الحركة النسوية في السودان وصراع المستقبل
الأثنين 3 مارس 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

لا شك أن الحديث عن الحركة النسوية في السودان له نكهة ومذاق مختلف تماما عن باقي البلاد فالبلد الأفريقي ذو المساحة الشاسعة والثقافات المتنوعة والأحداث الساخنة جدا يشهد جدلا واسعا وتناقضات كبيرة جدا على ساحته الثقافية والسياسية والاجتماعية.

السودان رقم مهم جدا في معادلة الصراع الموجود في المنطقة وهو ساحة مفتوحة لكثير من اللاعبين، وليس من المبالغة في شيء القول إن السودان هو المفتاح الحقيقي لأفريقيا وإن شكل وطبيعة الثقافة فيه لها تأثير كبير على جيرانه، فكما أن أمنه واستقراره يجعلان منه لاعبا محوريا في أفريقيا فإن شكل الثقافة فيه يعد رسالة حضارية للقارة البكر بأكملها.

ولا يمكن الحديث عن ثقافة السودان وهويته دون التطرق لموقع المرأة منها وطبيعة الأفكار الحاكمة فيها .. هل هي نابعة من طبيعة السودان العربي المسلم أم أن رياح وافدة قد عبثت فيها، أعني تحديدا الحركة النسوية العالمية، هل استطاعت اختراق المجتمع السوداني خاصة وأن هناك مشكلات ضخمة لا سيما بالنسبة للنساء السودانيات أم أنها (أي الحركة النسوية) في طور المحاولة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في السطور التالية:

رفض التوقيع

السودان واحدة من ست دول رفضت التوقيع على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولم تنجح الحركة النسوية فيها (بشقيها: الشيوعي الذي له التأثير الأكبر، أو الليبرالي المدعوم من الغرب) من إجبار الحكومات المتتابعة على التوقيع على اتفاقية سيداو.

فالاتفاقية طرحت في عام 1979 حيث كان يرأس السودان جعفر النميري، الذي كان يريد أن يصبغ حكمه بصبغة إسلامية ولو صوريا ولا ننسَ التذكير في هذا الصدد بتجربته في إعلان تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في عام 1983 ثم خلفه المشير عبد الرحمن سوار الذهب ذو الحس الإسلامي والذي يشغل الآن منصب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية، والذي سلم السلطة لحكومة السيد أحمد الميرغني (رئيس مجلس السيادة) وهو نجل السيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية، ومن ثم لم يحاول التصديق على اتفاقية السيداو سيئة السمعة، حتى وصل للحكم حكومة الإنقاذ العسكرية ذات التوجه الإسلامي بقيادة المشير البشير والتي رفضت الإذعان للضغوط التي تطالبها بالتوقيع على الاتفاقية المعيبة وربما كان ذلك من الأسباب الهامة التي تقف وراء الموقف الغربي الرافض لحكومة الإنقاذ وللبشير.

نظرة تاريخية

المتابع لجذور الحركة النسوية في السودان يرى تشابها ملحوظا مع الحركة النسوية المصرية وإن كانت الحركة السودانية تالية بخطوة (فمرحلة التبشير بالوعي النسوي ـ وهي المرحلة الأولى في مراحل نشأة المنظمات النسوية ـ التي بدأها مفكرون رجال، من أمثال الشيخ محمد عبده ورفاعة رافع الطهطاوي وقاسم أمين (1899) في مصر، وجدت صداها في السودان ودفعت أحد رجال المجتمع السوداني المعروف بتاريخه النضالي الناصع في مناصرة الثورة المهدية والقتال في صفوفها ضد الاستعمار العثماني، وهو الشيخ بابكر بدري، لأن يفتح أول مدرسة لتعليم البنات في 1906م، في مدينة رفاعة بوسط السودان)([1])، ولعل من الأهمية بمكان ملاحظة أن جميع الحركات النسوية بدأت بقضية التعليم الذي أصبح أداة التواصل مع النساء والفتيات، وعن طريقه يتم خلخلة أفكارهن وزرع أفكار دخيلة وكان الأولى أن يتنبه الإسلاميون لأهمية التعليم لأمة كانت أول كلمات كتابها الموجه للرجال والنساء جميعا "اقرأ".

صحيح أن الجهل كان متفشيا بين الرجال والنساء جميعا وأن طريقة الخلاوي المنتشرة في السودان لم تكن تناسب الفتيات إلا أن هذا لا يمنعنا من التقييم الموضوعي لجهود الإسلاميين في هذا المضمار .. لا يمنع من ذلك أن من قام بالدعوة للتعليم هم من المشايخ أو ممن يربطون بين الدعوة لتعليم الفتيات وتعاليم الدين إلا أن الموجة قد ركبها في النهاية النسويات والعلمانيون.

بين الشيوعية والليبرالية

ومن الملاحظات التاريخية أيضا أن الحركة النسوية الشيوعية كان لها التأثير الأكبر في الحركة النسوية في السودان، فمنذ نشأة الحركة الشيوعية في السودان في أربعينيات القرن الماضي وهي تسيطر على مجمل الحركة النسوية السودانية مستغلة ظروف الفقر المدقع الذي تعيشه قطاعات واسعة من النساء.

ولفهم منهجية الشيوعيين في التعامل مع قضايا النساء نستعرض بيانهم الجماهيري الذي أصدرته سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني  بمناسبة 8 مارس (يوم المرأة العالمي)، فبعد أن تحدث البيان عن المرأة والطفل ضحايا التهجير الناتج عن الحرب والجفاف والتصحر تحدث البيان عن الفئات المهمشة والفقيرة من صانعات الأطعمة والشاي وبيع الملابس المستعملة والأدوات المنزلية زهيدة السعر حيث ذكروا أن هذه الفئة تشكل  85% من الباعة في بعض أسواق أطراف العاصمة وأن أغلبيتهن بين سن: 20- 25 سنة وأن بناتهن الصغار حتى سن 15 سنة يساعدن ويشاركن في البيع وأن هاجس هؤلاء النساء الرسوم اللاتي يطالبن بها ومصادرة الأواني وما فيها، كما تحدث البيان عن ظاهرة النساء السجينات وذلك الجيل الجديد من المواليد في السجون([2]).

من الملاحظ أن الشيوعيين يتلاعبون بمشاعر البسطاء والمهمشين كصانعة الشاي السودانية الذي تصنعه على الطريق ويناقش مشاعر الخوف الذي ينتابها من الإتاوة التي قد تفرض عليها أو طردها من المكان أو الاستيلاء على عدتها البسيطة وهم يعطون دورات متخصصة للكوادر النسائية الشيوعية للتعامل مع هذه الفئات وتجنيدها.

ومن المعلوم أن الاتحاد النسائي السوداني يسيطر عليه الشيوعيون، بينما تجادل النسويات الليبراليات أن الحركة النسوية السودانية بدأت مستقلة في أربعينيات القرن الماضي، أما أجندتهم فهي تبدو كصدى واضح للفكر النسوي الغربي بعيدا عن قضية الطبقية التي تحتل المرتبة الأولى لدى الشيوعيين الذين لا يزالون قوة لا يستهان بها حتى بعد سقوط المعسكر الشرقي.

تطالب الحركة النسوية المدعومة من الغرب بالآتي([3]):

* منع ومحاربة كافة أشكال الاعتداء على جسد المرأة؛ من ممارسات الختان وضرب المرأة والاغتصاب وغيرها؛ وتحريمها ومحاربتها بمثابرة؛ بقوة القانون وبتنظيم حملات تعليمية واجتماعية مكثفة ومتواصلة.

• إجازة قانون ديمقراطي مدني للأحوال الشخصية؛ يضمن حقوق المرأة المتساوية مع الرجل داخل الأسرة؛ بما فيها منع تعدد الزوجات؛ والتقنين والمساواة فيما يتعلق بالطلاق وحقوق رعاية الأطفال والوراثة؛ وبما ينسجم مع المعاهدات الدولية.

• ضمان مساواة المرأة والرجل أمام القانون؛ والنص غير المشروط على ذلك في الدستور؛ وفي كل القوانين؛ بما يتفق مع الاتفاقات الدولية؛ وخصوصا اتفاقية إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).

وهي نفس النغمات المعهودة من جميع المنظمات النسوية المدعومة غربيا: منع تعدد الزوجات، المساواة في الميراث، التوافق مع السيداو.

التحالف المر

ولكن هذا لا يمنع من تحالف الشيوعيين والليبراليين معا رغم كل الخلافات الظاهرة حتى يكسبا قضية المرأة (على رغم الحدود الفاصلة بين وجهة نظر الشيوعيين في تحرير المرأة ووجهة نظر البورجوازيين، إلا أنه في حركة النضال من أجل حقوق المرأة يوجد منبر مشترك لهذا العمل ولفترة طويلة، وأن الاتحاد النسائي عبر عن جبهة واسعة هدفها النضال من أجل إعلان حقوق المرأة في حيز الحقوق الديمقراطية البورجوازية)([4]).

إن الحركة النسوية السودانية ليست على استعداد للتحالف فقط بين الشيوعيين والليبراليين، إنها على أتم الاستعداد للتحالف مع الإسلاميين، أو من يطلقون على أنفسهم هكذا، بينما هم يقدمون تبريرات شرعية ـ إن جاز التعبير ـ للفكر النسوي باعتباره لا يتعارض مع الإسلام، ومن المعلوم أن هذا الغطاء الشرعي قد يحقق نتائج أسرع بكثير مع مجتمع متدين بالفطرة كالمجتمع السوداني (والوجه الآخر لهذه المشكلة، هو استكمال معرفتنا ودراستنا لتيار النهضة والإصلاح الإسلامي الذي قاده عدد من المفكرين الوطنيين في مصر والشام ضد الجمود السلفي في قضية تحرير المرأة، ولا نكتفي فقط بالاستشهاد والمقتطفات من أعمالهم، بل نواصل ونطور في الصراع ضد الجمود السلفي في السودان، والاقتراب من الساسة ورجال الدين الإسلاميين الذين ينطلقون من تيار النهضة والتجديد، ويحاولون بإخلاص أن يجدوا حلا إسلاميا لمشاكل مجتمعنا وعصرنا بما في ذلك قضية تحرر المرأة، وقد ساعد نفر من هؤلاء كثيرا في بداية تنظيم حركة النساء في السودان وتصدوا بشجاعة للجمود السلفي)([5]).

إنهم يريدون دراسة الحركة الإسلامية دراسة متعمقة لا قراءة سطحية تعتمد على النقول والمقتطفات حتى يكتشفوا من يلبس معتقداتهم ثياب الدين وغالبا فإن هؤلاء المفكرين المنشودين سيكونون في مصر والشام بالتأكيد كالدكتور نصر حامد أبو زيد وسيد القمني بحيث يقيمون تحالفا معهم ضد من أطلقوا عليهم السلفيين في السودان، فهل كل اجتهادات الدكتور الترابي وما أثارته من جدل لا تشبع شهيتهم أم أن الدكتور الترابي مثلا من هؤلاء السلفيين؟!

 



[1] - بروز حركة نسوية جديدة في السودان والتحديات التي تواجهها، وليد عثمان النقر، موقع الحوار المتمدن.

[2] - تتوفر على شبكة الإنترنت بيانات ووثائق الحزب الشيوعي السوداني تجاه قضية المرأة.

[3] - في يوم المرأة العالمي لتتحول إرهاصات الثورة النسوية السودانية إلى برنامج مستقل للعمل والتغيير،  مجموعة نساء ليبراليات.

[4] - الحزب الشيوعي السوداني وقضية المرأة (1) تاج السر عثمان، مركز دراسات وأبحاث الماركسية واليسار.

[5] - الحزب الشيوعي السوداني وقضية المرأة (2)، السابق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: