هل يرأب العدوان الصهيوني على غزة علاقة حماس بحزب الله؟
الأربعاء 27 أغسطس 2014

بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

تأخر الأمين العام لحزب الله في خروجه الإعلامي للتضامن مع المقاومة الفلسطينية، واستنكار العدوان الصهيوني على قطاع غزة قرابة الأسبوعين، حيث تزامن خطابه مع يوم القدس العالمي الذي تحتفل به الجمهورية الإسلامية في إيران بعدما أعلن مرشدها الأعلى السابق آية الله الخميني آخر جمعة من شهر رمضان يوما للقدس، وخطابه الثاني أيضا جاء بمناسبة ذكرى حرب 2006.

تأخر نصر الله بحد ذاته طرح العديد من التساؤلات حول موقف حزب الله من المقاومة الفلسطينية وتحديدا حركة حماس التي تعيش في حالة خصام شبه صامت مع إيران منذ موقفها من نظام بشار الأسد عند رفضها زج نفسها في معركة داخلية إلى جانب نظام يقمع شعبه.

وإن كان الصمت العربي والمواقف المتخاذلة أصبحت معهودة خاصة في ظل الظروف التي تمر بها جل الدول العربية، حتى أصبحت بيانات الشجب والتنديد لا تصدر وإن صدرت فأضعف ومتأخرة، وهذا الواقع المأسوف يمكن مناقشته في سياقه العربي، ولكن في المقابل فإن ما كان يسمى بمحور المقاومة والممانعة، والذي أصبح الآن محورا طائفيا خالصا بعد خروج حماس منه وانضمام المالكي([1]) إلى جوقة إيران وحزب الله والنظام السوري، لم يختلف أداؤه عن تلك الدول العربية وهو الذي طالما تشدق بدعم المقاومة وفلسطين ومواجهة الاستكبار العالمي!!

لقد كان حزب الله رافعة ترويج هذه الأطروحة، ليصطدم الكثيرون من موقف الحزب الذي ظنوا أنه سيحرر في يوم ما فلسطين، وإذا به ينكفئ إلى قتل الشعب السوري تاركا الجبهة الجنوبية آمنة مستقرة منذ 2006.

عقب العدوان الأخير على غزة 2014 تحدث نصر الله عن إرهاصات عودة المسار الطبيعي بين الطرفين والدفع في العلاقة بين حماس وحزب الله، وحماس والجمهورية الإسلامية، وإن بمعزل عن الموضوع السوري. فإلى أي مدى يمكن للعدوان على غزة أن يساهم في عودة حماس لسابق علاقتها مع حزب الله ومحور الممانعة؟

مكاسب حزب الله وإيران من العلاقة مع حماس:

بحكم المكانة العظيمة للمسجد الأقصى في الإسلام، فإن القضية الفلسطينية كانت وستبقى محل إجماع عند المسلمين، ودعمها ومساندتها على هذا الأساس أحد المصادر الخارجية للشرعية عند كل الأنظمة العربية وحتى الإسلامية، لذلك فإن مستوى من الدعم مهما كان ضعيفا فإنه يبقى ضروريا لأي نظام سياسي عربي. وقد استغلت إيران هذا البعد أيما استغلال خلال السنوات السابقة، خاصة بوجود حزب الله، أقوى أذرعتها الذي ارتكزت عليه لتنفيذ مشروعها، حيث استمد الحزب شعبيته من مواجهاته للكيان الصهيوني في جنوب لبنان، ومنحته القضية الفلسطينية قوة أكبر إذ جعلت من نصر الله زعيما عربيا، كونه الجناح الشمالي في مواجهة العدوان الصهيوني، وعزز من ذلك علاقته مع حماس.

فقد استثمرت إيران بواسطة حزب الله علاقتها مع حماس وحققت العديد من المكاسب، فحركة حماس تتميز بمواصفات ثلاث هامة جدا كانت إيران بأمس الحاجة لها، فكون حماس حركة مقاومة جعل صورة إيران تبدو بأنها الداعمة للمظلومين في العالم، ولأن «حماس» سنية، فهذا مكن إيران من تجاوز تأطيرها بأنها قوة شيعية طائفية، ولأنها فلسطينية فهي تستطيع كسب تعاطف الكثير من الجماهير العربية والمسلمة والتي تمثل قضية فلسطين بالنسبة لهم القضية الأولى([2]).

انفصام المواقف

تجلت إرباكات موقف حزب الله من العدوان على غزة في خطابه الإعلامي الرسمي حيث تزامن اشتداد العدوان على غزة بتقدم كبير أحرزه الحوثيون في اليمن على حساب سلطة الدولة، وإعلام حزب الله ممثلا في قناة المنار كان منشغلا بتغطية إنجازات الحوثيين ونقل خطاب زعيمهم مباشرة على قناة المنار وليس العدوان الصهيوني وجرائمه، والتحول في مسار التغطية خلال هذه الفترة كان أيضا متأخرا على غرار خطاب نصر الله، وجاء عقب صمود المقاومة التي كان يتوقع انهزامها.

 ولم يختلف خطابه غير الرسمي عن ذلك حيث بنى مناصروه في مواقع التواصل الاجتماعي تصورهم على الموقف السلبي للحزب وإيران من حماس خلال السنتين الأخيرتين، واعتقد هؤلاء أن الصمت الرسمي يعني استمرارية لنفس الموقف، وبذلك كان هؤلاء في خطابهم يدينون حركة حماس ويترقبون انهزامها نكاية فيها لابتعادها عمّا يسمى بمحور الممانعة، لتأتي لاحقا تصريحات إيران وحزب الله ليعاود هؤلاء الكرّة بالدفاع عن حماس ومقاومتها خاصة بعدما أثبتت صمودها، ولكن الحديث تحول إلى الدعم الإيراني والسوري للحركة، والصواريخ الإيرانية والسورية التي تحقق بها انتصاراتها، ومكنتها من الصمود في المواجهة. ورغم هذا التحول في الخطابين إلا أنه لم يخلُ من مؤشرات عن استمرار تأزم العلاقة لعل أهمها: 

1- إيماءات للانقسام في حماس: أصبح شبه ثابت في خطاب المحور الإيراني الفصل بين الجناح العسكري والسياسي للمقاومة والداخل والخارج -وهو نفس خطاب الكيان الصهيوني- فالجناح الأول المتمثل بكتائب القسّام لم يغادر يوما البيت المقاوم، حتى بعد بروز الخلاف حول المسألة السورية”. ولو حصل خلاف ذلك وكانت إمرة القسّام بإمرة الجناح السياسي، لكان الموقف اليوم مختلفا([3]).

طبعا ليس هؤلاء أول من يحاول خلق وافتراض انقسام بين الجناح السياسي والعسكري لمقاومة حماس، ولكن الملفت في الكلام أعلاه أنه إذا ثبت تطابق المواقف بين الجناحين بالفعل من الأزمة السورية -وهذا هو الواقع حقيقة- فإن حزب الله عندها سيكون له موقف آخر من حماس.

والاتصال الذي تم بين نصر الله ومشعل، تؤكد (مصادر من الحزب) أنّه تم مع “مشعل الذي يعبّر عن موقف كتائب القسّام أي مشعل المقاوم وليس مشعل المنخرط بالمشروع الإخواني” ([4]).

وهنا فإنه إضافة إلى أن مجرد التواصل بين خالد مشعل ونصر الله يدحض فكرة الجناح العسكري والسياسي، فإن الفصل حتى في شخصية خالد مشعل يؤكد الانفصام السياسي الذي يعيشه حزب الله. بكل تأكيد لا يستطيع أحد نفي التباين في المواقف من سوريا والعلاقة مع إيران داخل المكتب السياسي لحركة حماس، ولكن ذلك لا يرتقي إلى مستوى الانقسام كما يحاول الحزب تصويره، وإذا افترضنا وجود انقسام فإنه بلا جدال انقسام مضر بالمقاومة، ومحاولة تعزيزه من طرف حزب الله يصب دون شك في خدمة الكيان الصهيوني!!

2- علاقة التبعية: يصور حزب الله أن حماس في حاجة إليه، وهي التي كانت مخطئة وعادت إلى حلفائها الطبيعيين، إذ "ليس حزب الله من ذهب إلى مشعل بل الثاني هو من عاد إلى المقاومة"([5]). وهنا نلتمس "الأنا المتعالية" عند الحزب الذي لا يخطئ مطلقا في أفعاله، وإنما حركة حماس هي التي أخطأت وتعود الآن لحلفائها الطبيعيين، وكأنه كان واجبا على حماس أن تشارك في قتل الشعب السوري حتى تثبت مقاومتها. والحزب ومحور المقاومة اتخذا مؤخرًا قرارًا واضحًا ونهائيًا يقول بأن “سقوط المقاومة في غزة ممنوع”، وبالتالي فان “حزب الله”، وبحسب مصادر مقربة منه، جاهز لفتح جبهة الجنوب في حال استدعت الأمور ذلك. إذن مصير المقاومة الفلسطينية متوقف على حزب الله، وانتصاراتها بفضله. وتجربة العدوان، تؤكد أهمية «عودة الابن الضال» إلى حضن أبيه وأمه([6]).

3- بدائل عن حماس: تأكد خلال العدوان بحث إيران عن بدائل عن حماس في فلسطين، وأمارات ذلك في عدم تخصيص حماس بالإشادة والذكر كما في السابق، ففي المرحلة السابقة كان حزب الله يخص حماس بالاسم إضافة إلى كل أطياف المقاومة، أما حاليا فإنه يعمم ذلك على كل المقاومة بل وينبه إلى "مختلف حساسياتها"، وتجلى ذلك أيضا بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي التي مواقفها متقدمة في تأييد إيران والترويج لخطابها في المنطقة حيث كان أمينها العام عبد الله شلح دائم الحضور خلال العدوان على منابر الإعلام الإيراني خاصة قناتي الميادين والمنار، والأمر نفسه بالنسبة لحزب اللجان المقاومة الشعبية التي كان الناطق الإعلامي باسمها عبر القنوات الإيرانية، يشيد بإيران وحزب الله وينتقد الدول العربية، حيث شن "أبو مجاهد" هجوما على علماء من المملكة السعودية ناصروا في بيان المقاومة، ونبهوها لخداع حزب الله، واصفا إيران والحزب بالحلفاء في المعركة والشركاء في المال والسلاح والعتاد([7]).

فتح الجبهة الجنوبية:

أثار طلب نائب رئيس المكتب السياسي في حماس موسى أبو مرزوق من حزب الله فتح جبهة ثانية، ومساعدة الفلسطينيين في قطاع غزة ضد القوات الإسرائيلية، الكثير من الجدل خاصة وأنه جاء بُعيد خطاب نصر الله الذي تحدث فيه عن تأييد الحزب للمقاومة بكافة فصائلها، واستعداده للقيام بكل ما يتوجب وعلى كل صعيد”. ولا شك أن قيادات حماس يعلمون جيدا أن الحزب لن يساعدهم وأن دعوة مرزوق ليست إلا محاولة لإحراج قيادة حزب الله([8]).

 كما وصفت الحركة "مواقف حزب الله الداعمة لحركات المقاومة في غزة"، بأنها غير كافية بالنسبة إلى حماس. واعتبرت أن "الكلام وحده لم يعد كافياً، وطالبت من الحزب  تحركاً من شأنه أن يهز الحدود العربية مع فلسطين، إذا لم يصل إلى مستوى إشعال الجبهة الشمالية مع العدو، لكن على الأقل أفعالاً. متسائلة إذا ما كان الحزب ينتظر حتى سقوط غزة للتحرّك؟([9]).

ما يلاحظ في هذه التصريحات المتضاربة أن الحركة لم تكتفِ بعدم الثناء على حزب الله وإيران بدعمهما للمقاومة كما كانت تفعل سابقا، بل أكثر من ذلك جاءت تصريحات قياداتها عقب خطاب نصر الله ما يعني أن المقصود منها سحب أي رصيد إعلامي من خطابه، وطبيعة المطالب "التعجيزية" للحزب تدلل على استمرار التوتر في العلاقة بين الطرفين.

وقد أشار حسن نصر الله في حواره مع جريدة الأخبار اللبنانية لاحقا إلى تصريحات أبو مرزوق، وأعرب عن انتقاد لين لها عندما تحدث عن القنوات الرسمية والسرية للتواصل بين الطرفين في هكذا مواضيع، وليس عبر وسائل الإعلام. وحاول أن يخفف من تأزم العلاقات مع حماس بقوله إنها لم تنقطع يوما، وهذا صحيح، ولكن لما دقق محاوره وسأل عن الدعم، فإن نصر الله تحدث بكلام عام وتجنب الإجابة المباشرة عن السؤال، وربط ذلك بتأثر أوضاعهم نتيجة أحداث سوريا والعراق والمنطقة، وهي إجابة غير مباشرة بأن مسألة الدعم تأثرت بالموضوع السوري([10]).

وهذا ما يعزز ما تناولته مصادر قريبة من حماس عن توقف الدعم الإيراني لها خلال العامين الماضيين (واستمراره لحركة الجهاد)، وما قدمته لحماس سابقا تم استخدام أكثره في معركة 2012، أما ما يستخدم الآن فأكثره من تصنيع محلي بشهادة مسؤول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق (عاموس يدلين) (لا شك أنه تصنيع استفاد مما قدمته إيران سابقا)، أما الجزء الآخر، فهو مما جرى تهريبه من ليبيا بعد سقوط القذافي، مع وجود مصادر أخرى([11]).

ومع كل هذا ارتفعت بعض الأصوات تتحدث عن إمكانية فتح حزب الله الجبهة الجنوبية للتخفيف على المقاومة في فلسطين، ولم يستبعد مناصرو الحزب هذا الخيار، ورهنوه بتطور الأحداث في غزة، خاصة وأن حسن نصر الله لمح له في خطابه. طبعا من حق هؤلاء قول ذلك لأن المهمة الأساسية لهم هي إيجاد المبررات لسياسات الحزب وخياراته، ولكن الحقيقة والواقع أثبتا أن الحزب لم ولن يفعل ذلك.

وهناك من أرجع عدم فتح الحزب الجبهة الجنوبية لانشغاله بالحرب في سوريا التي تستنزف قوته منذ أكثر من ثلاث سنوات، وعدم قدرته عل القتال في جبهتين، ولكن نصر الله أكد أن قدراتهم لمجابهة إسرائيل لم تتأثر بالأزمة السورية وأنه لم يحرك أيّا من القوات المكلفة بهذه المهمة، رغم أن هذا الكلام يتناقض مع ما ورد في حواره مع جريدة الأخبار كما سبق الإشارة، وباستثناء هذه الجزئية فإن المبررات التي يستند إليها في عدم الإقدام على فتح الجبهة يمكن تفنيدها بسهولة، وهو ما يكشف المأزق الحقيقي الذي يعيشه الحزب.

فالخطاب الذي يمثله حزب الله يُرجع عدم تدخله مع إيران أو النظام السوري في فتح الجبهة اللبنانية إلى القانون الدولي أو التوازنات الإقليمية، لكنه في نفس الوقت لا ينفك من خلال قادته العسكريين يهدد ويتوعد بمحو الكيان الصهيوني دعما ونصرة لفلسطين، والسؤال الذي يُطرح: إذا كان هؤلاء يدركون حقائق القانون الدولي والتوازنات الإقليمية التي تحول دون تجسيد ما يقولونه على أرض الواقع، فلماذا هذه التصريحات والجعجعات؟. هل هناك تفسير آخر لها غير الاستثمار الإعلامي لمآرب أخرى؟

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما دام "الفراق" بين حماس وحزب الله ومحور الممانعة انطلق من عدم تضامن الحركة مع المحور في وجه المؤامرة الكونية، ولم يكن النظام السوري ليرفض أن تنخرط حماس إلى جانبه في مواجهة الشعب السوري كما فعل حزب الله، بل على العكس تماما كان ذلك ليسعده ويوفر له غطاء لجرائمه، وقد استثمر بالفعل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي أصبحت أداة بيده لقتل الفلسطينيين في مخيم اليرموك قبل السوريين، وعلى هذا الأساس فمن حق حماس إذا أن تطلب من المحور أن ينخرط معها في الحرب بشكل مباشر، مع فارق المعركة بكل تأكيد.  

أما خشية الحزب أن يؤدي فتح الجبهة إلى توريط لبنان وتدميرها من طرف الصهاينة كما حصل في 2006، يفترض هذا المنطق أن دخوله في سوريا كان له انعكاساته على لبنان التي ليس آخرها ما حصل في "عرسال"، فلماذا لا يراعي الحزب هذا الجانب في الحالة السورية، ويحرص عليه في الحالة الفلسطينية؟

حماس وحزب الله: المسافة السورية

تحدث نصر الله في حواره مع جريدة الأخبار اللبنانية عن محاولة تفهم للموقف من الأزمة السورية لكلا الطرفين، وأعطى الموضوع حجما بسيطا جدا وقلل من أهميته، كما لو أنه استثنائي في العلاقة بين الطرفين. ولكنه أشار في نفس الخطاب إلى بروز ثلاثة محاور هي: المحور السعودي المصري الإماراتي، المحور الإيراني السوري حزب الله، وهناك محور ثالث هو القطري التركي، وحماس من ثنايا خطاب نصر الله تنتمي للأخير، وهو متهم بالعمالة للمشروع الأمريكي، تأسيسا على هذا فإن الخصام مع حماس لم يتوقف عند عدم دعمها عقابا لها لخذلانها حلفاءها فحسب، بل انخرطت في محور آخر عميل للصهيونية هو المحور القطري التركي([12]).

ومع ثبات المقاومة ممثلة بشكل خاص في حماس اضطر محور حزب الله متأخرا إلى تبني خطاب "ما قبل الثورة السورية"، ووضعت الخلافات على الجانب ليس لأجل فلسطين كما زعم نصر الله، وإنما لكونها الاختبار الذي لا يمكن تجاوزه والتلاعب فيه بالنسبة للشعوب العربية، والمأزق الذي وقع فيه هؤلاء أن الحركة أعربت في أكثر من موقف عن تأييدها لكل من يخدم القضية ويلبي مطالبها، وكانت قطر وتركيا هما من مثلاها في المؤتمر الذي عقد في فرنسا.

 لذلك لم تتوقف الاتهامات للحركة فمجرد طلب موسى أبو مرزوق فتح جبهة ثانية للتخفيف عن غزة، اعتبر تنفيذ أجندة سياسية لا تخدم فلسطين وشعبها بل تخدم أردوغان تحديدا، فكلام أبو مرزوق يساهم في زيادة التحريض ضد حزب الله وللأسف هذا التحريض سيأخذ الطابع المذهبي كما أنه محاولة للتغطية على موقف أردوغان وقطر وبعض رجال الدين الذين أفتوا بضرورة الجهاد في سورية ولم نسمع صوتهم خلال العدوان على غزة([13]).

يتبين من هذا أن مجرد تصنيف حماس ضمن محور جديد تشكل عقب موجة الثورات الشعبية يدلل على وجود مسافة بين الحركة والمحور حددتها "الأزمة السورية"، وإذا علمنا أن موسى أبو مرزوق الذي طالب حزب الله بفتح الجبهة الجنوبية هو من سبق له إجراء اتصالات مع قادة إيران وحزب الله عقب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في مصر وما تم تداوله حينها من عودة العلاقات بين الطرفين، فإن هذا يعكس مستوى من الترابط بين الأحداث والقضايا، وهو مؤشر آخر على استمرار هذه المسافة بين الطرفين.

ومهما حاول نصر الله خلق انطباع بأن تحسن العلاقات مع حماس هو عودة للعلاقات الطبيعية في محور المقاومة والممانعة، فإن هذه المقاربة للعلاقة مع الحركة تصطدم بعائق النظام السوري الذي يستحيل أن تعود علاقته مع حماس إلى ما كانت عليه في وقت سابق، فدمشق أكثر تحفظاً حيال حماس، وأقل ميلاً للقبول بـ «توبتها» من إيران وحزب الله، انسجاماً مع موقف سوري رسمي، أشد عداءً للإخوان المسلمين، في عموم المنطقة، وليس في سوريا وفلسطين وحدهما([14]).

ونظام الأسد جزء ثابت في المشروع الإيراني وهو خط الدفاع الأول عن إيران، وهي حتى وإن استغنت عنه آجلا في صفقة ما على غرار تخليها عن المالكي فإن ذلك سيكون تحولا كبيرا في شكل المحور أو نهايته، والحزب لا شك يدرك ذلك، ورغم كل الحديث عن التعاون مع المقاومة وعودة الدفء للعلاقة بين الطرفين إلا أن السياق العام للأحداث كشف عن استمرار تباين في العلاقة بين الطرفين بشكل أعمق مما يصوره حزب الله.

العودة إلى محور المقاومة أم محور إيران؟

لا يعدو أن يكون موقف حزب الله المتخاذل هذا إلا مجرد إعلان صريح عن حقيقة مشروعه وأيديولوجيته، وهو ليس انحرافا لبوصلة المقاومة لأن الأخيرة لم تكن في يوم من الأيام باتجاه فلسطين التي يدعي الحزب أنها قضيته المركزية. فالمرحلة الأولى من المواجهات بين حزب الله والكيان الصهيوني كانت دفاعا عن مناطق تواجده أكثر منها دفاعا عن القضية الفلسطينية.

وبين تأسيسه وحتى موجة الانتفاضات الشعبية كان هناك تقاطع في الأهداف بينه وبين المقاومة الفلسطينية، فضلا عن أن الحزب ومن ورائه إيران حققا الكثير من المكاسب بدعمهما للمقاومة، حيث كانت مدخلا لتمدده في المنطقة العربية، وشكلت غطاء عن سياساته الإجرامية في الكثير من الدول العربية خاصة خلال الاحتلال الأمريكي للعراق، وحتى الثورة السورية حيث أضحى من الصعوبة التغطية على السياسات الطائفية التي تنتهجها إيران ومن ورائها حزب الله.

وعند تعارض المصالح فإنه في حين أثبتت حركة حماس استقلاليتها عن إيران من خلال موقفها من الثورة السورية، أكد حزب الله تبعيته المطلقة لها، والتي كان الأمين العام للحزب دائما يرددها في خطاباته، والنابعة من منطلق عقائدي، حيث كان ينتقد من يتحدثون عن علاقته بإيران وتحديدا المرشد الأعلى تحت غطاء ولاية الفقيه، معتبرا الأمر معتقدات خاصة يجب احترامها، رغم محاولته عبثا الفصل بين الديني والسياسي فيها، وهو الطرح الذي أثبتت الوقائع على مدار كل هذه العقود زيفه.

وتوتر العلاقات بين حماس وإيران وحزب الله عقب الثورة السورية وتراجع الدعم لها انطلاقا من هذه الإشكالية في حد ذاته يؤكد أن الموضوعين متصلان وأن دعم حماس لا يخرج عن هذه العلاقات، وبالتالي فإن محاولة الظهور بمظهر المدافع المحب لحماس من طرف حزب الله مجرد أكاذيب، فضلا على أنه لم يعلن موقفا مستقلا من حماس ويؤكد علاقته الجيدة معها، بل كان نصر الله يتحدث في خطاباته عن الأصدقاء الأوفياء لسوريا في إشارة غير مباشرة لحماس غير الوفية أو الخائنة.

الخلاصة:

 إذا كان حزب الله بخل على المقاومة بمجرد الدعم الإعلامي في المرحلة الأولى من العدوان على عكس الفترات السابقة فإن حديث نصر الله المتأخر عن دعمها لا يعدو أن يكون مجرد خطاب موجه للاستهلاك الإعلامي، وأن البوصلة الحقيقية للحزب باتجاه ما يسطره الولي الفقيه الإيراني القائد الروحي لحزب الله، ومموله. فالشرخ الذي أحدثته الثورة السورية بين حزب الله وإيران والنظام السوري وحماس لا يمكن أن يتجاوز بسرعة، وإذا كان العدوان على غزة أظهر الشماتة المبطنة من هذا المحور تجاه حماس فإنه يعكس حقيقة موقفه منها ومن القضية الفلسطينية برمتها، وأنه يتبنى القضية الفلسطينية في خطابه ما دامت تتوافق مع مشروعه الخاص، وعند تخييره بين مصالحه ممثلة في المشروع الإيراني وبين القضية الفلسطينية فإن الحزب لا شك سيولي وجهه شطر إيران.

 وأي محاولة من حماس لتقترب أكثر من هذا المحور لن تصل لحد التغطية والموافقة على جرائمه في المنطقة فستبوء بالفشل بكل تأكيد.

وعلى هذه الأساس فلا يتوقع أن تتحسن العلاقة بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله هو الآخر لا يستطيع الخروج عن المشروع الإيراني وهو مشروعه الحقيقي.

ورغم المحنة الصعبة فإن حماس استفادت كثيرا من توقف الدعم لها من طرف حلفائها فضلا عن أعدائها، حيث عزز ذلك ثقافة الاعتماد على النفس في رسم الاستراتيجيات والمضي قدما في مشروعها المقاوم الذي يعمل في اتجاهي تحرير فلسطين والأمة على حد سواء([15]).

 

 



[1] - المفارقة أن المالكي، وهو الذي جاء على ظهر الدبابة الأمريكية، ووصل السلطة في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وتراوحت عمالته بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، يصبح في الخطاب الشيعي مقاوما، ويصنف ضمن محور الممانعة، وهو الذي لم يطلق رصاصة واحد ضد المحتل، وهذا يعكس حجم الاختلالات والتناقضات والدجل الذي يعاني منه الخطاب الشيعي. 

[2] - سلطان العامر، نحو مقاربة جديدة تجاه «حماس»، الحياة، 22/06/2014، على الرابط:

http://alhayat.com/Opinion/Sultan-El-Amer/3719561/%D9%86%D8%AD%D9%88-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%C2%AB%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3%C2%BB

[3]- حزب الله اتخذ قراره: سقوط المقاومة في غزة ممنوع مهما كان الثمن!، موقع جنوب لبنان، 23/07/2014، على الرابط: http://www.southlebanon.org/archives/119739

[4]- المرجع نفسه.

[5]- المرجع نفسه.

[6] - عريب الرنتاوي، العدوان على غزة من المنظور الإقليمي، جريدة الدستور، 11/07/2014، على الرابط:

http://www.addustour.com/17273/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%86+%D8%B9%D9%84%D9%89+%D8%BA%D8%B2%D8%A9+%D9%85%D9%86+%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A.html

[7]- لجان المقاومة الفلسطينية: حلفاؤنا في إيران وحزب الله شركاؤنا في المعركة، كيهان، 08/08/2014، على الرابط:

http://kayhan.ir/ar/news/4811

[8]- الحرب على غزة تحرج قيادة حزب الله، العرب، 30/07/2014، على الرابط:

http://www.alarab.co.uk/?id=29094

[9]- حماس تطالب حزب الله بفتح جبهة ثانية من جنوب لبنان، الشروق الجزائرية،2014/07/31، على الرابط:

http://www.echoroukonline.com/ara/articles/212039.html

[10]- العدو «علق» في غزة... وانتصار المقاومة الفلسطينية يؤخّر أيّ عدوان على لبنان، 14/08/2014، على الرابط:

http://www.al-akhbar.com/node/213548

[12] - لم يخلُ خطاب نصر الله ولم يخرج عن هذا المضمون حيث أرجع ما تشهده المنطقة حالياً من تدمير للشعوب والجيوش والدول وتفكيكها والمستهدف هو فلسطين. وأكد أن سوريا كانت الجدار المتين وستبقى في وجه المشروع الصهيوني، كما أعرب عن خشيته من أن يكون تدمير المقامات ومراقد الأنبياء في العراق تمهيداً لتدمير المسجد الأقصى.

[13] - ربيع الحسن، ماذا وراء طلب حماس من حزب الله فتح جبهة جنوب لبنان؟، رأي اليوم، 2/8/2014، على الرابط: http://www.raialyoum.com/?p=130573

[14] - عريب الرنتاوي، مرجع سابق.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: