سطور من الذاكرة\العدد مائة وثلاثة وثلاثون - رجب 1435 هـ
عمر بن الخطاب يحاور اليهود
الأربعاء 30 أبريل 2014

 د. عمر الأشقر رحمه الله(

[1])

كان عمر بن الخطاب سريع البديهة قوي الحجة، وكان من أمره في بداية الهجرة أنه كان يشهد اليهود في يوم مدراسهم([2])، فيعجب من التوراة كيف تصدق القرآن، ومن القرآن كيف يصدق التوراة.

وبينما هو عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب ما مِن أصحابك أحد أحبّ إلينا منك، قال: ولِم؟ قالوا: لأنّك تغشانا وتأتينا.

فبين لهم سبب مجيئه لهم، فلم يكن يأتيهم حباً فيهم، وإنما لفت نظره ذلك التوافق بين التوراة والقرآن، (إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن). قالوا: ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبك فالْحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟

لقد كان قَسماً عظيماً أوقعهم في حرج كبير، ولقد أذهلهم القسم وأسكتهم ولم يتجرأ واحد منهم على الإنكار والمكابرة، ذلك أنهم كانوا يعرفون أن محمداً مرسل من ربهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنّهم كانوا يستكبرون، فما كان من عالِمهم وكبيرهم إلا أن قال: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت.

قال: أمّا إذا نشدتنا بما نشدتنا، فإنّنا نعلم إنه رسول الله. لقد صدقوا في الإجابة، وما دام الأمر كذلك، فمقتضى هذا العلم وتلك المعرفة الاتباع وإلا فإنه الهلاك.

وقد واجههم عمر بذلك فقال: ويحكم إذا هلكتم. ولكنّ النفوس المعوجة المريضة لا تعدم أن تجد إجابة تبرر بها ضلالها وخطأها، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله، ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟

قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة، قال عمر: ومن عدوكم، ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل.

أي وربي إنها لخرافة جاءت بها يهود تريد أن تغشى بها على أبصار من ضعف بصره وبصيرته، ولكن هل تجوز هذه الفرية على ذوي البصائر والأبصار أمثال عمر بن الخطاب الذي أوتي علماً وفهماً وحجة وبياناً؟ لا والله، قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما عزّ وجل؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، قال عمر: قلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل.

أرأيت الحجة التي جاءت على البديهة تسكت الخصم وتكشف عوار حجته، وتفضح كيده ومكره، جبرائيل وميكائيل ملكان مطيعان لربّهما لا يخالفان أمره، ولا يختلفان فيما بينهما، يعاديان أعداء الله، ويواليان أولياءه، وعدو جبريل هو عدوّ ميكائيل، وعدوّ ميكائيل عدوّ لجبريل، فالذي يريد تقسيم الملائكة كما يقسم ملوك الأرض فقد ضلّ وغوى، ونزل القرآن يصدق ابن الخطاب (قل مَن كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين، من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنّ الله عدوّ للكافرين)([3]).

 



[1] - من كتابه: جولة في رياض العلماء.

[2]- ابن جرير الطبري وغيره، انظر تفسير ابن كثير: (1/229).

[3] - سورة البقرة: 97 – 98.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: