سطور من الذاكرة\العدد مائة وثمانية وثلاثون - ذو الحجة - 1435 هـ
ابن العربي يحاور الباطنية
الأربعاء 24 سبتمبر 2014

 د. عمر الأشقر رحمه الله([1])

 

دعى العلامة ابن العربي في أيام شبابه لمناظرة([2])، كان الدعاة طائفة من الباطنية، وقد تندم الشيخ كثيراً لأنّه استجاب للدعوة، فالمكان الذي عقدت فيه المناظرة مكان منعزل بعيد عن الناس، والحضور كلهم كانوا من تلك الفرقة الضّالّة، وهؤلاء لا يتورعون عن سفك دم المخالف وإزالة أثره.

دخل الشيخ مكان اللقاء، فوجدهم قد اجتمعوا، ورأى النكر في وجوههم، فسلّم ثمّ قصد جهد المحراب، فركع ركعتين لا عمل له فيهما إلّا تدبير القول معهم، وأعمال الفكر في الخلاص منهم، يقول رحمه الله: (فلعمر الذي قضى عليّ بالإقبال إلى أن أحدثكم، إن كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبداً).

وقد كان ذلك المسجد في مكان مرتفع في مدينة عكا، وكان يشرف على شاطيء البحر حيث كان يضرب الموج الشاطئ ذا الحجارة السوداء، يقول رحمه الله: (ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة محددة تحت طاقات المحرس (اسم المكان الذي فيه اللقاء) فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سرّي:

ألا هل إلى الدنيا معاد؟ وهل لنا       سوى البحر قبر؟ أو سوى الماء أكفان؟

أجال الشيخ فكره، ونظر في علومه ومحفوظه، وكان مما يعلمه عنهم أنهم ليسوا بأهل علم، ولا طلاب هداية، وإنّما هم أهل شغب، وتذكر فيما تذكر قول بعض أهل العلم فيهم: (إنّ هؤلاء الباطنية أسخف الناس عقولاً وينبغي للتحرير ألا يتكلف لهم دليلاً، ولكن يطالبهم ((بلم))، فلا قبل لهم بها).

قال رئيس الطائفة الضال للشيخ (بلغتني مجالسك، وأنهى إليّ كلامك، وأنت تقول، قال الله، وفعل، فأيّ شيء هو الله الذي تدعو إليه؟ أخبرني واخرج من هذه المخرفة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة).

فما كان من أصحاب ذلك الطاغية إلا أن تناوشوا الشيخ بالكلام، وصوبوا إليه من كل ناحية السهام.

لقد كان ابن العربي فطناً أريباً، وكان يعلم أن لكل مقام مقالاً، فكان جوابه يدلّ على تلك الفطانة، ومناسباً لذلك المقام، قال الشيخ مجيباً: (لقد كنت في لا شيء، ولو خرجت من عكّا قبل أن اجتمع بهذا العالم ما رحلت إلا عريّاً عن نادرة الأيام، انظر إلى حذقه بالكلام ومعرفته حيث قال لي: أي شيء هو الله؟ ولا يسأل بمثل هذا إلا مثله، ولكن بقيت ها هنا نكتة لا بدّ من أن نأخذها عنه اليوم، وتكون ضيافتنا عنده، لم قلت: (أي شيء هو الله)؟ فاقتصرت من حروف الاستفهام على (أي)، وتركت الهمزة وهل وكيف وأني وكم وما، وهي أيضاً من ثواني حروف الاستفهام؟

وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية: وهي أن لأي معنيين في الاستفهام، فأي المعنيين قصدت بها؟ ولم سألت بحرف محتمل، ولم تسأل بحرف مصرح بمعنى واحد، هل وقع ذلك بغير علم، ولا قصد ولا حكمة؟ أم بقصد حكمة؟ فبينها لنا؟).

لقد أبعد رحمه الله عن الموضوع، ولكن هذه هي البضاعة التي تبهر هؤلاء وتلوي أعناقهم، لقد كان الشيخ يعلم أن هذا الطاغية ما كان يعلم شيئاً مما طرحه عليه، وما خطرت هذه الأمور بباله وهو يلقي عليه سؤالاً، وما كان عنده علم عن حروف الاستفهام، ولا عن أيّ ومعانيها) ولذلك دهش ذلك الرجل وتحيّر، وعظم الشيخ في عيون أولئك الضلال قال رحمه الله: (فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام وانبسطت فيه وهو يتغير، حتى اصفر آخراً من الوجل، كما اسود أولاً من الحقد)، وانظر إلى تأثير هذا الكلام في أولئك الضلال: ورجع أحد أصحابه الذي كان عن يمينه إلى آخر كان بجانبه، وقال له: (ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم، ما رأينا مثله قط).

فلما سمع الشيخ ذلك استغلّ الكلمة والموقف فقال: (هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يفتقر إلى تفصيل، ولكن نتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت).

لم ينتظر الشيخ جواباً، لأنّه كان يعلم أن لا جواب عندهم، ولم يتشبث شيخ أولئك الضلال بإبقاء الشيخ ابن العربي، ولعلّه سرّ باستئذانه، خشية أن يظهر جهله أمام أتباعه.

قام الشيخ وخرج، فقاموا كلهم معه، وطالبوه بالبقاء قليلاً، فرفض، وأسرع حافياً، وخرج إلى الباب يعدو، حتى أشرف على قارعة الطريق، وبقي هناك مبشراً نفسه بالحياة، وخرجوا بعده، وأخرجوا له نعليه، فلبسهما ومشى معهم – بعد أن أمن على نفسه – متضاحكاً، ووعدوه مجلساً آخر، قال: (فلم أف لهم، وخفت وفاتي في وفائي).

 



[1] - من كتابه: جولة في رياض العلماء.

[2]انظر هذه الحادثة في كتاب الاعتصام للشاطبي 1\197 طبعة المنار – القاهرة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: