناطقي او حتى شعوبي مكتفية بما لدي من جهل مقفر بكل ما يختص بأمور السياسة والسياسيين.
لكن ما حدث معي أخيرا أي نهار الجمعة 14 آذار 2008 تحديدا دفعني إلى أن اخرج من دائرة توجيه الانتقادات "الحبية" لكي اروي قصتي مختصرة وارفع شكواي هذه إلى كل صاحب ضمير حي والى كل مؤمن بحقوق الإنسان.
كنت أمر بالقرب من المسجد القائم في محلة الحي الأبيض في الضاحية الجنوبية فرأيت منظر قبة المسجد المهيبة مع الغيوم فأعجبني المشهد وأنا الهاوية للتصوير فركنت سيارتي جانبا وتوجهت قبل أن أبادر إلى أي حركة إلى احد الشبان الحرس الموجود على باب المسجد واستأذنته بالتصوير فسألني لأي جهة اتبع فأجبته إني لا اعمل لأحد وان هذا العمل شخصي وانه يستطيع رؤية ما سأصور على الفور فأجابني: "طيب ما في مشكلة".
فأخرجت آلة التصوير الرقمية ووقفت بكل ثقة واطمئنان التقط الصورة المنشودة وإذا بأحدهم يحجب عدسة الكاميرا من غير أن يستأذنني أو يخاطبني حتى، ثم انهال علي بالأسئلة بلهجة تخلو من الأدب واللياقة "شو عم تعملي؟ما بحقلك تصوري، مين إنت؟ لمين بتشتغلي؟".  
فأجبته على الفور إني طلبت إذنا من حارس المسجد فأجاب متابعا لهجته السابقة: "هوي شو بفهمو، هيتي هويتك". فبادرت إلى أن أريه ما صورت واني لم اعد مهتمة بها فلم يعر ذلك انتباها وبدأ يتكلم عبراللاسلكي وما هي إلا لحظات حتى توافد آخرون من أصحاب "الفيلدات واللاسلكيات": "هيتي هويتك". وفي ذلك الجو الترهيبي من أشخاص بثياب مدنية لم يعرفوا عن أنفسهم شعرت بالإهانة فأجبت على الفور: "ليش بدي أعطيك هويتي". فأجاب احدهم: "عم إلك هيتي هويتك". فأجبت: "إنها مع أغراضي في السيارة واني لن أعطيك إياها".  
واستدرت متوجهة إلى سيارتي فإذا بأحدهم يشد الكاميرا من يدي جارحا معصمي وآخر يشدني بسترتي وقادوني بالقوة إلى مدخل احد المباني المجاورة محتجزين إياي هناك حتى أتوا بسيارتي وفتشوها وصادروا كل ما فيها وعبثوا بأغراضي الشخصية. وحين سألت احدهم وهو يعاين بطاقاتي الشخصية والمهنية "فتشوا جزداني؟". أجاب: "نحن منعمل اللي بدنا ياه".
عندها طلبت رؤية المسؤول عنهم وعندما أتى قلت له من أنا ومن أهلي ومن إخوتي وما هو عملي، عندها عرّف عن أنهم أمن "حزب الله" فأحتججت على الطريقة التي عاملوني بها وأعطيته رقم هاتف اخي وهو مختار ضيعتي الجنوبية كي يتصلوا به. فأجاب: دقائق معدودة واذهب في حال سبيلي.
امتدت الدقائق المعدودة إلى ثلاث ساعات ونصف ساعة نقلوني فيها بـ"فان أميركاني" مغطى بالستائر السوداء إلى "رانج" إلى "فولفو" من زاروب إلى آخر وصولا إلى غرفة التحقيق التي هي عبارة عن غرفة صغيرة تبلغ مساحتها حوالى 5 أمتار مربعة تحتوي على كنبة وطاولة صغيرة ومقابل الكنبة مرآة عريضةعلى جانبها "أباجور" لتمرير الصوت. وهناك طوال ساعتين من الوقت طرحت علي مجموعة من "الأصوات" كل أنواع الأسئلة التي تتعلق بحياتي العملية والشخصية ومعارفي وثقافتي وتديني...
إلى أن قال لي في نهاية التحقيق احد "الأصوات": "رح نطلعك هلأ" فخرجت وقادني احدهم نحو الباب الخارجي للشقة فوجدت أغراضي عند الباب وحين سألت عن مكان سيارتي أجابني بلهجة عنيفة انه لا يدري "ما بعرف روحي شوفيها من مطرح ما أخدوك"، وأمرني أن أكف عن النظر إلى وجهه. فحملت أغراضي وخرجت متوجهة بسيارة أجرة إلى قرب المسجد القائم وأنا أفتش هناك عن السيارة. وإذا بأحدهم يناديني من "رانج": "يا جميلتي يا جميلتي نطري رح نجبلك السيارة".

انتظرت في الطريق عشرين دقيقة حتى أتوا بسيارتي وغادرت حينها على الفور. واتصلت فورا بأخي المختار راوية لهما حدث معي فطلب مني كتابة تقرير مفصل عن الحادثة كي يعالج الأمر وكان ذلك وطالبت في نهاية التقرير الذي أمضيت ليلتي في كتابته باعتذار ورد اعتبار، لكن شيئا لم يحدث مذ ذاك. وكأن انتهاك الحرمات وقذف الناس والتعامل معهم باحتقار هو أمر عادي ومبرر. وكأن تعنيفي وتكذيبي وإهانتي ومد اليد علي من امن "حزب الله" مع تجاهل الآداب والأعراف والأخلاق الدينية من مجموعة من عناصرهم أمر لا يستحق الاعتذار!
واني لأتساءل: هل هكذا يعامل "حزب الله" المشتبه فيهم؟ وهل هذه هي الأخلاق الإسلامية التي يروجها وينادي بها؟ وأتساءل أيضا أني لو كنت مراسلة أجنبية أو على الأقل لبنانية غير شيعية وغير "ابنة الضاحية" وابنة الجنوب هل كنت سأتلقى المعاملة نفسها التي لا ترقى إلى أي درجة من درجات الأدب واحترام الإنسان؟
وهل خطاب المنابر الانفتاحي مجرد "بروباغاندا" لتلطيف صورتهم "التوتاليتارية"؟ حيث أن أي إنسان يحاول أن يكون خارج "القطيع" محكوم عليه سلفا بالعمالة والخيانة والكفر...

 

لن أتحدث هنا عن تاريخ مليء بالتهميش والتحجيم قوبلت به في أثناء دراستي الجامعية في الجامعة اللبنانية من "التعبويين" و"الحزب اللهيين" بعنوان "التكليف الشرعي" تارة و"الأمربالمعروف والنهي عن المنكر" طورا. ولا عن مشاعر الخوف والعنف التي ملأت أمعائي منخلال مشاهدة زملائي "الطلاب الجامعيين" يتقاتلون ويتصالحون ومن ثم يتقاتلون لأسباب لم يستطع ذكائي المحدود فهمها...

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: