نظرة على الأبعاد الدولية لعملية اختفاء المستوطنين في الخليل
السبت 28 يونيو 2014

 محمود الرنتيسي - ساسة بوست 21/6/2014  

 

جاءت عملية اختفاء ثلاثة مستوطنين في مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة مساء يوم الخميس 12/6/2014  في توقيت ضاعف إرباك للحكومة الإسرائيلية بكافة أجهزتها وأذرعها  المختلفة.

البيئة الدولية قبل العملية

قبل الإعلان عن اختفاء المستوطنين الذي يعتقد أن أحدهم على الأقل جندي في جيش الإحتلال الإسرائيلي، كانت الحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيش حالة غير مستقرة في علاقاتها مع الولايات المتحدة بسبب تعنت نتنياهو وعرقلته لعملية التسوية مع السلطة الفلسطينية من خلال رفضه إطلاق دفعة الأسرى المتفق عليها مع الرئيس الفلسطيني ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

ويضاف لما سبق القرار الإسرائيلي بمقاطعة حكومة التوافق الفلسطينية التي رحبت بها الإدارة الأمريكية والاتحاد الاوروبي وإعلان نتنياهو إحباطه الشديد من الموقف الأمريكي بالرغم من أن الموقف الأمريكي جاء مشروطا بتوافق سلوك الحكومة مع متطلبات المجتمع الدولي الغاضب من إسرائيل تحديدا في ملف استمرار الاستيطان، وقد وصل الأمر لدرجة أن النائب في الكنيست شيلي يحيموفيتش  قالت أن حكومة إسرائيل ” فقدت رباطة جأشها وأعلنت الحرب على الولايات المتحدة”.

ومن القضايا التي أثيرت أيضاً قبيل الحادثة مستقبل علاقة الولايات المتحدة مع حركة حماس وهل ستظل على قائمة الإرهاب لدى الإدارة الامريكية، إلا أن جون كيري أعلن من بيروت أن الإدارة الأمريكية تنظر لحماس على أنها إرهابية لرفضها شروط الرباعية وسعيها لتدمير إسرائيل.

من جهة أخرى كانت جهات فلسطينية قد أطلقت حملة دولية لمناصرة الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام والذين تجاوز إضرابهم حتى اللحظة أكثر من 50 يوماً وقد اتخذت الحملة شعار ( # ماء وملح )، وقد لاقت الحملة صدى دوليا واسعا حتى أن مفوضة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي كاثرين آشتون قد أعلنت أن الإتحاد الأوروبي يتابع باهتمام تدهور الظروف الصحية للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وأن الإتحاد الأوروبي قلق من استخدام اسرائيل المفرط للاعتقال الإداري.

توافق مع ما سبق قيام مجموعة من سفراء الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ومجموعة عدم الانحياز والمجموعة العربية بمحاولة بذل جهد دبلوماسي لمنع ترشح إسرائيل لمنصب نائب اللجنة السياسية الخاصة بإنهاء الاستعمار التابعة للهيئة العامة للأمم المتحدة.

وكتلخيص للأجواء الدولية قبل العملية فإن إسرائيل كانت تعيش حالة عميقة من العزلة الدولية بسبب تعنتها وعدم اكتراثها خصوصاً للجهود الدولية التي تقوم بها الولايات المتحدة لتحقيق التسوية.

نظرة على التحركات الدولية بعد العملية

بعد تأكد الحكومة الإسرائيلية من اختفاء المستوطنين الثلاثة وتزايد شكوكها بأن جهات فلسطينية تقف خلف العملية قامت بسلسلة من التدابير والخطوات سنتطرق ونقف عند ما يتعلق بالبعد الدولي منها:

1- قامت الحكومة الإسرائيلية مباشرة بتنبيه السفارة الأمريكية بخصوص اختفاء المستوطنين خاصة أن أحدهم يحمل الجنسية الامريكية.

2- قام نتنياهو بالاتصال بوزير الخارجية الأمريكي محملاً المسؤولية للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومؤكداً أن العملية هي ثمرة لحكومة التوافق بين فتح وحماس.

3- قام كيري بالاتصال بالرئيس الفلسطيني أكثر من مرة من أجل حثه على بذل أكبر جهد ممكن في عملية البحث عن المستوطنين، ويذكر في هذا أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتلقى دعمها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

4- ذكرت مصادر صحفية إسرائيلية أن اتصالات إسرائيلية مصرية أجريت لمتابعة القضية ، فيما ذكرت صحيفة الشروق المصرية أن طائرات مروحية إسرائيلية تواجدت على الحدود المصرية لمنع نقل محتمل للمستوطنين إلى سيناء.

5- ذكرت صحيفة هآرتس أن هناك احتمالية لنقل المستوطنين إلى الأردن في تعقيب على قرار منع سلطات الاحتلال للفلسطينيين من السفر إلى الأردن عبر معبر الكرامة.

6- قال وزير الشئون الاستخباراتية  يوفال شتاينتس بعد إعلان نتنياهو أن حركة حماس هي من تقف خلف العملية بالرغم من نفي حماس لذلك أن وقوف حماس خلف العملية يعكس أهمية الشراكة مع العالم العربي في مواجهة الإخوان المسلمين، فحماس جزء من الإخوان التي يعاديها النظام الرسمي العربي، وهذا برأيه يستدعي أوسع آليات التنسيق.

7- وزير الخارجية الإسرائيلي يتلقى انتقادات واسعة من الجمهور الإسرائيلي بسبب تواجده في جولة إفريقية في ساحل العاج وتغيبه عن الاجتماعات الطارئة للحكومة فضلاً عن ظهوره بملابس تقليدية أفريقية، لكن بالرغم من ذلك يصرح ليبرمان عبر إذاعة الجيش أنه لن تعقد صفقة جديدة للتبادل مع الجانب الفلسطيني.

8- مبعوث الأمم المتحدة روبرت سيري يعرض المساعدة في حل قضية المستوطنين التي تقول إسرائيل أن حماس وراء اختفائهم. مُبيناً أن الأمم المتحدة على استعداد للعب دور في حل الموضوع إذا تطلب الامر، ومع عدم اعتقاده بوجود علاقة بين حكومة التوافق واختفاء المستوطنين ، أكد أنه إذا تبين أن حماس وراء العملية فإن ذلك يُعد تطوراً خطيرا،ً ومما يذكر هنا أن سيري كان قد أبدى اشمئزازه في مرات سابقة من اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين، كما حذر من تقويض إسرائيل لجهود السلام من خلال عدم تجميدها لعملية الاستيطان.

9- أشارت صحيفة يديعوت أحرنوت إلى عدم اهتمام الإعلام الدولي بحادثة اختفاء المستوطنين، حيث كتبت:  “عملية الخطف ليست في الأخبار الأوروبية”

10-  طالب آلاف الناشطين الإسرائيليين بعودة المستوطنين من خلال صور رفعوا فيها لافتات كتب عليها ” أعيدوا أبنائنا” أو ” الحياة في ظل الارهاب” في محاولة لربط الأمر بنجاح الاحتجاج الذي تم لإطلاق المختطفات في نيجريا والذي استخدم عبارة ” أعيدوا بناتنا”  ولاقى قبولا وانتشارا عالميا حتى أن زوجة الرئيس أوباما قد حملت صورا لحملة نيجيريا، وفي مقابل هذا استخدم ناشطون فلسطينيون نفس الشعار لحملة مضادة للتذكير بمعاناة 5000 من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

النتائج الأولية على الصعيد الدولي

1- عدم ظهور قبول دولي لموقف الحكومة الإسرائيلية بوجود علاقة بين اختفاء المستوطنين أو أسرهم وبين تشكيل حكومة التوافق، وبالتالي عدم قبول فرض عقوبات عليها، وهنا يشار إلى علاقة ذلك باستياء أمريكي ودولي من تعنت حكومة نتنياهو في عدة ملفات مؤخراً.

2- وضوح متانة التنسيق الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل الحفاظ على أمن الأخيرة بالرغم من توتر العلاقات السياسية مؤخراً.

3- تشويش العملية على جولة ليبرمان الأفريقية من أجل الحصول على مقعد في الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، فضلا عن لفت الأنظار إليها.

4- محاولة الحكومة الإسرائيلية استثمار الحادثة للظهور بمظهر الضحية ولإثبات خطأ المجتمع الدولي في القبول بحكومة التوافق، لدرجة أن بعض المحللين وضع سيناريو احتمال أن تكون الحكومة الإسرائيلية هي من قامت بفبركة الحادثة أصلاً.

5- محاولة إسرائيل إستثمار عداء بعض الانظمة العربية كمصر لحركات “الإسلام السياسي ” من أجل تعزيز التعاون المشترك معها.

6- عدم اهتمام أوروبي كبير بالحادثة وهذا يرجع لاستياء أوروبا من المواقف الإسرائيلية مؤخراً وربما لعدم اتضاح كافة خيوط وتفاصيل القضية.

7- تشير المعطيات أن البيئة العربية المفككة من العراق لسوريا لمصر غائبة عن المشهد ومنشغلة بتفاصيلها الداخلية عن القضية الفلسطينية.

8- وجود تخوف دولي من تهاوي عملية التسوية إلى وضع أسوأ مما هو عليه حالياً.

9- وجد استياء فلسطيني شعبي من إشادة الخارجية الأمريكية بالتعاون الاستخباري بين الأجهزة الفلسطينية والإسرائيلية .

نظرة مستقبلية

في حال ترجيح وقوف المقاومة الفلسطينية خلف عملية اختفاء المستوطنين فيمكننا الحديث عن النقاط التالية:

1- ستركز الولايات المتحدة على الوقوف داعمة لإسرائيل في خطواتها الأمنية والميدانية لحل الأزمة، خاصة مع اقتراب التجديد النصفي للكونجرس الامريكي، وربما تصعد من لهجتها تجاه حركة حماس، لكن ستبقى الإدارة الأمريكية على موقفها من عملية التسوية.

2- ربما يؤدي اللوم الإسرائيلي المفرط للسلطة الفلسطينية إلى توجه الأخيرة لرفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية، خاصة مع السخط الدولي من مواقف إسرائيل العنجهية.

3- في حال ثبت وقوف المقاومة الفلسطينية خلف العملية ستكون نقطة حاسمة في مسار الصراع وربما تكون شرارة انطلاق انتفاضة ثالثة وهذا يتوقف على ردود الأفعال، ومع هذا اشارة لاحتمالية تعثر حكومة التوافق الفلسطينية خاصة مع استياء غالبية الشعب الفلسطيني من عملية التنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة وأجهزة الاحتلال.

4- ربما تؤدي العملية إلى فتح قنوات التواصل مجدداً بين حماس ومصر كوسيط تفاوضي كما حدث في صفقة التبادل في 2011، وربما تدخل تركيا أو قطر على خط التفاوض خصوصاً مع وجود زعيم حماس خالد مشعل على أراضيها.

ختاماً ينبغي التحرك دولياً على الصعيد الفلسطيني من أجل العمل على تعميق العزلة الدولية لإسرائيل والتركيز على إظهار التجاوزات الإسرائيلية تجاه 5000 أسير فلسطيني وتوضيح ذلك للرأي العالمي، والتأكيد على أحقية الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه وأرضه ومواجهة الاحتلال.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: