سطور من الذاكرة\العدد مائة واربعة وثلاثون - شعبان - 1435 هـ
الوجه الآخر - 7- محمد باقر الصدر
الجمعة 30 مايو 2014

 إعداد: هيثم الكسواني - كاتب أردني

 

خاص بالراصد

ارتبط اسم محمد باقر الصدر لدى القارئ السُّني بكتابيه الشهيرين: "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، اللذين ألفهما في مطلع شبابه، ورأى فيهما الكثيرون دفاعا عن الإسلام ونظامه السياسي والاقتصادي، وتفنيدا للمذاهب والأفكار المنحرفة، وعلى وجه الخصوص الشيوعية والماركسية، ورأوا في الصدر مفكرا إسلاميا جادا وملتزما، منافحا عن الإسلام ومبتعدا عن الطائفية.

لكن الصورة السابقة ليست كل الصورة، إذ أن ثمة الكثير مما يمكن قوله في مسيرة الصدر، والمراحل الفكرية المختلفة التي مرّ بها، وآرائه المتطرفة، خاصة ما يتعلق منها بمهدي الشيعة المنتظر والإمامة وولاية الفقيه والصحابة وحادثة فدك، وهو ما نحاول تناوله في هذه الحلقة من هذه السلسلة.

أولا: حياته ونشأته

وُلد المرجع الشيعي العراقي محمد باقر الصدر في مدينة الكاظمية، قرب بغداد، في سنة 1353هـ، (1935م)، وتوجّه منذ صغره لدراسة العلوم الدينية، لا سيما وأنه ينحدر من أسرة الصدر، التي تبوأ عدد من أفرادها مكانة بارزة في هذا المجال (ومنهم والده حيدر، وجده إسماعيل الصدر)، إضافة إلى أن أسرة والدته (آل ياسين) برزت، هي الأخرى، في المجال الديني.

وعندما بلغ محمد باقر الثانية عشرة من عمره تقريبا توجه إلى النجف للدراسة في حوزتها، وهناك تتلمذ، على وجه الخصوص، على يد خاله محمد رضا آل ياسين وأبي القاسم الخوئي. ومِمّن زاملهم الصدر في تلك الفترة: اللبناني محمد حسين فضل الله، الذي سيصبح فيما بعد أحد مراجع الشيعة البارزين.

ثانيا: المراحل الفكرية التي مرّ بها

يمكن القول بأن محمد باقر الصدر مرّ خلال حياته بمرحلتين فكريتين مختلفتين:

المرحلة الأولى:

تلك التي كان الصدر فيها يدافع فيها عن النظام السياسي والاقتصادي للإسلام، ويحارب الأفكار الفاسدة كالشيوعية والرأسمالية، حيث نشر الصدر في تلك الفترة كتابيه الشهيرين "فلسفتنا" و"اقتصادنا" في عامي 1959 و 1961([1])، بحيث كان الصدر في تلك الفترة يكتب عن الإسلام ويفكر فيه أكثر من تفكيره ونصرته لمذهبه الشيعي (رغم أن بعض كتاباته الطائفية صدرت في تلك المرحلة).

وتميز الصدر في تلك الفترة بانفتاحه على الفكر السني، خاصة فيما يتعلق بموضوع الشورى، ففي نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، أسس الصدر (مع مجموعة منهم: عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي ومحمد مهدي الحكيم وطالب الرفاعي) حزب الدعوة الإسلامية، الذي يوصف بأنه أول حزب إسلامي شيعي ثوري([2])، حيث اختلف حزب الدعوة عن الأحزاب السياسية الشيعية السابقة في التخطيط لاستلام السلطة، وليس العمل من أجل حقوق الطائفة الشيعية أو بعض الأمور الإصلاحية([3]).

كان الفكر الشيعي حول السلطة والحكم والدولة في ذلك الوقت يتمحور حول نظرية "الانتظار" التي يؤمن أصحابها بوجوب انتظار الإمام المهدي المنتظر، ويرون حرمة قيام أي دولة للشيعة في عصر الغيبة، وكانت حوزة النجف - إجمالا- مؤيدة للانتظار.

من جانب آخر، لم تكن نظرية "ولاية الفقيه" التي انتقدت تقاعس فقهاء الشيعة عن تأسيس الحكومات وقيادتها، والاكتفاء بانتظار المهدي، قد تبلورت بشكلها النهائي بعد، فالمرجع الشيعي الإيراني روح الله الخميني الذي يُعتبر أبرز الداعين إلى ولاية الفقيه، والذي جسدها عمليا بقيادته للثورة الإيرانية ضد نظام الشاه، وتولّيه منصب المرشد أو الولي الفقيه بعد نجاح الثورة وتأسيس الجمهورية في سنة 1979م، بدأ يطور نظريته حول ولاية الفقيه بعد تسفيره من إيران إلى العراق في سنة 1963م، بعد أن قاد انتفاضة ضد نظام الشاه([4]).

وإزاء ذلك، وجد محمد باقر الصدر وأصحابه أن الفكر الشيعي عموما لا يلبي طموحهم بإنشاء حزب يستلم السلطة ويؤسس دولة، فقد كان ملاحَظا انضمام الشيعة لبعض الأحزاب والجماعات السنية كجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وكان هؤلاء الشيعة يعتمدون في الأمور السياسية والحركية والفكرية اعتمادا شبه كامل على كتابات وآراء المفكرين الإسلاميين من أهل السنة مثل حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي وتقي الدين النبهاني، "وكانت الكتابات الفكرية للشيخ البنا وسيد قطب، خصوصاً، هي التي قدمت المصدر الأكبر للعقيدة والمناقشة عند الإسلاميين من الشيعة. وكانت أفكارهما هي التي شاركت مشاركة فعالة في تكوين نظرتهم إلى الحياة والعالم من حولهم، وهي النظرة التي قام بتهذيبها السيد باقر الصدر والسيد فضل الله وغيرهما في ما بعد"([5]).

تأسس حزب الدعوة على مبدأ الشورى والانتخابات، وقد لعب الصدرُ دورا كبيرا في تأصيل هذه النظرية في داخل الحزب، حين وضع الأسس الفكرية والخطوط العامة، فقد جاء في (الأساس السادس) أن شكل الحكم في الإسلام في عصر الغيبة يقوم على قاعدة الشورى لقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) حيث لا يوجد نص من قِبل الله ورسوله، وأن الشورى في عصر الغيبة شكل جائز من الحكم...([6]).

وبسبب أفكاره تلك، لقي الصدر معارضة شديدة من علماء الشيعة، واتهمه بعضهم بأنه أصبح سنيا، وبالوهابية، على اعتبار أن الشورى نظرية سنية في مقابل نظرية النص الشيعية الإمامية([7]).

وكان الصدر قد كتب رسالة حول آية الشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ودلالتها على الحكم الإسلامي ووجّهها إلى شيوخه ومراجع الحوزة الكبار مثل الخوئي وحسين الحلي وخاله مرتضى آل ياسين، لكنهم جميعا أنكروا دلالة الآية على الحكم الإسلامي، ما ولّد لدى الصدر أزمة فكرية تحدث عنها في رسالة وجهها إلى تلميذه محمد باقر الحكيم في سنة 1960م، قائلا إنه يتوسل إلى الله أن يعرّفه على حقيقة الموضوع، ويوفقه إلى حل الإشكال المتعلق بدلالة آية الشورى، ولذلك فإن حالته النفسية لأجل هذا مضطربة وقلقة غاية القلق([8]).

المرحلة الثانية:

ويبدو أن باقر الصدر فضّل ألا يسبح عكس تيار الشيعة، وألا يخالف بني قومه ومراجعَه، إذ أن رفض مراجع الشيعة لأفكاره المتعلقة بشكل الحكم جعله لا يذهب بعيدا في موضوع الشورى والفكر السني، لتبدأ في حياته مرحلة فكرية جديدة، انحاز فيها للتشيع والطائفة.

ولأن المبرر الذي قام عليه حزب الدعوة، وهو تأسيس الدولة الإسلامية، لم يعد موجودا، فقد انسحب الصدر من الحزب الذي ساهم في تأسيسه وصاغ مبادئه وأفكاره، حيث يقول محمد باقر الحكيم: "إن السبب في خروجي وخروج الصدر من الحزب كان هو الإشكال الشرعي"([9]).

وفيما يلي بيان لبعض الأفكار والعقائد التي تبناها الصدر في تلك المرحلة، مع التأكيد على أن بعضها تبناها في فترات سابقة، إذ أن بعض مؤلفاته كتبها في طفولته وشبابه:

1- موقفه من الصحابة:

يطعن الصدر في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ويصورهم بأبشع الصفات، وخاصة الصديق رضي الله عنه، ففي كتابه (فدك في التاريخ) يزعم الصدر أن أبا بكر انتزع من آل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، وأنه كان يخشى من أن ينفق عليٌّ رضي الله عنه من حاصلات أرض فدك أو غير فدك في الدعوة لنفسه، زاعما أيضا أن الصديق اتخذ المال وسيلة للإغراء وكسب الأصوات([10]).

ويَعتبر الصدر أن خلافة أبي بكر غير شرعية، ويصفها بأنها "خلافة لم تباركها السماء، ولا رضي بها المسلمون"(([11]، كما يعتبر أن الخير والعدل والحق الذي كان عليه الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان إنما أُضطروا إليه خشيةً من الرأي العام المتمسك بالإسلام وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يمثله عليٌّ([12]).

2- عقيدته في المهدي المنتظر:

يتبنى الصدر عقيدةَ الشيعة في إمامهم الثاني عشر، المهدي المنتظر، ويدافع عن الروايات التي تتحدث عن خروجه، وقتله لمخالفيه، وإبادته للعرب، وغير ذلك من الطامات، ففي كتابه "تاريخ ما بعد الظهور" الذي خصصه لرسم الصورة التي يكون عليها المهدي المزعوم، وكيف سيستولى على العالم، ويقيم (الدولة الإلهية العادلة)، يقول: "إن المهدي سوف يضع السيف في كل المنحرفين الفاشلين في التمحيص ضمن التخبط السابق للظهور فيستأصلهم جميعاً"([13]). ومعنى قوله الفاشلين في التمحيص: أي الذين لم يكونوا على عقيدة المهدي قبل ظهوره.

 

ويقرر الصدر عدداً من الروايات الشيعية في هذا الصدد مفادها: أن المهدي هذا يبيد العرب جميعاً، ويحل دماء سبعين قبيلة منهم، ويبدأ بقريش فيقتلهم، ويخص بني شيبة فيقطع أيديهم، ويعلقها على الكعبة، ولا يعطي العرب إلا السيف، ولا يستتيب أحداً، وأنه يقدم للموت من قريش خمسمائة فخمسمائة، وأنه لا يزال يفعل بذلك فيهم حتى يأتي على آخرهم، وأنه لا يسير بهدي الرسول مع المخالفين، وبسنة علي بن أبي طالب معهم؛ لأنهما سارا باللين والمسايسة([14]).

وأما هو فمأمور بالقتل والإبادة، وأنه يذبحهم كما يذبح الجزار شاته، وأن كل من كان قبل ظهور المهدي من المكذبين أو الشاكين فيه، سيقتله المهدي، ولا يستتيبه، ولا يقبل عذره، وأنه لا يسير مع المهدي، ولا يكون من أنصاره إلا من يباشر القتل معه، وتحت قيادته وأن هؤلاء سيعطي كلاً منهم قوة أربعين رجلاً، وأنهم لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله([15]).

ويقول محمد الصدر نصاً: "سيكون هذا الاجتثاث أو القتل هو أول خطوة رئيسية في التطبيق العادل الذي يهدف إليه التخطيط الإلهي لما بعد الظهور"([16]).

ويقول أيضاً: "إن سياسة القتل هذه ليست لمجرد الانتصار العسكري، بل هي أساس التطبيق العادل، وإقامة دولة الحق؛ ولأجل ذلك فإن المهدي سيقتل الناس، وإن لم يقاتلوا ويرسل إلى الرجل المنعزل في بيته فيقتله"([17]).

3- عقيدته في الإمامة:

يرى الصدر – كبقية الشيعة- أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّب عليًّا إماما من بعده، ويعتبر أن ترك الأمر بلا وصية "سلبية لا يمكن افتراضها في النبي"([18]). كما اعتبر الإمامة امتدادا للنبوة([19]).

4- موقفه من إيران وولاية الفقيه

وجد الصدر ضالته في الثورة الإيرانية، فأخذ يكيل المديح لها ولقائدها الخميني، فبعد نجاح الثورة في سنة 1979م، كتب الصدر إلى الخميني رسالة يقول له فيها: "نتطلع بشوق إلى مزيد من الانتصارات الحاسمة، ونضع كل إمكانياتنا بخدمة كيانكم العظيم"([20]).

وتبنى الصدر ولاية الفقيه على النحو الذي تبناه الخميني، فبعد انسحابه من حزب الدعوة([21])، عدل عن الشورى لصالح ولاية الفقيه، وتعززت الفكرة لديه بعد نجاح ثورة الخميني، علما بأن الصدر كان يرفض، في مرحلة مبكرة من عمره، فكرة الانتظار للمهدي المنتظر، ويدافع عن شرعية قيام السلطة في عصر الغيبة.

وهو كان يقول: "إن المرجع الشهيد معيّن من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص، ومِن قِبل بالأمة بالشخص، وإنه يمثل خط الخلافة الذي كان يمارسه الشهيد المعصوم"([22]) ... وبناء على هذا صاغ الصدر دستور الجمهورية الإيرانية الذي أكد فيه على "أن المرجعية امتداد للإمامة كما كانت هي –بدورها- امتداد للنبوة، وأنها تقوم على مبدأ النيابة العامة للمجتهد المطلق العادل الكفؤ عن الإمام، وفقاً لقول إمام العصر عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) فإن هذا النّص يدل على أنهم المرجع في كل الحوادث الواقعة،.."([23]).

 



[1] - جمال سنكري، مسيرة قائد شيعي (السيد محمد حسين فضل الله)، دار الساقي، الطبعة الأولى، 2008م، ص 135، وإسحاق نقاش، شيعة العراق، دار المدى، دمشق، الطبعة الثانية، 2003م، ص 242.

[2] - جمال سنكري، مصدر سابق، ص 41.

[3] - أحمد الكاتب، الشيرازي: المرجعية في مواجهة تحديات التطور، منشورات الزمان، لندن، الطبعة الأولى، أيار/ مايو، 2002م، ص 45.

[4] - أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، عمّان، 1997م، ص 415.

[5] - جمال سنكري، مصدر سابق، ص 88.

[6] - أحمد الكاتب، الشيرازي، ص 45.

[7] - المصدر السابق نفسه.

[8] - المصدر السابق، ص 46.

[9] - المصدر السابق نفسه. لكن هناك من يرى بأن انسحاب الصدر من الحزب كان بسبب تطلعه إلى المرجعية، إذ تقضي الأعراف الشيعية أن على من يطمح إلى الوصول إلى المرجعية الابتعاد عن القضايا السياسية، وتجنب الانتساب إلى منظمة أو حزب (سنكري، ص 149).

[10] - د. طه الدليمي، العلوي وكتابُه عمر والتشيع، عمّان، الطبعة الأولى 1428هـ، 2007م، ص 104.

[11] - المصدر السابق، ص 104 – 105.

[12] - المصدر السابق، ص 105.

[13] - منذر بن عبدالله الشريف، المخطط الإجرامي لإبادة أمة الإسلام، ص 31، نسخة إلكترونية، الطبعة الأولى، 1429هـ، 2008م.

[14] - المصدر السابق نفسه.

[15] - المصدر السابق، ص 32.

[16] - المصدر السابق نفسه.

[17] - المصدر السابق نفسه.

[18]- رشيد الخيون، الأديان والمذاهب بالعراق، منشورات الجمل، ألمانيا، الطبعة الأولى، 2003م، ص 231.

[19]- أحمد الكاتب، الشيرازي، ص 48.

[20] - جمال سنكري، مرجع سابق، ص 268.

[21]- ثمة من يرى أن انسحاب الصدر من الحزب وإصداره فتوى بحرمة الانضمام إليه كان بسبب التضييق الأمني الذي مارسه عليه النظام البعثي في العراق، إضافة إلى تبنيه لفكرة (المرجعية الصالحة) التي تشترط استقلال طلاب العلوم الدينية عن الدائرة الحزبية (أحمد الكاتب، الشيرازي، مرجع سابق، ص 47، وجمال سنكري، مرجع سابق، ص 149، و ص 268).

[22] - أحمد الكاتب، الشيرازي، مرجع سابق، ص 48.

[23] - المصدر السابق نفسه.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: