سطور من الذاكرة\العدد مائة وثلاثة وثلاثون - رجب 1435 هـ
الوجه الآخر - 6- موسى الصدر
الأربعاء 30 أبريل 2014

 إعداد: هيثم الكسواني - كاتب أردني

خاص بالراصد

يُعتبر موسى الصدر شخصية غامضة بامتياز، إن كان لجهة انتقاله من إيران إلى لبنان في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وحصوله على جنسيتها، أو لجهة الدور الذي مارسه في لبنان، وقد استمر هذا الغموض حتى وفاته / اختفائه في ليبيا سنة 1978م.

ولأن الصدر كان قد تقلد رئاسة المجلس الشيعي الأعلى في لبنان (أي زعامة الطائفة الشيعية هناك)، فإن الاهتمام بشخصيته كان منصبّا على حراكه العام، ونشاطه الاجتماعي والسياسي، وتصريحاته الصحفية، وفيها الكثير من التأييد للمقاومة الفلسطينية، والتقريب بين السنة والشيعة، ما أدى إلى إغفال جوانب أخرى من مسيرته، كرأيه في التراث الشيعي، ومدى التزامه الديني، ونظرته إلى السنة، وسعيه إلى نشر التشيع، وغير ذلك، وهو ما نحاول الاقتراب منه أكثر في هذه الحلقة.

أولا: نشأته وحياته

وُلد موسى صدر الدين إسماعيل الصدر في مدينة قُم الإيرانية في سنة 1928م، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة طهران، فرع العلوم الاقتصادية. وبحكم انتمائه إلى أسرة دينية، فإنه درس شيئا من علوم الشيعة في حوزتي قُم والنجف. وهو ينحدر من أصل لبناني، حيث يقول موسى الصدر إن جد أبيه، صدر الدين، الذي تسمّت عائلة الصدر باسمه، هاجر مع أبيه صالح من لبنان قبل حوالي 200 سنة، وسكن في العراق وأسس عائلة، ثم هاجر بعض أحفاده إلى إيران، وأسسوا هناك عائلات([1]).

أما قدومه إلى لبنان واستقراره فيه أواخر سنة 1959م، فكان بطلب من أسرة المرجع الشيعي اللبناني عبد الحسين شرف الدين، الذي توفي في أواخر سنة 1957، ونصّ - قبل موته – على موسى الصدر لخلافته، حيث بارك ذلك الطلب المرجع الشيعي الإيراني حسين البروجردي، المرجع العام للشيعة آنذاك، وطلب من الصدر تلبية الدعوة([2]).

وكان الصدر قبل استقراره في مدينة صور في لبنان قد زارها ليستطلع الأوضاع، فوجد الشيعة هناك "بحاجة لقائد، وأن عنده قدرة على هذه المهمة"([3]). وحصل الصدر على الجنسية اللبنانية، بقرار من رئيس الجمهورية – آنذاك – فؤاد شهاب، وهو أمر نادر الحدوث بأن تُمنح الجنسية لشخص غير مسيحي.

أثار قدوم الصدر إلى لبنان، وصعوده السريع، وترؤسه لطائفته الكثير من الشكوك والتوجس، ويؤكد الباحثون والمطلعون أن موسى الصدر جاء إلى لبنان بمباركةٍ من شاه إيران – آنذاك – محمد رضا بهلوي؛ الذي كانت له أحلام توسعية كبيرة بإنشاء إمبراطورية تضم إيران والعراق والخليج ولبنان، وقد كلف موسى الصدر بتنفيذ ما يتعلق بلبنان، ووعده الشاه بخمسمائة ألف دولار مقابل تلك المهمة، كما كشف ذلك شهبور بختيار، الذي سلّمه الشاه السلطة في إيران عندما غادرها إلى المنفى([4]).

وإضافة إلى حملة بإنشاء إمبراطورية في المنطقة؛ فإن شاه إيران كان منزعجاً من التغلغل اليساري والشيوعي في صفوف الشيعة في لبنان والعراق، وفي بلاده إيران، وفي غيرها من الدول، فقد كان العداء بين الشاه والشيوعية كبيراً، لذلك دعم "الصدريْن" محمد باقر (في العراق)، وموسى (في لبنان) لمحاربة الشيوعية، والعمل على إخراج الشيعة من الأحزاب اليسارية في هذين البلدين([5]).

 ولذلك كان الصدر مثلاً يتجنب انتقاد الشاه، ويتهرب من الأسئلة التي تُطرح عليه أحيانا حول الأطماع الإيرانية في الخليج العربي، كما في مقابلة أجرتها معه صحيفة السياسة الكويتية في 13/3/1973م، وبدلا من ذلك تحدث عن ضرورة البناء الفكري لأبناء الخليج لصيانة ثروته ومنجزاته وحضارته([6]).

ثم شيئا فشيئا صار موسى الصدر يوجه الانتقادات إلى المخابرات الإيرانية، ويتهمها بتشويه مواقفه وصورته، ويتحدث عن تأثيرها على مختلف الأجهزة الرسمية في إيران([7])، كما أخذ الصدر يكيل المديح لرجال الدين الإيرانيين المعارضين لحكم الشاه، ومنهم الخميني، حيث يقول: "إنهم يحاربون قدر الإمكان تجاوز الحكام وطغيانهم واستبدادهم، ولهم في الشعب نفوذ كبير. وفي الفترة الأخيرة خاض أكثر علماء الدين في إيران، وفي طليعتهم الإمام الخميني، معارك عنيفة من أجل تصحيح الاتجاه السياسي والاجتماعي في إيران، وقد دخل العديد منهم السجون، كما أن السيد الخميني مُبعد الآن ويعيش في العراق.."([8]).

ويبدو أن ازدياد المعارضة لنظام الشاه، والضعف الذي بدا عليه، ورغبة الصدر – بحكم طموحه الكبير- في أن يتبوأ مكانة في النظام الإيراني الجديد بعد الشاه هي التي سببت هذه الانعطافة في موقفه، وأن يثني على الخميني ومعارضته.

وبالعودة إلى لبنان، فقد مكث الصدر هناك يوصل الليل بالنهار لإيجاد كيان للشيعة، ويعمل على تحسين أوضاعهم، واستطاع أن يقيم لهم عددا من المؤسسات والمنظمات التي لا تزال فاعلة إلى اليوم، وأهمها:

1-  المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي أصبح يمثل المرجعية الدينية والسياسية لشيعة لبنان منذ سنة 1967م.

2-  أفواج المقاومة اللبنانية، التي تعرف اختصارا بحركة أمل، وهي ميليشيا مسلحة أسسها الصدر سنة 1975م، وأبقى أمرها سريا في البداية، وهذه الحركة شنت حربا على المخيمات الفلسطينية في لبنان في سنة 1985م، في عهد رئيسها نبيه بري، الذي ما يزال رئيسا للحركة إلى الآن([9]).

أما نهاية الصدر، فكانت غامضة ملتبسة مثل ما كانت بدايته في لبنان، ففي سنة 1978، تلقى الصدر دعوة لزيارة الجماهيرية الليبية للقاء رئيسها معمر القذافي لبحث موضوع الحرب الأهلية في لبنان، حيث سافر الصدر إلى ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، لكن أثره اختفى هناك، ولم يعد، وادّعت ليبيا أن الصدر ومرافقيه غادروا ليبيا متوجهين إلى إيطاليا، الأمر الذي نفته إيطاليا، ورفضه شيعة لبنان، ورغم سقوط نظام القذافي إلا أن الغموض ما زال يهيمن على ملف اختفاء الصدر إلى الآن.

ثانيا: نظرته إلى التراث الشيعي

وقف الصدر غير مرّة مدافعا عن عقائد الشيعة، دون أن يبذل جهدا يذكر لتنقية التشيع مما فيه من انحراف وغلو، بل ومحملا أهل السنة في بعض الأحيان وزر مخالفتهم لعقائد الشيعة، ومن ذلك على سبيل المثال:

أ‌-     اعتقاده في الإمامة:

يرى الصدر أن مسألة الإمامة أو الولاية هي أهم الأحكام الشرعية، وهي ليست مسألة تاريخية، بل مسألة كل مجتمع وكل زمان([10]). وفي تفسيره للإمامة يقول: "الإمامة تعني عند الشيعي مفهوما عقائديا واضحا هو الولاية. والولاية تعني عندهم مفهوم الحكومة الحقة التي تسيّر أمور البلاد والعباد ... والإمامة أصل من أصول المذهب عندهم كما بيّنا من قبل"([11]).

كما يرى الصدر، كما هو شأن الشيعة، أن الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، دون غيره، بالنصّ عليه من الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما لم يلتزم أهل السنة بذلك([12]). ويرى كذلك أن الشيعة ينطلقون – في قضية الإمامة- من أنه من الضروري أن يوجد نص من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر من الله تعالى بشأن من يتولى شؤون الأمة([13]).

ولأن الصدر تواجد في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والطوائف، فإنه وجد صعوبة – على ما يبدو- في الاستمرار في الدفاع عن الإمامة والولاية، لذلك صدر عنه في سنواته الأخيرة ما يفيد بأنه ليس من الضروري الآن أن يكون الحاكم من الأئمة، وبأنه لا يوجد دليل شرعي يقيّدنا بشكل معين من أشكال الحكم، وبأننا يجب أن نكون مرنين في اختيار الشكل، وأن مشكلة الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أصبحت قضية نظرية يمكن الاحتفاظ بها في المجال الفكري([14]).

ب‌- دفاعه عن زواج المتعة:

يدافع الصدر عن زواج المتعة، ويصوّره بصورة مثالية جميلة غير تلك التي يمارسها الشيعة، ويدعي أنه "زواج له نفس القوانين والأنظمة، التي تراعى في الزواج الدائم، كالعقد والعدة وإلحاق الطفل والميراث بالنسبة للزوجين إن اشترطا ذلك. طبعا الطفل يرث بلا قيد ولا شرط"([15]). ويقول إن زواج المتعة لا يعني الاتفاق على ممارسة العمل الجنسي! بل يعني الاتفاق على الزواج، ولكن لمدة محددة .. "وهو على هذا الأساس يمكن أن يحل مشكلة الخطوبة، ولعله في المستقبل يصبح هو الزواج المفضل لدى الناس.. زواج المتعة يمكن أن يكون معجزة هذا العصر"([16]).   

ثالثا: سعيه لنشر التشيع

عمل موسى الصدر خلال مسيرته على نشر التشيع، في صفوف أهل السنة، وفي صفوف العلويين على حد سواء، ففيما يتعلق بالسنة حاول الصدر أن يكون ذلك من بوابة الأزهر، الذي كان يتردد عليه للمشاركة في مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة، أو لحضور اجتماعات مجمع البحوث الإسلامية، وتحت مسمى تدريس المذهب الجعفري، مستغلا وجود الشيخ محمود شلتوت على رأس الأزهر، وهو صاحب الفتوى الشهيرة باعتبار مذهب الشيعة الإثنى عشرية مذهبا كالمذاهب السنية الأربعة يجوز التعبد به.

 والصدر تحدث عن ذلك السعي، فقال: "لقد اجتمعت بشيخ الأزهر الشيخ شلتوت، وبالأستاذ محمد المدني وبغيرهما من الطليعة وتباحثت وإياهم حول الشؤون الإسلامية وتدريس مذهب الإمام الصادق إلى جانب المذاهب الأربعة وقد لقيت منهما إدراكا بعيد المدى للعمل على وحدة الكلمة ووحدة الصف، ووحدة الشعور"([17]).

كما عمل الصدر على تشييع السنة من خلال المؤسسات الإيرانية، وهو أفصح عن ذلك في قوله: "لقد رأيتُ في (قُم) مؤسسة جديدة عنوانها (دار التبليغ الإسلامي) مهمتها تهيئة نهضة جديدة تقوم على أسس من الفن الديني والتربوي بما يتفق وروح العصر. وقد اتفقتُ مع مؤسسها سماحة آية الله شريعتمداري على تخصيص جناح فيها للطلاب الأفريقيين بمعاونة المهاجرين اللبنانيين في تلك الديار"([18]).

أما فيما يتعلق بتشييع النصيريين العلويين، فقد كان ذلك من خلال رأس النظام السوري، الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية النصيرية، حيث وجد الطرفان في ذلك مصلحة مشتركة، فالصدر وغيره من الشيعة كسبوا أفرادا جددا إلى طائفتهم تحت مسمى إعادة الفرع إلى الأصل، أي إعادة العلويين إلى أصلهم الشيعي، والرئيس السوري – آنذاك- حافظ الأسد سعى للحصول على فتاوى من شيوخ الشيعة في لبنان وإيران لاعتبار العلويين طائفة من الشيعة لوجود مادة في الدستور السوري –حاول الأسد حذفها لكنه لم يفلح- تنص على أن دين رئيس الدولة الإسلام، حيث أن أهل السنة والشيعة الإثنى عشرية لا يَعتبرون العلويين الذين ينتمي إليهم الأسد مسلمين، وسرعان ما "لجأ الأسد إلى صديقه الزعيم الشيعي الإمام موسى الصدر، فأصدر له في تموز/ يوليو 1973، فتوى تقول بأن العلويين مسلمون، وهم طائفة من الشيعة"([19]).

رابعا: نظرته إلى السنة

يرى الصدر أن الشيعة جميعا يتعبدون وفق مذهب أهل البيت، أما أهل السنة فموزعون على أربعة مذاهب على الأقل([20]). ولا شك أن حديث الصدر يحوي مغالطة واضحة فهو يصور مذهبه بأنه مذهب متوحد يستقي تعليماته من أهل البيت، بينما السنة متفرقون إلى مذاهب عديدة، وقد مرّ بنا قبل قليل انتقاد الصدر لأهل السنة، لأنهم – بزعمه- لم يلتزموا بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بتولية علي من بعده.

ويعتبر الصدر أن أخذ السنة بأقوال الصحابة يعتبر قصرا للمعرفة على صدر الإسلام، في حين يعتبر الفقه الشيعي والينابيع الشيعية أكثر غنى لأن الأئمة عاشوا التطورات التي وقعت في القرنين الأول والثاني الهجريين وبداية القرن الثالث([21]).

خامسا: التزامه الديني

على الرغم من أن موسى الصدر من رجال الدين ويلقب بـ "الإمام" إلاّ أن بعض سلوكياته كانت بعيدة عن التدين، مثل تدخينه للسجائر والنرجيلة، وتقديمها إلى ضيوفه وجلسائه، إضافة إلى دفاعه عن زراعة التبغ في جنوب لبنان، حيث يتركز الشيعة، وضرورة إيلاء الدولة اهتمامها للمزارعين من خلال رفع أسعار التبغ وتأسيس شركة مساهمة، وتوفير المياه وتحسين نوعية البذور، وغير ذلك، مع الإشارة إلى رغبته بإحلال زراعة الشاي محل التبغ فيما بعد([22]).

والحقيقة إن ما أوردناه أعلاه يبدو أمرا بسيطا إزاء ما ذكره لي أحد كبار الصحفيين الفلسطينيين قبل عدة سنوات، إذ يقول هذا الصحفي والكاتب الذي كان مقيما في بيروت، بأن القيادي في حركة (فتح) الفلسطينية هاني الحسن والذي كان على علاقة وثيقة بالصدر، أخبره بأن الصدر خلال اعتكافه الشهير وصيامه في مسجد الصفا بمنطقة العاملية في شهر يونيو/ حزيران 1975، احتجاجا على الحرب في لبنان، كان يطلب منه أن يحضر له الطعام والشراب والويسكي! لأنه غير صائم كما هو مُعلن، وكان الصدر يقول للحسن: يا هاني لا تنساني!!



[1] - حوارات صحفية 1، (تأسيسا لمجتمع مقاوم)، إصدار: مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات، بيروت، الطبعة الثانية، 2007م، ص 52، ومواضع أخرى.

[2] - التجمعات الشيعية في بلاد الشام، أسامة شحاده وهيثم الكسواني، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص 35.

[3] - الإمام السيد موسى الصدر محطات تاريخية: إيران، النجف، لبنان، حسين شرف الدين، إصدار: مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات، بيروت، الطبعة الثانية، 1422هـ، 2002م، ص 58.

[4] - حقيقة المقاومة: قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان، عبد المنعم شفيق، الطبعة الثانية، 2001م، ص 76.

[5] - المشكلة الشيعية، أسامة شحادة، الطبعة الثانية، 2008م، ص 303، نقلا عن الكاتب الفرنسي أوليفيه روا في كتابه (تجربة الإسلام السياسي). ويُذكر أن الصدر كان يعتبر ميل الشباب اللبناني إلى اليسار هو تعبير عن الاحتجاج على الأوضاع الحالية، لا عن عقيدة منحرفة أو عن عُقد. (انظر: حوارات صحفية 1، ص 301).

[6] - حوارات صحفية 1، ص 269.

[7] - المصدر السابق، ص 394.

[8] - المصدر السابق، ص 396.

[9] - التجمعات الشيعية في بلاد الشام، ص 50 - 53.

[10] - حوارات صحفية 1، ص 47.

[11] - المصدر السابق، ص 188.

[12] - المصدر السابق، ص 239.

[13] - المصدر السابق، ص 190.

[14] - المصدر السابق، ص 362، 363.

[15] - المصدر السابق، ص 366.

[16] - المصدر السابق، ص 366.

[17] - المصدر السابق، ص 25.

[18] - المصدر السابق، 27.

[19] - البعث الشيعي في سورية (1919 – 2007)، المعهد الدولي للدراسات السورية، ص 22، 23.

[20] - حوارات صحفية، ص 239.

[21] - المصدر السابق، ص 364.

[22] - المصدر السابق، ص 154، 273، 286، 369، 404، 470، 533، 580، 581.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: