فرق ومذاهب\العدد مائة واربعة وثلاثون - شعبان - 1435 هـ
مجمع التقريب بين المذاهب .. الشيطان يكمن في التفاصيل
الجمعة 30 مايو 2014

 

 معتز بالله محمد – كاتب مصري

خاص بالراصد

تأسس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية عام 1990م على يد علي خامنئي مرشد الثورة الإيرانية، وكان هدفه المعلن محاولة التوفيق بين المذاهب الإسلامية وتعزيز نقاط التلاقي، ونبذ الفرقة، لكن ثمة اتهامات للمجمع باستخدام هذه الورقة غطاءً لنشر المشروع الشيعي في المنطقة.

يترأس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ومقره طهران، آية الله محمد علي تسخيري، وهو المستشار الأعلى لقائد الثورة الإسلامية في شؤون العالم الإسلامي والذي كان أيضا حتى وقت قريب نائبا لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقد تناوب على هذا المنصب مع محمد واعظ زاده الخراساني، الذي كان أول أمين للمجمع بتعيين مباشر سنة 1990م من علي خامنئي.

نشاطات

ينشط المجمع في إقامة مؤتمرات ونشاطات للتقريب بين المذاهب، لكن نشاطاته في العديد من الدول العربية تقلصت خلال السنوات الأخيرة في ظل المتغيرات الإقليمية التي كشفت طبيعة الدور الإيراني في كل ما يتعلق بزرع الفتن ورعاية الاضطرابات ونشر الطائفية، بداية من العراق مرورا باليمن والبحرين فسوريا، الأمر الذي حدا بعدد كبير من دعاة التقريب السنة إلى التراجع بعد استشعار خطر الدعوة الشيعية، على رأس هؤلاء الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي الذي صُنف في السابق كأحد رموز دعاة التقريب في هذا العصر.

ومنذ تأسيس المجمع حاول استغلال موسم الحج لإقامة ندوة في مكة المكرمة في الفترة ما بين الخامس والسادس من ذي الحجة كل عام تحت مسمى (الندوة العالمية للتقريب) لمناقشة بعض المسائل العالمية المطروحة على الساحة الإسلامية، وبحضور عدد من حجاج بيت الله الحرام على اختلاف مذاهبهم وجنسياتهم. وأقام المجمع أيضا ندوات ومؤتمرات التقريب والوحدة الإسلامية في أكثر من 26 دولة حتى الآن في قارات آسيا وإفريقيا وأوربا.

كذلك من بين نشاطات المجمع عقد المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية في الفترة ما بين  الثاني عشر حتى السابع عشر من ربيع الأول في العاصمة الإيرانية طهران، وقد نظم حتى الآن 27 مؤتمرا.

الشياطين تعظ

المؤتمر الأخير الذي عقد في يناير الماضي كانت من بين أهدافه المعلنة التعاضد بين المسلمين ونبذ الفرقة والخلافات ومحاربة أعداء الإسلام الذين يسعون إلى إيجاد الفرقة والنزاع وتعميقهما بين أبناء الأمة الإسلامية والتصدي للتكفيريين ومحاولاتهم تشويه صورة الإسلام السمحة.

لكن كما يقولون: الشيطان يكمن في التفاصيل، فبتحليل ما جرى في المؤتمر يتضح إلى أي مدى تستغل إيران شعارات الوحدة والتقريب لأهداف سياسية واضحة تتفق مع النهج الطائفي والمشروع الشيعي.

فعلى سبيل المثال جعل الرئيس الإيراني حسن روحاني كلمته التي ألقاها خلال افتتاح المؤتمر رسالة تهديد إلى الدول الداعمة للمعارضة السورية المسلحة، مشددا على بقاء نظام الأسد، مضيفا: "إذا ظنت أي دولة أنها قادرة عبر دعم الإرهاب والتطرف على إسقاط حكومة في المنطقة فهي مخطئة 100% وسيرتدان عليها". 

كذلك فمن العجب مشاركة شخصية مثل إبراهيم الجعفري الرئيس الأسبق للحكومة العراقية (7 أبريل 2005 - 20 مايو 2006) في المؤتمر ودعوته إلى الوحدة والتقريب بين السنة والشيعة وهو المتهم بارتكاب جرائم طائفية ضد العرب السنة ودعم ميليشيات القتل على الهوية، وتحويل العراق إلى سلخانة، وهو ما يعرفه العراقيون أكثر من غيرهم.

الأدهى أن ممثل العرب السنة في هذا المؤتمر كان المفتي السوري بدر الدين حسون، الذي يعرف كلُّ سوري أنه يعد من أبرز الشخصيات التي بررت قتل نظام الأسد لأكثر من 250 ألف شهيد، وذبح الأطفال والنساء، ودافع عن ممارسات النظام وهي تنتهك حرمات المساجد.

أليست إذن مشاركة أمثال الجعفري وحسون وغيرهم ممن سفكوا دماء أهل السنة بشكل مباشر أو عبر التحريض دليلا على الهوة العميقة بين شعارات مجمع التقريب وبين الواقع على الأرض، وعبثية المشهد الذي تسوّقه إيران كراعية للوحدة الإسلامية؟

وحتى يكتمل المشهد يدعو المجمع العلماء والمفكرين سواء الذين مازالوا يرون إمكانية تحقيق الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة رغم كل ما يحدث أو أولئك المحسوبين على طهران والمستفيدين من عطاياها من صحفيين ومثقفين عرب، حيث شهد المؤتمر الـ 27 حضور علماء ومفكرين من خمسين دولة بما في ذلك قطر والسعودية واليمن ومصر ولبنان والعراق والجزائر وماليزيا وروسيا واليونان وتايلاند وبريطانيا وأمريكا واستراليا وأوغندا وهولندا.

فساد من الرأس

الخطير أن المشاركين في مؤتمرات المجمع ليسوا وحدهم من تدور حولهم الشبهات فيما يتعلق بالتحريض على قتل السنة، حيث أن من يقفون على رأس المجمع نفسه أبعد ما يكونون عن فكرة التقريب.

فرئيس المجمع العالمي للتقريب آية الله علي تسخيري، يتبنى الأجندة الإيرانية الخاصة بنشر التشيع في الدول السنية وهو ما يتم تحت غطاء التقريب، وبالتنسيق مع عدد من المؤسسات الإيرانية مثل المجمع العالمي لاهل البيت. ويستميت التسخيري الذي يمارس التقية ببراعة في الدفاع عن إيران وتبرئتها من تهمة نشر الفتن في العراق ولبنان وسوريا وغيرها من بلاد المسلمين.

لكن مؤتمر حوار المذاهب الإسلامية الذي عقد في قطر في يناير 2007 أسقط ورقة التوت بشكل كبير عن تسخيري، عندما حدثه الشيخ يوسف القرضاوي طالبا منه جعل التقارب حقيقة لا كلاما، وتخلي الشيعة عن الممارسات التي تستفز أهل السنة كسبّ الصحابة، وضرورة أن يتبرأ الشيعة من الطائفية في العراق بكل ما أفرزته من قتل وتهجير وتعذيب، يتم برعاية إيرانية.

وكان من البديهي أن يعترف تسخيري بالأخطاء الإيرانية ويطرح رؤيته في تصويبها، كطريق فاعل لتضييق الهوة وصولا إلى التقريب الحقيقي، لكن هذا لم يحدث بالمرة، حيث آثر الابتعاد عن الحقيقة والتغطية على جرائم إيران، متهما الاحتلال الأمريكي وإسرائيل بالمسؤولية عن تأجيج الطائفية في العراق.

تسخيري وخلال المؤتمر نفسه وقع في تناقض لافت في معرض ردّه على الدعوات المطالبة بإزالة مقام المجوسي أبي لؤلؤة فيروز في كاشان والذي يسمونه بابا شجاع الدين، قاتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث أنكر في البداية أنه رأى هذا المقام، ثم عاد وأكّد أن قبر أبي لؤلؤة "ليس مبنى فخماً أو مهما، بالدرجة التي يروج لها، بل هو مزار سخيف لرجل قاتل".

وجه آخر للتناقض البيّن هو آية الله الشيخ محسن الآراكي أمين عام المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وهو مؤسس المركز الإسلامي في إنجلترا، شغل في السابق عضوية مجلس خبراء القيادة في إيران.

ويدافع الآراكي هو الآخر عن سياسة إيران وجرائمها التوسعية بالمنطقة، وفيما لا يكفّ عن الدعوة للتقريب ورأب الصدع بين المسلمين، نراه يدعو لـ "الجهاد" في البحرين حتى الإطاحة بالنظام، ومن أقواله لشيعة البحرين: "ثقوا إخوتي وأخواتي بالنصر، واثبتوا في درب الجهاد والمقاومة والصمود؛ فإنّ نصر الله قريب، واعلموا أنّ كلّ كلمة أو موقف يؤدّي إلى تثبيط عزيمة المجاهدين، وتخويفهم من عواقب الجهاد والصمود، فإنّما هو من نفثات الشيطان، لابدّ أن يضرب به عرض الجدار، وأنّ مواصلة درب الجهاد حتّى تحقيق النصر الكامل هو الواجب الإلهيّ الذي لا ينبغي أن يَشكّ فيه مؤمن يثق بكتاب الله ووعوده، ويؤمن بأوامره ونواهيه".

وفي أواخر العام الماضي تعرض الآراكي لهجوم واسع من الكويتيين بعد أن اتهم بلادهم في حديث لصحيفة "الراي" الكويتية بأنها أصبحت مصدرا "لتربية إرهابيين وساحة لدعاة قطع الرؤوس».

وقد رد عليه أمين عام تجمع ثوابت الأمة النائب السابق محمد هايف بالقول "إن على من يؤيد التقريب بين المذاهب أن يلقي نظرة على سورية، ويتفحص التدمير والقصف الذي يطول منازل الأبرياء العزل".

وأضاف هايف: «لو أراد الأراكي التقريب بين المذاهب فإن عليه إعلان معاناة أهل الأحواز الذين يتعرضون يوميا إلى الاضطهاد، رغم أن الكثيرين منهم شيعة، لكن النظام الإيراني يحارب العرب ويريد طمس الهوية العربية من الأحواز المحتلة، لدرجة أنهم منعوا الأحوازيين من تسمية مواليدهم بأسماء الصحابة".

كتب وأهداف

يمكن القول إن الكتب التي أصدرها مجمع التقريب تأتي متسقة تماما مع الأجندة الإيرانية في نشر التشيع، لذلك فإنها تشكل خطرا كبيرا طالب الكثير من المفكرين بضرورة التصدي له.

لو دققنا في قائمة منشورات المجمع العالمي للتقريب الذي تناوب على رئاسته الخراساني ومن بعده التسخيري لوجدنا أنها على قسمين: قسم بالفارسية وقسم بالعربية وهو الأكثر، وهو ما يهمنا، ولو تفحصنا محتويات كل قائمة لأمكننا أن نقسمها التقسيمات التالية:

تُصنف الكتب التي طبعها المجمع إلى قسمين أحدهما بالفارسية والآخر بالعربية، ويمكن تصنيف كل قسم إلى كتب سنية بعضها تراثية بتحقيق شيعي بهدف تعزيز فكرة أن السنة أنفسهم يؤمنون بالمفاهيم الشيعية، وكتب شيعية تروج للمذهب الشيعي.

ومن أشهر الكتب السنية التراثية كتاب "فضائل أهل البيت عليهم السلام" من كتاب فضائل الصحابة. تأليف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (241هـ). التحقيق: محمد كاظم المحمودي.

حاول المقدم في تحقيقه التقليل من شأن الصحابة ومكانتهم لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول لدى المقارنة بين الصحابة وأهل البيت في القرآن والسنّة إن لفظة الصحابة قد وردت في القرآن في آيات عديدة، "لا يستفاد منها إلاّ المقارنة والصحبة الظاهريّة"، مستدلا على ذلك بآيات مثل (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76) (الكهف.

كذلك سرد المحقق أحاديث من صحيح البخاري في محاولة للوصول إلى نفس الهدف إذ يقول: "أمّا السنّة النبويّة فهي لا تتخلّف عن القرآن ولا تختلف معه، وقد ورد فيها مثل هذا الشيء الكثير، ونحن نكتفي هنا بذكر بعض نماذجه من صحيح البخاري في كتاب الرقاق (81) باب في الحوض (53) الحديث (5676): حدثني عمرو بن عليّ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن المغيرة قال: سمعت أبا وائل، عن عبدالله (رضي الله عنه)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنّ رجالٌ منكم، ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

وورد الكتاب في خمسة أقسام أولها أخبار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ وزهده، ثم نسب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ ففضائله، ثم فضائل فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفضائل الحسن والحسين عليهما السلام. وتضمن الكتاب أيضا (457) حديثاً في فضائل أهل البيت عليهم السلام.

ومن هذه الكتب السنية ذات التحقيق الشيعي أيضا كتاب "أبو الشهداء الحسين بن علي عليه السلام"، لمؤلفه عباس محمود العقاد. وكذلك كتاب "تفسير القرآن الكريم" لمؤلفه الشيخ محمود شلتوت، ومقدمه محمد واعظ زاده الخراساني.

أما النوع الثاني من الكتب فهو كتب شيعية، وهي الأخطر إذ أنها تأتي لترويج الفكر الشيعي وتجسيد مفهوم تصدير الثورة الخمينية، مثل كتاب "حياة الإمام البروجردي، وآثاره العلمية ومنهجه في الفقه والأصول والرجال" لمؤلفه محمد واعظ زاده الخراساني، أول رئيس لمجمع التقريب، وكتاب "خلاصة التفاسير الإسلامية المشهورة" الجزء الأول. تأليف: محمد باقر الناصري. مركز البحوث والدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية - قم. وكتاب (فقه الوفاق) وهو دراسة فقهية مقارنة بين المذاهب الإسلامية لمؤلفه الشيخ محمد مهدي نجف.

ويصدر عن المجمع عدة مجلات مثل "مجلة التقريب" التي أصدرت أكثر من 70 عددا و"مجلة التقريب نت" و"رسالة الإسلام" ولها أكثر من 65 عددا. كما يضم على موقعه الإلكتروني مكتبة مرئية وأخرى صوتية للمحاضرات ذات الصلة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: