الحركة النسوية في مصر (2) الجذور التاريخية
الأربعاء 30 أبريل 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

لا يمكن الحديث عن الحركة النسوية المصرية دون النظر للوراء لمعرفة الجذور الحقيقية لتلك الحركة والمراحل التاريخية التي مرت بها .. النظرة التاريخية ليست مجرد نظرة معرفية جامدة وإنما تحمل بين طياتها روحا وتساؤلات حية متعلقة بالظلم والعدالة .. كيف كانت تعيش المرأة المصرية المسلمة؟ وما هي اهتماماتها؟ وما هو قدر المعارف الذي تحصل عليه؟ من الذي اهتم بها؟ وكيف؟ وما النتائج التي ترتبت على ذلك؟  

لو عاد بنا الزمان قرنين كاملين لربما وضعنا أيدينا على بعض الإجابات لهذه التساؤلات الحيوية فيما يتعلق بوضع المرأة المصرية.

كان واقع المجتمع المصري في بداية القرن التاسع عشر بالغ السوء حيث تردت جميع مناحي الحياة .. مجتمع ضعيف هش بانت هشاشته في ذلك الاستعمار الفرنسي الذي ضرب أراضيه كالزلزال ليكتشف المصريون أن للحياة وجوها أخرى لا يعلمون عنها شيئا وأنهم من الناحية العلمية يرزخون في ظلام هائل .. كان وضع النساء مزريا وكذلك وضع الرجال، وعلى الرغم من حب العلم الديني وانتشار الكتاتيب وتحفيظ القرآن إلا أن مفاهيم دينية كبيرة كانت غائبة أو ملتبسة ومن ذلك تحقير العلم المادي الدنيوي حتى أنه تم مقاومة أن يُدرس في الأزهر أي علوم باستثناء العلوم الدينية البحتة.

وكانت النساء شبه غائبات عن دور تحفيظ القرآن هذه باستثناء من تمكنهن ظروفهن المادية من استقدام معلم خاص للبيت بحيث تصبح المرأة التي تقرأ وتكتب مجرد استثناء شاذ من القاعدة.

تدين مغشوش

كانت العادات والتقاليد البالية التي تم إقرارها تحت وطأة الجهل تمتزج ببعض التعاليم الإسلامية وشاع عدد من الأحاديث الموضوعة عن المرأة ولعل أشهرها (لا تسكنوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة) وفي رواية أخرى لهذا الحديث الموضوع المنسوب كذبا إلى عائشة رضي الله عنها، وأنها ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسورة النور. وفي رواية: واستعينوا عليهن بالعري، وأكثروا لهن من قول لا، فإن نعم تغريهن على المسألة).

لقد وصل من تأصل هذه القضية في الوجدان الشعبي أن رفاعة الطهطاوي - المتهم بالتغريب - وأول من دعا لتعليم الإناث كان يبرر هذا الحديث الموضوع ويحاول أن يجد له مخرجا أو تفسيرا ما (وأما القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة وأنها مكروهة في حقهن ارتكانا على النهي عن بعض ذلك في بعض الآثار فينبغي ألايكون ذلك على عمومه ولا نظر إلى قول من علل ذلك بأنه من طبعهن المكر والدهاء والمداهنة)([1]).

ويتابع الطهطاوي في وصف دقيق للعقلية الجمعية للمصريين فيما يتعلق بوضع وقيمة النساء في ذلك الوقت (ولا يعتمد على رأيهن لعدم كمال عقولهن فتعليم القراءة والكتابة ربما حملهن على الوسائل غير المرضية ككتابة رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمرو وبيت شعر إلى خالد ونحو ذلك وأن الله تعالى لو شاء أن يخلقهن كالرجل في جودة العقل وصواب الرأي وحب الفضائل لفعل([2]).

إذن النساء ضعيفات العقل واللاتي لا يبحثن عن الفضائل ولا يحببنها ما هي الغاية من خلقهن (فكأن الله تعالى خلقهن لحفظ متاع البيت ووعاء لصون مادة النسل)([3])، ثم يستطرد رفاعة الطهطاوي محاولا الرد والدفاع بأسلوب من يقر كثيرا مما قيل ويعتبر صحته ولكنه لايراه منطبقا على كل النساء فيقول: (فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات الذميمة ولا تنطبق على جميع النساء وكم من نهي وردت به الآثار كحب الدنيا ومقاربة السلاطين والملوك والتحذير عن الغنى قد حمل على ما يعقبه شرر وضرر تحقق، وتعليم البنات لا يتحقق ضرره فكيف ذلك وقد كان أزواجه صلى الله عليه وسلم من يكتب ويقرأ كحفصة بنت عمر وعائشة بنت أبي بكر وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان، ولم يعهد أن عددا كثيرا من النساء ابتذلن بسبب آدابهن ومعارفهن، على أن كثيرا من الرجال أضلهم التوغل في المعارف وترتب على علومهم ما لا يحصى من شبه الخروج والاعتزال)([4]).

ويختتم الطهطاوي تحليله للتشديد في قضية التعليم للحمية الجاهلية (وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية الجاهلية)([5]).

هكذا كان المجتمع المصري منذ نحو قرنين من الزمان وهكذا كان يُنظر للمرأة فيه. وغني عن البيان أن المصريين في ذلك الوقت كانت لديهم صورة باهتة للدين وأن قوة العادات والتقاليد كانت الأعلى صوتا وغالبا ما كان يضاف لها طبقة مصطنعة من التدين المغشوش القائم في كثير من الأحيان على الأحاديث الموضوعة والضعيفة كما رأينا في موقفهم من تعليم المرأة.

الإصلاح المتغرب

للأسف الشديد لم يحمل راية النهضة بالمجتمع وبالنساء إسلاميون نهضويون بالمعنى الحقيقي بحيث يعتمدون في نهضتهم على الكتاب والسنة الصحيحة وتكون نظرتهم لغيرهم من الأمم والأفكار نظرة الناقد المدقق وإنما قام بهذه المهمة أشخاص لديهم بعض المعرفة الدينية تم تدجينها عبر تسلط أفكار أخرى كانت تشع بريقا في ذلك الوقت وربما ولهذا السبب لم تؤت أكلها وثمارها في البيئة المصرية.

فرفاعة الطهطاوي مثلا الذي استشهدنا بآرائه وتحليله لقضية تعليم المرأة والذي قدم مرافعة قوية للدفاع عن حقها في التعليم من منظور إسلامي هو ذاته رفاعة الطهطاوي الذي نقل صورة مراقص باريس كما رآها وحلل مهارات الراقصين وكاد أن يقول إنه رقْص لا يخدش الحياء  ويقول في وصفه لحال المراقص في باريس: (فالرقص في باريس دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهييج الشهوات، أما في باريس فإنه لا يُشم منه رائحة العهر أبدًا! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء أكان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن)([6]).

ثم يسهب في وصف نوع الرقصات وشكلها؛ فيقول: (وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده)([7]).

فهو على الرغم من أنه يتحدث في مجمل الوصف إلا أنك تشتم رائحة الرضى عن هذا الرقص الذي يراه لا يخدش الحياء ولا يهيج الشهوات ومسك اليد والخاصرة هي أمور عادية جدا وطبيعية والنساء ترقص مع من يطلب منها ذلك حتى لو كانت لا تعرفه أساسا، وهذا كله أمر يذكره الشيخ!! فكيف يمكن لنا أن نتفاعل مع دعوته لتعليم المرأة من منظور إسلامي وفي الوقت ذاته نقبل كلامه ولو وصفا عن الملاهي والمراقص والراقصات؟!

نستطيع أن نستشف أيضا الربط بين انحلال المجتمع وما فيه من رقص واختلاط، واحترام المرأة وتعليمها وحصولها على حقوقها بينما ترتبط الغيرة بالاعتراض على ظلم المرأة وامتهانها واعتبارها عاملة تحفظ متاع البيت ومجرد وعاء لحفظ النسل.

الحياة الراكدة

على أي حال كان وضع المرأة يتسم بالركود ولم يؤخذ كلام الطهطاوي على أنه حجر ألقي في بركة راكدة، ويبدو أنه لم يكن له تأثير على مستوى القاعدة الشعبية سواء بالنقد البناء أو الاستجابة، ولم يشعل حراكا فكريا وسط المثقفين والمهتمين بالشأن العام وعلى رأسهم مشايخ الأزهر والأشراف وربما يعود السبب الرئيس في ذلك لطبيعة حكم محمد علي وأولاده والذي اتسم بالديكتاتورية وتركز جميع السلطات في يد الدولة ومن ثم أصبحت الدولة المصرية المهيمنة على الشأن الثقافي والمجتمعي.

فعندما اتجه محمد علي لتأسيس المدارس النظامية للأولاد لم يقبل عليها المصريون الذين اعتادوا على نظام الدراسة الحرة في الكتاتيب والأزهر حتى أن محمد علي كان يرسل جنوده للقبض على الأطفال قسرا ودون رغبة من الأهالي ويلحقهم بالمدارس وربما انقطعت صلتهم بأهاليهم لسنوات عديدة وكانت المدارس لها نظام صارم شبه عسكري والمعلمون ضباط في الجيش المصري.

لم يستطع محمد علي الاستجابة لرفاعة الطهطاوي في إنشاء مدارس نظامية للبنات فأنشأ فقط مدرسة للقابلات سنة 1832م للحاجة الماسة لهذا الفرع الطبي النسائي، أما أول مدرسة للبنات فلم تنشأ إلا في عهد إسماعيل سنة 1873م، أما على المستوى الشعبي فكان وضع المرأة يراوح مكانه.

شريعة نابليون

انتهي مشروع التحديث الذي وضعه محمد علي بصورة مأساوية حيث تراكمت الديون في عهد إسماعيل وأعقب ذلك الاحتلال البريطاني لمصر، ومن السذاجة تصور أن الاحتلال كان يهدف فقط للسيطرة العسكرية والاقتصادية على بلد مهم مثل مصر فالسيطرة الثقافية الناعمة هي التي تدوم في الحساب النهائي .. هذه السيطرة التي بدأت قبل الغزو العسكري الفعلي.

فحديث إسماعيل أو حلمه بأن تصبح مصر قطعة من أوربا لم يكن عبثا فالخديوي المفتون بأوربا لا يتم تركه حتى يسير بخطوات هادئة على طريق التحديث الأوربي بل تمارَس عليه ضغوط هائلة لتغيير البنية الثقافية المجتمعية العميقة ربما استباقا لنهضة منشودة تقوم على تراث الأمة وأصالتها حتى أن إسماعيل كان يريد الاحتكام للقانون الفرنسي أو شريعة نابليون كما كان يطلق عليها تحت وطأة هذه الضغوط وكان يريد من رفاعة الطهطاوي أن يكون الحلقة الوسيطة في هذا الأمر الجلل فهو من ناحية قد سبق وترجم القانون الفرنسي في سياق إعجابه الواضح بحداثة الغرب وهو من جهة أخرى شيخ أزهري يستطيع أن يحدث علماء وشيوخ الأزهر بلغة دينية (مزيفة) قال الشيخ رشيد: (حدثني علي باشا رفاعة بن رفاعة بك الطهطاوي قال: إن إسماعيل باشا الخديوي لما ضاق بالمشايخ ذرعاً استحضر والده رفاعة بك وعهد إليه أن يجتهد في إقناع شيخ الأزهر وغيره من كبار الشيوخ بإجابة هذا الطلب وقال له:

إنك منهم، ونشأت معهم، وأنت أقدر على إقناعهم، فأخبرهم أن أوروبا تضطرب إذ هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة نابليون، فأجابه بقوله:

"إنني يا مولاي قد شخت، ولم يطعن أحد في ديني، فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي، وأقلني من هذا الأمر، فأقاله)([8]). هذا الدور الذي قام به علي عبد الرازق بعد ذلك في كتابه المشهور الإسلام وأصول الحكم.

غني عن البيان أن قضية المرأة لا يمكن أن تنفصل عن الصورة والسياق اللذين يعيشهما المجتمع الغارق في غفلته بينما تمارس عليه الضغوط اللعينة حتى يستبدل هويته.

مخطط معلن

لم تمر عشر سنوات على الاحتلال الإنجليزي حتى صدر كتابان بالغا الجرأة في شرح وتوضيح المخطط الذي يراد بالمرأة المسلمة ومن ثم الأسرة المسلمة - جميع المؤامرات التي حيكت لنا كانت منشورة وصريحة وصادمة لدرجة أننا لم نأبه لها - الكتاب الأول نشره قبطي مصري هو المحامي مُرقص فهمي وأطلق عليه (المرأة في الشرق) في سنة 1894م أي بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر بحوالي اثنتي عشرة سنة. 

 رواية (المرأة في الشرق) للقبطي مرقص فهمي عرض فيها لأفكاره المسمومة من خلال الحوار الفني وهي تقنية تم استخدامها كثيرا، أي توظيف الأدب لخدمة الفكرة الهدامة، وهي الفكرة التي ستتطور بظهور فن السينما بعد ذلك وتوظيفها لخدمة المشروع النسوي.

لم يتحدث مرقص عن تعليم النساء إنما تحدث عن الحجاب والاختلاط والحب ومنع التعدد وتقييد الطلاق بل والأدهى من ذلك كله طالب بزواج المسلمات من النصارى من باب المساواة. لقد أسقطت رواية (المرأة في الشرق) خطوطا حمراء لم يكن يجوز الاقتراب منها.

أصبحت مصر تحت الاحتلال مباحة، فهذا مرقص الصليبي يحتمي بالمحتلين الصليبيين الجدد وإن لبسوا ثياب الحداثة والعلمنة وهذا "الدوق دراكير" يكتب مؤلفه (المصريون) ليهاجم أبناء هذا الشعب الذين وقعوا ضحية الاحتلال. تعدى الدوق دراكير على الإسلام وهاجم أحكامه المتعلقة بالمرأة، وحمل فيه على نساء مصر، وهاجم المصريين، وتعدى على الإسلام، ونال من الحجاب الإسلامي وقرار المرأة في بيتها واقتصار وظيفتها على التربية.

 ولا يمكن أن ننسى في هذا الصدد قيام اللورد كرومر بتعيين القسيس المنصر «دوجلاس دنلوب» في منصب مستشار لوزارة المعارف المصرية «وزارة التعليم» ذلك الرجل الذي سيلعب دورا غاية في الأهمية لاستغلال التعليم في خدمة الاستعمار الثقافي والذي سيتجلى في أوضح صوره فيما يتعلق بقضية المرأة.

 



[1] - المرشد الأمين للبنات والبنين .. رفاعة الطهطاوي، ص 143 دار الكتاب المصري.

[2] - المرجع السابق.

[3] - المرجع السابق.

[4] - المرجع السابق.

[5] - المرجع السابق.

[6] - تخليص الإبريز في تلخيص باريز، رفاعة الطهطاوي ص 119 نقلا عن مصطفى كريم الطهطاوي، البذرة الأولى لشجرة التغريب.

[7] - المصدر السابق.

[8] - تاريخ الإمام محمد عبده للشيخ محمد رشيد رضا ص 620، 621 نقلا عن (عودة الحجاب) لمحمد إسماعيل المقدم.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: