الدولة القبطية .. شبح التقسيم يهدد مصر
الأربعاء 30 أبريل 2014

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

ربما ينظر البعض إلى مسألة إعلان تأسيس ما يسمى بـ "الدولة القبطية" بالكثير من الاستخفاف الشديد كون أمر هذه الدولة المزعومة - ووفق اعتقاد المستخفين - لا يعدو مجرد محاولة من قبل عناصر النصارى المتطرفين من المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوروبية لإثبات الوجود ولفت الأنظار فضلا عن إثارة الفتنة الطائفية في البلاد لحساب أجندات خارجية لعدد من البلدان سواء كان ذلك من منطلق المعاداة لمصر أو بهدف ممارسة الضغط على السلطات المصرية أيا كان توجهها بشأن بعض الملفات في الداخل والخارج.

كما يستند هؤلاء إلى أن إعلان هذه الدولة لا يعبر بشكل دقيق عن تطلعات الأغلبية المسيحية في مصر التي أكدت مرارا وتكرارا عبر بعض ممثليها أنه لا يروق لهذه الأغلبية مثل هذه الخطوات المتهورة والسياسات غير المنطقية بل والمخالفة تماما لمسار وتاريخ العلاقة بين الأقباط والمسلمين منذ الفتح الإسلامي للبلاد في عصر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وحتى الآن فالكنائس المصرية بمختلف طوائفها وعلى رأسها الكنيسة الأرثوذكسية لا تفتأ تؤكد بين الحين والآخر على وطنيتها وأن رعاياها وشعبها جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني العام ومن ثم فهي حريصة كل الحرص على وحدة التراب المصري.

تداعيات الواقع

وبعيدا عن التطرق إلى تقييم مواقف نصارى مصر السياسية خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة وهي المواقف التي أصابت العديد من القوى والتيارات الإسلامية الدعوية والتنظيمية بالصدمة حيث استشعر البعض أن ما تشهده الكنيسة المصرية وخاصة الأرثوذكسية يمثل حالة ومرحلة جديدتين اقتربت فيها الكنيسة بشكل كبير من العمل السياسي والخوض في الأمور العامة لدرجة تعد في ذاتها تناقضا واضحا مع ما تعلنه الكنيسة عن أن هدفها ديني وأن رسالتها روحية فحسب إذ أصبح للبابا الذي هو رأس الكنيسة تصريحات وتوجيهات سياسية دفعت إلى أن يعتقد الكثيرون بأن الكنيسة باتت أشبه بالحزب السياسي، لكنه وبكل أسف حزب قائم على توجه طائفي ينتمي جل أعضائه وقياداته إلى العقيدة النصرانية..

نقول إنه وبعيدا عن الخوض في تفاصيل تقييم هذا الموقف فإن الواقع المصري سواء قبل أحداث ثورة يناير 2011م أو بعد الثورة يشهد حالة من التوتر الطائفي بين المسلمين والأقباط، الأمر الذي استنفر الأحزاب والقوى السياسية فضلا عن أهل الثقافة والفكر في البلاد من أجل احتوائه ومعالجة أسبابه وآثاره، وهي المحاولات التي نجح بعضها فيما أخفقت الأخرى حيث بدت وكأنها وبالتعبير المصري "اسطوانات مشروخة" إذ كانت تركز على القشور دون أن تتعمق في حقائق المشكلات التي تعيشها البلاد.

ولعل تصاعد حالة الاحتقان لدى من يطلقون على أنفسهم "أقباط المهجر" وهم مجموعات من نصارى مصر ممن هاجروا خارجها سواء لدوافع سياسية أو اقتصادية أو لغير ذلك أحد أهم آثار وتداعيات المشهد في مصر، بل إن هذا الاحتقان لدى هؤلاء ربما يكون قد أخذ منحى مختلفا حيث بدأ بعضهم يتعاطون مع الواقع المصري ومشكلاته انطلاقا من مفاهيم ومنطلقات غربية بحتة لا تراعي العديد من المحددات التي يجب مراعاتها في معالجة المشكلات المجتمعية لبلد له خصوصيته الدينية والسياسية والتاريخية كمصر ومن ثم جاءت رؤية هؤلاء متطرفة ومتشددة إلى الحد الذي تجاوز في أصلها مطالب الأقباط في الداخل والتي وإن كان بعضها صادما إلى حد ما إلا أنه يبقى من الممكن أن تطرح على مائدة النقاش والحوار المجتمعي.

الوهم والحقيقة

ويأتي إعلان نحو ثلاثمائة قبطي مهاجر عن تأسيس ما أطلقوا عليه "الدولة القبطية" أبرز مظاهر هذا الاحتقان إذ وصل الأمر إلى حد الدعوة إلى تقسيم البلاد وتجزئتها وهو الأمر الذي يتجاوز كل محظورات الأمن القومي ويدعم المخططات الخارجية التي تسعى إلى تفتيت دول المنطقة إلى دويلات صغيرة متناثرة أكثر مما أضحت عليه من تفتيت في أعقاب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م.

وعلى الرغم من الاتفاق إلى حد كبير مع القائلين بأن مثل هذا الإعلان لا يعبر عن عموم أقباط مصر فإنه ليس من المستبعد أن يتحول الذي نراه وهمًا اليوم بين لحظة وضحاها إلى حقيقة في ظل حالة التجاذبات الكبرى التي يشهدها العالم خاصة المنطقة العربية التي تعاني وضعا غير مستقر منذ سنوات.

ولا يحول دون تحقيق ذلك ما كنا نردده وكأنه مسلمة من أن تركيبة الشعب المصري تختلف عن سواها من شعوب المنطقة والعالم كون مظاهر الطائفية والإثنية ليست بارزة مقارنة بما هي عليه في بعض البلدان إذ أن ما شهدته مصر بعد أحداث الثلاثين من يونيو 2013م حيث استخدام السلاح ووقوع الآلاف من القتلى والمصابين لأسباب سياسية قفزة هائلة على تلك المسلمة حتى أن الكثير من المحللين والمراقبين السياسيين لم يعد يستبعدوا أن تحدث حرب أهلية هنا أو هناك.

كذلك فإن ما حدث في السودان وهي الدولة الأقرب إلى مصر وذات العلاقات التاريخية الوثيقة معها لابد وأنه يمثل هاجسا حقيقيا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار بل وبأهمية قصوى إذ الخطر على الأبواب مهما حاول البعض أن يخفف من حدته فالمخطط التآمري الذي انتهى إلى تقسيم السودان ما بين دولة جنوبية وأخرى شمالية كان يستهدف بالأساس إضعاف مصر وإحكام السيطرة على نهر النيل الذي يمثل لها شريان الحياة.

يضاف إلى ذلك فإن القوى المعادية تحاول أن تستنسخ نفس الأسباب والدوافع التي استندت إليها لتقسيم السودان لتكون الحجة التي على أساسها يتحرك الداعون إلى "الدولة القبطية" المزعومة ومن ثم فإن المجتمع الدولي يمكن أن يتقبل الفكرة أو على الأقل لا يواجهها بقوة.

ولعل ما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه هو أن القائمين على تأسيس "الدولة القبطية" المزعومة أعلنوا عنها بالتزامن مع إعلان انفصال جنوب السودان وتدشين دولته المستقلة وذلك يوم العاشر من يوليو 2011م في إشارة ذات دلالة مفادها أن معاناة أهل الجنوب السوداني – المزعومة - والتي دفعتهم للنضال من أجل الاستقلال والحصول على الحرية من قبضة حكام الشمال السوداني هي نفسها المعاناة التي يعانيها أقباط مصر من المسلمين والتي لن تنتهي بطبيعة الحال إلا إذا استقل الأقباط بدولة خاصة بهم هي "الدولة القبطية" ليحققوا ما حققه أهل الجنوب السوداني.

القصة والأسباب

بلا خجل وعلى مرأى ومسمع من العالم اجتمع العشرات من أقباط المهجر ممن أسموا أنفسهم الهيئة التأسيسية للدولة القبطية لاختيار قياداتها وإيهام العالم بأنها تعكس إرادة الأمة القبطية المصرية فانتخبوا المدعو عصمت زقلمة رئيسا لها، فيما انتخبوا المستشار موريس صادق – المنزوع الجنسية استنادا لحكم قضائي مصري بذلك - سكرتيرا تنفيذيا، والمهندس والإعلامي نبيل بسادة أمينا عاما والمهندس إيليا باسيلى مفوضا عاما للتنسيق الدولي للدولة القبطية التي قالوا إنها ستكون عبارة عن حكم ذاتي للأقباط حيث سيقوم المؤسسون ولجنة المائة والأعضاء بداخل مصر وخارجها في غضون الأيام المقبلة على حشد التأييد لفكرتها لتكون على شاكلة "دولة أكراد العراق".

ووفق ما أعلنته الهيئة التأسيسية فإنه يفترض أن يعيش أقباط مصر في ذات المناطق على امتداد مصر على أن يكون لهم تنظيم سياسي مستقل عن الحكومة المركزية في صورة حكم ذاتي فيكون لهم محاكم خاصة، بها قضاة مسيحيون يحكمون وفقا لأحكام "الكتاب المقدس" فضلا عن محاكم مدنية تطبق القانون الفرنسي ومحاكم جنائية تطبق القانون الدولي ومحاكم أخرى مختلفة تنظر النزاعات بين المسلمين والأقباط.

وتشمل الدولة الجديدة وزارات للأقباط في مقابل الوزارات الحكومية بالإضافة لهيئات موازية كالشرطة والمخابرات وأمن الدولة والجامعات والمدارس على أن يكون التعليم بطبيعة الحال بالمؤسسات التعليمية باللغة القبطية.

ولم تغفل الدولة الجديدة أن تؤكد أنها ستقوم بتعيين سفراء لها في كل الدول أسوة بالفاتيكان في حين أنها لن تتنازل عن المشاركة مع الحكومة المركزية في إدارة جيش البلاد على أن يمثل فيه الأقباط بكل الرتب العسكرية.

وكما أشرنا سالفا فإن القائمين على الدولة المزعومة ساقوا العديد من الأسباب والمبررات التي دفعتهم لاتخاذ مثل هذه الخطوات التي تعني أن الأقباط يتعرضون لحالة من الاضطهاد والتمييز العنصري ما يجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية في حين أنهم ووفق ما يؤكدون مرارا يعدون أصحاب الحق الأصيل غير أن المسلمين – الغزاة – سلبوا هذه الحقوق، الأمر الذي يستلزم أن يناضلوا من أجل إعادة الهوية القبطية الأصيلة الخالية من الغبار العربي والإسلامي.

ويستند مؤسسو الدولة المزعومة لتأكيد دعاواهم إلى أن الدولة المصرية تقوم بالتضييق على النصارى بمنعهم من تبوؤ المناصب العامة فلا يتم تعيين قبطي في المؤسسات الصحفية أو رئيسا لمجلس مدينة بالإضافة إلى وضع قيود على بناء الكنائس وترميمها وعدم قيام الحكومة بوقف ظاهرة خطف القبطيات وأسلمتهن بالإكراه وإلزامهم بدراسة اللغة العربية كمادة إجبارية.

اليد الخفية

ليس من المنطقي أن يدعي مدعٍ أن مثل هذه الخطوات غير ذات علاقة بالقوى المعادية لمصر بل للأمة الإسلامية كلها والتي يأتي في مقدمتها "الكيان الصهيوني" الذي لا يتوقف للحظة واحدة عن استهداف مصر العدو الأول للكيان المغتصب لإشغالها وإلهائها في قضايا أخرى فلا تقوم بدورها المنوط بها للدفاع والذود عن الأمة والعمل على استعادة الأرض المحتلة.

والحقيقة أن مؤسسي الدولة القبطية المزعومة لم يضطروا المحللين والمراقبين إلى بذل كثير عناء في البحث عن الأيادي الخفية وراء مثل هذه الخطوة فقد كانت الرسالة التي بعث بها عصمت زقلمة المعين رئيسا للدولة القبطية إلى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ردا على تهنئته للأقباط المسيحيين بما يسمى "عيد الميلاد" كاشفة عن حجم العلاقة بين هؤلاء المؤسسين والدولة الصهيونية المحتلة.

وقد حملت كلمات رسالة زقلمة لنتنياهو الكثير من الدلالات السياسية حيث صور زقلمة المسلمين في مصر وكأنهم محتلون يمارسون التمييز العنصري والاضطهاد بحق الأقباط فيذبحونهم ويدهسونهم بالمدرعات ويقتلونهم بالرصاص في مسيراتهم السلمية ويهدمون كنائسهم.

ثم تأتي الكاشفة عندما يضمّن زقلمة رسالته لنتنياهو توجيه الشكر له على دعوته للأقباط بزيارة "أورشليم المقدسة" وأنه يعتزم بالفعل زيارتها على رأس وفد كبير عندما تتوحد "أورشليم" الشرقية والغربية تحت العلم "الإسرائيلي" فيما أعرب عن تمنيه بأن تعود "بيت لحم" التي وصفها باليهودية إلى السيادة "الإسرائيلية" كما هي ثابتة في الكتاب المقدس – على حد قوله - .

وتتضح ملامح قرب مؤسسي هذه الدولة مع الكيان الصهيوني أيضا في تفاصيل دعوتهم والتي لا تقتصر على مجرد الإعلان عن دولة خاصة بالأقباط إذ شمل ذلك أيضا الدعوة لتأسيس دولة خاصة بالنوبيين في جنوب مصر ودولة خاضعة للنفوذ اليهودي في شبه جزيرة سيناء.

ولا ينفصل بكل تأكيد هذا الموقف الصهيوني عن الموقف الأمريكي من الدولة القبطية المزعومة فمجرد استضافة أمريكا ورعايتها لهؤلاء هو في حد ذاته دعم لهم ورضى بما يفعلون حتى لو لم تتخذ خطوات عملية ظاهرة لتقوية شوكتهم وتحقيق أهدافهم، فواشنطن وكما هو معلوم للجميع تستخدم الأوراق السياسية المتاحة لها تبعا لمصلحتها وقتما تشاء وبالتالي فإنه من غير المستبعد أن تكون مثل هذه المظاهر واحدة من أوراق الضغط التي يرجح أن تستخدمها واشنطن في أي وقت وبالكيفية التي تشاء على السلطات المصرية.

إشارات خطرة

مرة أخرى ربما يكون لدى بعض المستخفّين الحق في رؤيتهم لهذا الإعلان باعتباره هراء لكن الواقع وتطورات الأحداث تفرض علينا أن نشير إلى أن ثمة مسائل يجب أن يحسب لها ألف حساب تدق ناقوس الخطر وتنبئ بأن المخطط جد لا هزل وأن الفرض الديني والواجب الوطني يفرضان أن تستيقظ العيون وتستنهض الهمم من أجل الوقوف كحائط صد منيع دون تحقيق هذه المخططات.

ولعل من أهم وأبرز هذه المسائل الخطيرة:

- أن الدولة القبطية المزعومة اتخذت عدة خطوات قانونية لإنشاء بنك قبطي برأس مال 20 مليار دولار يشارك فيه رجال أعمال أقباط يقيمون في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وأن هذا البنك لا يقبل أموالاً من مسلمين.

- افتتاح نحو عشر قنصليات للدولة القبطية في واشنطن وباريس ومونتريال وسيدني وسول وبون و"أورشليم" وجوبا ولندن وجوهانسبرج.

- ادعاء زقلمة بأن هناك عناصر كثيرة من الأقباط المصرييين داخل مصر تشارك في حكومة هذه الدولة وأن الخوف من البطش يمنعهم من الإعلان عن أنفسهم.

- سعيها لأن تكون هذه الدولة "لوبي" سياسي بالولايات المتحدة الأمريكية يضغط على إدارة البيت الأبيض من أجل ممارسة ضغوطه على أمريكا لتنفيذ بعض الإملاءات ومن ذلك مثلا مطالبتها للرئيس الأمريكي باراك أوباما والبنك الدولي بمنع الغذاء عن مصر وعدم إقراض الحكومة زمن حكم الرئيس المصري المعزول الدكتور محمد مرسي وذلك كوسيلة للضغط على القيادات الحالية لتنفيذ مخطط التقسيم بين المسيحيين والمسلمين وإنشاء الدولة القبطية والاعتراف بالحكم الذاتى لها.

- حديث بعض المراقبين ووسائل الإعلام عن أن هناك محاولات من قبل بعض الأديرة للسيطرة على ساحات شاسعة من أراضي الدولة المصرية وضمها لهذه الأديرة دون وجه حق وهو ما حدث مثلا في منطقة وادي النطرون حيث سيطر دير الأنبا مقار على آلاف الكيلو مترات وكما حدث في منطقة وادي الريان بالفيوم حيث تم السيطرة على نحو 9 آلاف فدان.

- ادعاء موريس صادق بأن فرنسا اعترفت بالدولة المزعومة بعد أن التقى عصمت زقلمة ببعض أعضاء الأحزاب الفرنسية ومنها الحزب الحاكم اليميني المتشدد "الاتحاد من أجل حركة شعبية (حزب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي) ومودم –" الحزب الديمقراطي".

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: