سطور من الذاكرة\العدد مائة واربعة وثلاثون - شعبان - 1435 هـ
ابن عباس يحاور الخوارج
الجمعة 30 مايو 2014

 د. عمر الأشقر رحمه الله(

[1])

أثناء الحرب التي دارت بين علي ومعاوية، خرج فريق كفر علياً ومعاوية وجاؤوا بأمور لم تكن معروفة من قبل، وذهب ابن عباس إليهم ليوضح الحق، ويكشف الشبهة. قال ابن عباس: دخلتُ عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل (ثفن الإبل: ما يقع على الأرض من الإبل كالركبتين)، عليهم قمص مرحضة (المرحضة: المغسولة)، فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلّة التي عليك؟

قال: قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، قال: ثم قرأت هذه الآية: (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (سورة الأعراف: 32).

فقالوا: ما جاء بك؟

قال جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم، وأبلغهم عنكم.

فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً، فإنّ الله يقول: (بل هم قوم خصمون) ( سورة الزخرف: 58).

فقال بعضهم: بلى فلنكلّمه، قال: فكلّمني منهم رجلان أو ثلاثة.

قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟

قالوا: ثلاثاً.

فقلت: ما هنّ؟

قالوا: حَكّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: (إن الحكم إلا لله) ( سورة الأنعام: 57).

قال: هذه واحدة، وماذا أيضاً؟

قالوا: فإنّه قاتل، فلم يسْب، ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم، ولئن كانوا كافرين، لقد حلّ قتالهم وسبيهم.

قال: قلت: وماذا أيضاً؟

قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.

قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم هذا، أترجعون؟

قالوا: وما لنا لا نرجع!!

قال: قلت: أمّا قولكم: (حكّم الرجال في أمر الله فإنّ الله قال في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم) (سورة المائدة: 95). وقال في المرأة وزوجها: (وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) (سورة النساء: 35) فصيّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله! أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين، وفي إصلاح ذات بينهم أفضل، أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم؟ وفي بضع امرأة؟

قالوا: بلى، هذا أفضل.

قال: أخرجتم من هذه؟

قالوا: نعم.

قال: وأمّا قولكم: (قاتل ولم يسْب، ولم يغنم) أتسْبون أمّكم عائشة؟

فإن قلتم: نسبيها، فنستحلّ ما نستحلّ من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمّنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟

قالوا: بلى.

قال: وأمّا قولكم: (محا نفسه من إمرة المسلمين) فأنا آتيكم بمن ترضون، إنّ نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله)، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم إنك رسول الله، ولو نعلم إنك رسول الله ما قاتلناك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنك تعلم أني رسولك، يا عليّ اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو)([2]).

لقد كان ابن عباس بحراً زخّاراً، كشف الشبهة ودحضها، وأتى بالأدلة البينة من الكتاب والسنة، ولقد أثمرت جهوده فرجع منهم عن باطلهم ألفان.

وما أحوج المسلمين اليوم إلى علماء أمثال ابن عباس، كي يقارعوا أهل الباطل، ويكشفوا عن شبهاتهم، ويوضحوا الطريق الحق، وفي الأمة بقية خير، والله غالب على أمره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

 



[1] - من كتابه: جولة في رياض العلماء.

[2]- انظر الاعتصام للشاطبي 2/187.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: