الجماعة الحوثية.... بين الوطنية والطائفية والسلالية
الثلاثاء 9 فبراير 2016

 

 حسين الوادعي – صنعاء اليوم 24/12/2015

 

تلقيت الكثير من الانتقادات على مدار السنة الماضية بسبب وصفي للحوثيين انهم جماعة "طائفية سلالية".

بعض الانتقادات تنكر اي بعد سلالي طائفي للحوثية وتعتبرها جماعة "وطنية". بينما رأى آخرون انني اكرس الطائفية والسلالية عندما اصنف جماعة يمنية "وطنية" بالطائفية والسلالية.

لنضع النقاط على الحروف إذا ومن خلال وثائقهم وأدبياتهم.

ادعو كل يمني الى قراءة "الوثيقة الفكرية والثقافية" التي اصدرتها القيادات الدينية للحوثيين في فبراير 2012 وصدق عليها عبد الملك الحوثي بخط يده كاتبا عليها "هذه رؤيتنا وعقيدتنا"..

ولست ابالغ إذا قلت انها واحدة من أخطر الوثائق بما تحمله من مضامين سياسية ودينية وعرقية في غاية الخطورة.

أولا: آل البيت مصطفون إلهيا وفي مرتبة أعلى من بقية البشر:

يحسب للحوثيين انهم لم يجاملوا ابدا فيما يتعلق باعتقادهم في "الاصطفاء الالهي" لآل البيت. تقول الوثيقة: " واما مسألة الاصطفاء فالذي نعتقده أن الله سبحانه وتعالى يصطفي من يشاء من عباده جماعات وافراد ... ونعتقد ان الله اصطفى اهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فجعلهم هداة للامة وورثة للكتاب من بعد رسول الله الى ان تقوم الساعة وانه يهيئ في كل عصر من يكون منارا لعباده وقادرا على القيام بأمر الامة والنهوض بها في كل مجالاتها..."

لكي نفهم ما يعنيه هذا لنعد قليلا الى تعريف العنصرية.

عرف خبراء الاجتماع العنصرية بانها "ادعاء جماعة ما تميزها وعلوها عن المجموعات الاخرى بسبب عرقها او لونها او معتقداتها وبالتالي حقها في التحكم في الفئات الادنى منها".

وانطلاقا من هذا تبدو نظرية الاصطفاء الالهي عنصرية قائمة على اساس السلالة. وتبدو عنصرية "الاصطفاء" أكثر تطرفا حتى من بعض العنصريات الحديثة.

قامت العنصرية النازية مثلا على رقي "الجنس الآري". وبناء عليه ادعى هتلر ان كل الالمان (وليس فئة معينه من الالمان) مصطفون عرقيا. وقامت العنصرية البيضاء في امريكا وجنوب افريقيا على الموقع المتميز لكل المواطنين البيض وليس لفئة او اقلية داخل البيض.

هذه العنصريات كانت عنصرية الاغلبية ضد الاقلية. اما بالنسبة لعنصرية "الاصطفاء" فهي نوع من عنصرية الاقلية ضد الاغلبية. وهي اشبه ما تكون بعنصرية اليهود "شعب الله المختار" في أوروبا ضد الاكثرية من الاوربيين والتي ادت فيما بعد الى صعود مشاعر العداء للسامية.

وعندما أصف الحوثيين بانها جماعة سلالية فإنما استند الى ادعائهم الواضح والمثبت بتفضيلهم واصطفائهم على العالمين اعتمادا على ذلك النسب الذي يدعونه كأحفاد للرسول. ونحن نعرف جيدا ما هي عواقب هذا الادعاء من رفض الزواج مع "السلالات" الاخرى حرصا على النقاء العرقي ومن ادعاء افضلية في الحكم والمال والسلطة لا تجوز لغيرهم.

ثانيا: تداول السلطة محسوم الهيا بـ"الوصية" لعلي وابناؤه من بعده:

كتبت مرات عديدة أن الجماعة التي تؤمن ان مسألة "نقل السلطة" قد حسمت الهيا والى الابد في وصية "غدير خم" لا يمكن ان تؤمن بالديمقراطية.

وها هي الوثيقة الفكرية والثقافية تؤكد بدقة صحة ذلك. تحدد الوثيقة بوضوح ان " الامام بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى إله وسلم هو اخوه ووصيه امير المؤمنين علي بن ابي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم الائمة من اولادهما كالإمام زيد والامام الهادي والامام القاسم العياني والامام القاسم بن محمد ومن نهج نهجهم من الائمة الهادين"

نحن هنا امام نقلة منطقية من "الاصطفاء" الى "حصرية الولاية" في آل البيت. فالإيمان بسمو وعلو هذه السلالة دون غيرها يقتضي بالضرورة الايمان بأحقيتها في الحكم . وهو حق الهي غير قابل للنقاش او الانتزاع من وجهة نظر مدعي الولاية والوصية.

فكيف يمكن لهذه الحركة ان تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ما دامت تتعارض مع عقيدتهم ويقينهم الديني-السياسي؟

ثالثا: آل البيت لا يحتكرون السلطة فقط ولكنهم يحتكرون الاجتهاد والعلم أيضا:

لو كان "الاصطفاء" يعني احتكار آل البيت للسلطة فقط لربما كان الامر أهون. الحقيقة ان آل البيت حسب الوثيقة الفكرية يحتكرون الاجتهاد والعلم ايضا!

القرآن وآل البيت شيء واحد كما نفهمه من الوثيقة.!!

آل البيت ليسوا "ورثة القرآن" ولكنهم "قرناء القرآن". بل هم "قرآن" من نوع اخر. واذا كان القرآن هو الوحي المنقطع فان آل البيت هم الوحي المستمر. تقول الوثيقة: " وان نهج الهداية والنجاة والامان من الضلال هو التمسك بالثقلين " كتاب الله"....والثقل الاصغر عترة رسول الله وهداة هذه الامة وقرناء الكتاب الى يوم التناد ...".

لا يمكن التفريق بين القرآن وآل البيت في كثير من فقرات الوثيقة . مثل هذه الفقرة على سبيل المثال:

" اما اصول الفقه فما كان مخالفا للقرآن الكريم او بدلا عن آل محمد فهو مرفوض ومنتقد من الجميع وما كان منه موافقا للقرآن ويستعان به على فهم النصوص الشرعية في اطار آل محمد..."!

حينما تقرأ ادبيات الجماعة الحوثية تكتشف تلك النظرة المضمرة للقرآن كميراث خاص بآل البيت وحدهم من جدهم الاعلى (محمد). فاذا كانوا وحدهم من يحق لهم الاجتهاد والتفسير فان هذا يجعل القرآن نفسه ملكية خاصة لمن له الحق الحصري في فهمه وتفسيره.

آل البيت ليسوا مجتهدين حصريين فقط ولكنهم مرجعية نهائية ايضا: فحين تناقش الوثيقة مسألة "السنة" فإنها تشترط " ان تكون في اطار القرآن مرتبطة به لا حاكمة عليه ولا معارضة لنصوصه وانها مرتبطة بالهداة من آل محمد كأمناء عليها في اعتماد الصحيح من غيره".

هذه النظرة الكهنوتية السلالية للعلم تتجاوز بدرجات احتكار الكنيسة للعلم والاسرار الكنسية في العصور الوسطى. فاذا كانت الكهنوتية المسيحية مفتوحة لكل شخص ينجح في دخول السلك الكنسي والصعود عليه، فان كهنوتية آل البيت اشد قتامة اذ انها كهنوتية مغلقة على سلالة وعرقية معينة.

كل شيء يبدأ من آل البيت وينتهي اليهم في العلم والسياسة وحتى في شؤون الحياة الأخرى.

كان الصديق على البخيتي قد تحدث في مقال سابق عن "الهاشمية السياسية" منتقدا ظاهرة ان اكثر من 85% من مسؤولي اللجان الثورية والشعبية والامنية كانوا من الهاشميين. قد يبدو هذا الانتقاء للهاشميين عرضيا وغير مفهوم لمن يحكم على الجماعة الحوثية بناء على شعاراتها الثورية المعلنة. لكن الاختيار يصبح مقصودا ومخططا بل وواجبا دينيا عندما يتعرف على افكارهم الحقيقية وهي الافكار التي يحرصون على اخفائها في خطابهم السياسي الثوري حتى لا يصنفوا كجماعة طائفية سلالية.

رابعا: تاسيس الاستبداد الكهنوتي. نظرية "العَلَم" ووضع علماء آل البيت فوق النقد:

إذا كان آل البيت مصطفون على العالمين. وإذا كانوا يمتلكون الحق الحصري في الاجتهاد، واذا كانوا قرناء القرآن (والقرآن لا يقرن الا مع من هم بنفس مرتبته!)، فان ذلك يفضي بالضرورة الى وضع علمائهم فوق النقد وفوق التعديل. تقول الوثيقة:

" وما قد يقع من النقد للعلماء لا يقصد به علماء اهل بيت رسول الله وشيعتهم العاملين ولا علومهم وانما من لا يرى وجوب الجهاد للظالمين ولا يوجب امرا بمعروف ولا نهيا عن منكر بل يرى السكوت وطاعة من لا تجوز طاعته".

هذه الفقرة تجعل الاجتهاد ممارسة سرية حصرية ويقينية لا نقاش لها. والجانب الوحيد المتاح للنقد هو نقد العلماء إذا تقاعسوا عن الدعوة للجهاد وقتال الظالمين!

ولأن العنصريات تولد عنصريات أصغر داخلها فقد ادت نظرية "الاصطفاء العام" لآل البيت الى الايمان باصطفاء خاص لشخص واحد (يجب ان يكون من البطنين) يصبح مرجعية العلم النهائية التي لا تناقش. هذه هي نظرية "العَلَم" التي ابتكرها حسين الحوثي وهي نوع من (الاصطفاء داخل الاصطفاء)، وتأسيس لزعامة ليست طائفية وسلالية فقط ولكنها شمولية متألهة تحكم بالقسوة وتستمد سلطتها من الله الذي يمدها بالعلم والتوفيق.

الجماعة الحوثية بين الشعار والحقيقة:

ابتداء من 2014 تبنت الحركة الحوثية خطابا ثوريا يتحدث عن مكافحة الفساد والقضاء على مراكز النفوذ والتخلص من الهيمنة والشراكة وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار.

لكن ما هو الخطاب الذي يعبر عن الاهداف الحقيقية للجماعة الحوثية؟ هل هو خطاب الثورة والصمود المكرس اعلاميا؟ أم خطاب الوصية والاصطفاء السلالي والعصمة وحصرية الولاية الذي يتداوله الاعضاء يوميا افرادا وجماعات؟ اترك الحكم لذكاء القاريء...

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: