سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وثلاثون - شوال - 1435 هـ
عمر بن عبد العزيز يحاور الخوارج
السبت 26 يوليو 2014

  د. عمر الأشقر رحمه الله([1])

 

 

رحم الله عمر بن عبد العزيز فقد كان – والله – آية من آيات الله، وقد اشتهر – رحمه الله – بالعدل ورفع المظالم وردّ الأمر إلى نصابه، وقد كان رحمه الله يملك مواهب مختلفة وصفات نادرة لا يعلمها كثير من الناس، فمن ذلك غزارة علمه، وقوة حجته، روى ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة (ص 99) أن خوارج خرجت بالحيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهم عمر رسولاً وبعث معه كتاباً، فأرسلوا إلى عمر رجلين، فلما جاءا عمر وجلسا إليه قال لهما: ما الذي أخرجكم علينا؟ فقال الذي نصب نفسه للجواب: إننا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك، ولكن بيننا وبينك أمر، هو الذي يجمعنا ويفرق بيننا، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن لم تعطنا فلسنا منك، ولست منا.

فقال عمر: فما هو؟

فقال: خالفت أهل بيتك، وسميتهم الظلمة، وسميت أعمالهم المظالم، فإن زعمت أنك على الحق، وأنهم على الباطل، فالْعنهم وتبرأ منهم.

فقال عمر: إنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم، وتركتم الحق، أخبراني عن الدين أواحد أو اثنان؟

قالا: بل واحد.

قال: أفيسعكم في دينكم شيء يعجز عني؟

قالا: لا.

قال: فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكما؟

قالا: أفضل الناس أبو بكر وعمر.

قال: ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدّت العرب، فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، وسبى الذرية؟

قالا: بلى.

قال: عمر، فلما توفي أبو بكر وقام عمر، ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهم، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولعنه بخلافه إياه؟

قالا: لا.

قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما؟

قالا: نعم.

قال عمر: فما تقولان في بلال بن مرداس؟

قالا: من خير أسلافنا.

قال: أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافّاً عن الدماء والأموال، وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى؟

قالا: لا.

قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما؟

قالا: نعم.

قال عمر: فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمرّوا بعبد الله بن خباب، فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدلوا على قوم من بني قطيفة، وأخذوا الأموال، وغلوا الأطفال في المراجل، ثمّ قدّموا على أصحابهم من الكوفة، وهم كافون عن الدماء والفروج والأموال، هل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى؟

قالا: لا.

قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما؟

قالا: نعم.

فقال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، ولا لعن بعضهم بعضاً، وأنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم، فهل وسعكم في دينكم ذلك، ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم؟

ثم قال: أخبراني عن اللعن، فرض على العباد؟

قالا: نعم.

فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون؟

قال: ما لي به من عهد منذ زمان.

قال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر، ليس لك عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي.

ثم قال لهم: ألستم أنتم الذين تؤمنون من كان رسول الله يخيفه، وتخيفون من كان رسول الله يؤمنه؟

فقالا: نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة.

قال: بلى فسأخبركما عن ذلك، ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر، فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله، فمن أبى قاتله وخوفه، ومن أقرّ بهما أمنه وكفّ عنه، وأنتم – اليوم – من مرّ بكم يقرّ بهما قتلتموه، ومن لم يقرّ بهما أمنتموه، وخليتم سبيله.

فقال أحد الرجلين: ما رأيت حجيجاً (أي محاجاً قوي الحجة) أقرب مأخذاً، ولا أوضح منهاجاً منك، أشهد أنك على الحق، وأنا على الباطل.

وقال الآخر: لقد قلت قولاً حسناً، وما كنت لأفتات على أصحابي حتى ألقاهم، فلحق بأصحابه، وأقام الآخر عند عمر، فأجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده.

رحم الله عمر بن عبد العزيز، فلقد كان غزير العلم، وقوي الحجة، ولقد قوّى حجتَه إنصافُه وعدلُه، وسيرته الزكية الطيبة، فلم يجد خصومُه فيه منفذاً، ولا وجدوا في كلامه مطعناً، وإنّما يضيق صدر المخاصم بسبب قلة علم، أو عقدة لسان، أو سيرة ظالمة يخشى صاحبها أن يفضحه خصومه.



[1] - من كتابه: جولة في رياض العلماء.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: