فرق ومذاهب\العدد مائة وواحد وثلاثون - جمادى الأولى 1435 هـ
الحزب الجمهوري في السودان.. الواقع ومحاولات التأثير
الأثنين 3 مارس 2014

 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

الفكرة الجمهورية، أو الحزب الجمهوري هو حزب سوداني أسسه المهندس محمود محمد طه ليدعو إلى قيام حكومة فيدرالية ديمقراطية اشتراكية تحكم بالشريعة الإسلامية وفق رؤيته الخاصة، ومبادئ الحزب عبارة عن مزيج من الأفكار الصوفية الغالية والفلسفات المختلفة مع شيء من الغموض والتعقيد المقصود بغية إخفاء كثير من الحقائق أولاً، ولجذب أنظار المثقفين ثانياً.

ومؤسس الحزب محمود محمد طه مولود عام 1909م بمدينة رفاعة وسط السودان، وهو سليل أسرة متصوفة موغلة في التصوف. درس محمود محمد طه بالخلوة (الكُتّاب)، وأتم المدرسة الوسطى، ثم التحق بقسم المهندسين بكلية غردون التذكارية «جامعة الخرطوم فيما بعد»، وتخرج منها في سنة 1936م، حيث عمل بالهندسة في رئاسة السكة الحديد في مدينة عطبرة بشمال السودان. وفي خلال ذلك وبعده واصل محمود اطلاعه العلمي واغترف كثيراً من تراث الفلاسفة الغربيين، ورجال التصوف الفلسفي.

بدايات ظهور الحزب:

اشترك محمود في الحملة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني، وأصدر عدة منشورات ضد الحكم الاستعماري في السودان، تمركزت تلك المنشورات حول قضية (الخفاض الفرعوني) وهو نوع من الختان المنهك الذي لا يزال المجتمع السوداني في بعض قطاعاته يتمسك به، كعادة قديمة، وقد أصدر الاستعمار قانوناً يمنع عملية الخفاض الفرعوني للفتيات، ويعاقب القابلة التي تجري تلك العملية بخمسة أعوام سجناً، وكان محمود في الصف المعارض لمنع الخفاض، وقد اعتقل محمود عدة مرات جراء معارضته لذلك، وقيادته للمظاهرات، وقُدم لمحكمة قضت عليه بالسجن مدة عامين.

قضى محمود فترة السجن في التحنث والتصوُّف والاطلاع والتأمل الفكري، وكانت تلك الفترة هي نقطة التحول الكبرى في فكر زعيم الحزب، وبداية لاتصاله بالفكر الباطني خاصة فكر محيي الدين بن عربي صاحب الفتوحات المكية، وفصوص الحِكم، ثم أتبع تلك الفترة، بفترة خلوة أخرى مدتها ثلاثة أعوام، قضاها في مدينة رفاعة، وتمكن خلال هذه الفترة من مراجعة أفكاره السابقة، ثم قام بصياغتها صياغة جديدة وأطّرها في منهج يزاوج بين العمل السياسي والفكر الصوفي.

وفي أواخر سنة 1951م خرج محمود من عزلته ليواصل نشاطه العام من جديد، وأصدر كتاباً سماه «قل هذه سبيلي» دعا فيه إلى حكومة عالمية، ودافع فيه من جديد عن عادة الخفاض الفرعوني المستهجنة. وفي عام 1955م، قبيل استقلال السودان، وإبان معركة الدستور وسؤال الهوية، واختلاف المشروعات المطروحة ما بين داع إلى دستور إسلامي، وآخر داع إلى دستور علماني، وما بين ذلك، حدد محمود تصوره الخاص في كتاب أخرجه بعنوان: «أسس دستور السودان» سجّل فيه مقترحات كثيرة لأسس الحكم الصالح، ولمعالجة مشكلات المجتمع السوداني في نواحي الاقتصاد والتعليم والاجتماع. وقد برزت ملامح الفكر الباطني للرجل لأول مرة ظاهرة في صياغات هذا الكتاب القانوني.

أصدر في 1962م كتاباً جديداً يؤصل فيه لملامح فكر الحزب، بشكل أوضح وأصرح، وهو كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، وقد سمع الناس لأول مرة في هذا الكتاب أن الإسلام رسالتان، وأن الحرية في الإسلام مطلقة لا قيد عليها، وأن الإسلام دين يدعو إلى الاشتراكية التي تصل إلى الشيوعية العامة في كل شيء. وقد ذكر المفكر الماركسي د. سمير أمين، في تقديمه للترجمة الفرنسية لكتاب "الرسالة الثانية من الإسلام": أن اشتراكية محمود محمد طه هي الدعوة الاشتراكية الأقرب إلى الشيوعية، وقال: "إن الاشتراكية وفقاً لمحمود محمد طه هي رديفٌ لتمكُّن البشر جميعهم من أخذ نصيبهم المتساوي من الثروة المادية التي استطاعت أن تنتجها عبقرية الإنسان". وبذلك، فإن هذا التعريف يجعله في واقع الأمر أكثر قرباً لمفهوم الشيوعية من تجارب وبرامج الاشتراكية التاريخية الحديثة.

تعرَّض للسجن في الفترة الأخيرة من حياته، ثم أُفرج عنه بعد ذلك، لكنه قاد نشاطاً محموماً فور خروجه من السجن معترضاً على تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، مما أدى إلى صدور حكم بالإعدام ضده مع أربعة من أنصاره بتهمة الرّدة ومعارضة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأمهل ثلاثة أيام ليتوب خلالها، لكنه لم يتب، وقد أعدم شنقاً صباح يوم الجمعة 27 ربيع الثاني 1405هـ، الموافق 18/1/1985م وعلى مرأى من أتباعه الأربعة وهم:

1)  تاج الدين عبد الرزاق، 35 سنة، العامل بإحدى شركات صناعة النسيج.

2)  خالد بكير حمزة، 22 سنة، طالب بجامعة القاهرة -  فرع الخرطوم.

3)  محمد صالح بشير، 36 سنة، مستخدم بشركة الجزيرة للتجارة.

4)  عبد اللطيف عمر، 51 سنة، صحفي بجريدة الصحافة.

وقد أعلنوا جميعاً توبتهم بعد يومين وأنقذوا بذلك رقابهم من حبل المشنقة.

أفكار ومعتقدات الجمهوريين:

يقول محمود طه عن القرآن الكريم: "القرآن موسيقى عُلوية، هو يعلمك كل شيء ولا يعلمك شيئاً بعينه، هو ينبه قوى الإحساس ويشحذ أدوات الحس ثم يخلي بينك وبين عالم المادة لتدركه على أسلوبك الخاص، هذا هو القرآن". كما لا يلتزم الجمهوريون في تفسير القرآن بالمأثور في شتى أنواعه من تفسير القرآن بالقرآن أو بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقوال الصحابة أو أقوال التابعين، ويفسرون القرآن بما يخالف قواعد اللغة العربية وأحيانا بما يتعارض معها.

كما يقول محمود محمد طه وأتباعه بالتفسير الباطني للقرآن، ويأتي من المعاني لآيات القرآن على ضوء هذا المعنى عنده بما لا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة ولا إلى لغة، ويستشهد بأقوال غلاة الصوفية ويورد أقوالهم ويعتقد بوحدة الوجود .

فالاتجاه الجمهوري في تفسير القرآن الكريم وفي شرح السنة النبوية هو اتجاه باطني منحرف عن النهج القويم لتفسير القرآن الكريم أو شرح السنة النبوية، والتأويل الباطني عند الجمهوريين يخرج بالقرآن الكريم عن هدفه الذي يرمي إليه، فالقرآن الكريم يقصد هدفاً معيناً بتأويلاتهم الفاسدة، وبين الهدفين تنافر وتضاد فيأبى الجمهوريون إلا أن يحولوا الإسلام عن مقصده وهدفه إلى مقصدهم وهدفهم فيقيمون مذهبهم ويروجون له على حساب القرآن الكريم والسنة النبوية.

فهدفهم أن يقيموا مذهبهم في ظاهره على أساس من تفسيرهم لكتاب الله وبهذا الصنيع يكون الجمهوريون قد خدموا هدفهم ولم يقدموا للقرآن شيئاً إلا هذا التأويل الفاسد، الذي كله شر على الدين وإلحاد في آيات الله. وقد اتبع محمود في تأويله المنهج المذموم في التفسير، وعارض النصوص الصريحة في القرآن الكريم، وقال بمرحلية الآيات المعارضة لمذهبه والتي لم يستطع تأويلها لصراحتها، وتأويلاته للآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأويلات باطلة متكلفة يمجها الذوق السليم، ولا تتفق في قليل أو كثير مع قواعد الدين وبلاغة القرآن الكريم وفصاحة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

يؤمنون بفكرة ثنائية الإله، حيث يعتقدون أن الرحمن هو إله الأرض وأن الله هو إله السماء وهما إله واحد، يقول محمود محمد طه في تفسير قوله تعالى: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم" فإله الأرض إله الإرادة، وإله السماء إله الرضا، وإله الأرض الرحمن، وإله السماء الله وإنما هو إله واحد .

ويزعم محمود محمد طه أن الأصل في الإسلام السفور وليس الحجاب ويقول: (الحجاب ليس أصلا في الإسلام، والأصل في الإسلام السفور لأن مراد الإسلام العفة وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال لا عفة مضروبة بالباب المقفول والثوب المسدول)، ويفسر قوله تعالى عن آدم وحواء – عليهما السلام – لمّا أكلا من الشجرة وبدت لهما سوآتهما: "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" بقوله الذي نقلناه آنفا (إشارة إلى الحجاب الذي أملاه الخزي الذي صاحب الخطيئة وقد تحدثنا عن ذلك في موضعه من كتابنا (الرسالة الثانية من الإسلام) تحت عنوان (الحجاب ليس أصلا في الإسلام)، وفيه يقول: "فأخذا يستران عوراتهما بورق التين، يومئذ بدأ الحجاب فهو نتيجة الخطيئة وسيلازمها حتى يزول بزوالها إن شاء الله، ومن ذلك قوله تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم" وهو يعني قد خلقناكم وفرضنا عليكم لبس ثياب القطن والصوف وغيرها مما يواري عوراتكم، وقوله: "ولباس التقوى" يعني التوحيد والعفة والعصمة المودوعة في قلوبكم، قوله: "ذلك" يعني إلباس العفة (خير) من إلباس القطن" .

كما يزعم محمود محمد طه أنه تلقى رسالة عن الله كفاحاً بدون واسطة، وزعم بأن الدين هو الصدأ والدنس، وقد قام في ظل الأوهام والخرافات والأباطيل التي صحبت علمنا بالله وبحقائق الأشياء وبما يمليه علينا الواجب نحو أنفسنا ونحو الله ونحو الجماعة.

ويقول بأن مستوى شريعة الأصول هو مستوى الرسالة الثانية من الإسلام وهي الرسالة التي وظف حياته للتبشير بها والدعوة إليها. ويزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو وحده الإنسان في سائر أمته إذ كانت له شريعة خاصة قامت على أصول الإسلام وكانت شريعة أمته تقوم على الفروع.

وكان الجمهوريون يحرصون على خروج الأخوات الجمهوريات في تشييع الجنائز، وإذا اضطروا للصلاة فإن المرأة الجمهورية هي التي تؤذن في حضور الرجال! ولا يولم الجمهوريون في الزواج الجمهوري، ولا يضحّون في مناسبة عيد الأضحى، مخالفة للسنة.

والصلاة عندهم، الصلاة بالمعنى القريب: هي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة، والصلاة بالمعنى البعيد: هي الصلة مع الله بلا واسطة، أو هي صلاة الأصالة. ويرون بأن التكليف في مرحلة من المراحل يسقط عن الإنسان لاكتمال صلاحه، إذ لا داعي للعبادة حينذاك، على نحو ما يقول غلاة الصوفية، يقول محمود محمد طه: " … ويومئذ لا يكون العبد مسيراً، إنما مخير قد أطاع الله حتى أطاعه الله معارضة لفعله، فيكون حيًّا حياة الله، وقادراً قدرة الله، ومريداً إرادة الله، ويكون الله" ـ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً ـ

ويقول: "إن جبريل تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسار المعصوم بلا واسطة لحضرة الشهود الذاتي، لأن الشهود الذاتي لا يتم بواسطة.. والنبي الذي هو جبريلنا نحن يرقى بنا إلى سدرة منتهي كل منَّا، ويقف هناك كما وقف جبريل حتى يتم اللقاء بين العابد المجرد وبين الله بلا واسطة، فيأخذ كل عابد مجرد، من الأمة الإسلامية المقبلة شريعته الفردية بلا واسطة فتكون له شهادته، وتكون له صلاته وصيامه وزكاته وحجه ويكون في كل أولئك أصيلاً".

وكان محمود محمد طه يرى "بأن اللطائف تخرج من الكثائف، وعلى هذه القاعدة المطردة فإن الإنجيل قد خرج من التوراة، كما ستخرج أمة المسلمين من المؤمنين، كما ستخرج الرسالة الأحمدية (أي الجمهورية) من الرسالة المحمدية، كما سيخرج الإخوان من الأصحاب".

ويعتقد الجمهوريون بأن الذين كانوا حول النبي هم أصحابه، أما الأتباع الذين يتبعون الدعوة الجمهورية فهم الإخوة معتمدين في ذلك على الحديث الذي رواه ابن ماجة في كتاب الزهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لوددنا أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: يا رسول الله: أوَلسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي، وأنا فرطكم على الحوض.. ".  

عموماً جاءت أفكار هذا الحزب مزيجاً مشوشاً مضطرباً من أديان وآراء ومذاهب كثيرة حديثة وقديمة، فقد اعتمد مؤسس هذا الحزب على آراء محيي الدين بن عربي في كتابه (فصوص الحكم) مما حمل بعض النقاد على الاعتقاد بأنهم حركة صوفية باطنية، يضاف إلى ذلك أنهم يطلقون البخور ويرقصون في الشوارع على الأنغام الإيقاعية في حلقات الذكر الجمهوري، ويصدر زعيم الحزب في كثير من آرائه عن فرويد، وداروين، كما يرى البعض أنه متأثر بالنصرانية من خلال مناقشته لفكرة الإنسان الكامل الذي سيحاسب الناس بدلاً عن الله، وقد أخذ أفكاره من كتاب (الإنسان الكامل) لمؤلفه عبد الكريم الجبلي. واعتمد طه على الأفكار الاشتراكية الماركسية في تحديد معالم فكرة الدولة القادمة التي يدعو إليها، ويلتقي الجمهوريون في كثير من أفكارهم مع البهائية والقاديانية.

أهداف الحزب الجمهورى:

حدد زعيمهم الأهداف التي يسعون إليها بما يلي:

1- إيجاد الفرد البشري الحر "الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول".

2- إقامة ما يسمى بالمجتمع الصالح "وهو المجتمع الذي يقوم على المساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية".

3- المساواة الاقتصادية: وهي تبدأ بالاشتراكية، وتتطور نحو الشيوعية.

4- المساواة السياسية: وهي تبدأ بالديمقراطية النيابية المباشرة وتنتهي بالحرية الفردية المطلقة، حيث يكون لكل فرد شريعته الفردية.

5- المساواة الاجتماعية: حيث تمحى فوارق الطبقة واللون والعنصر والعقيدة.

6- محاربة الخوف.. "والخوف من حيث هو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك (ويعنى هنا مخافة الله) ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهو خائف، ولا تتم كمالات الأنوثة للأنثى وهي خائفة في أي مستوى من الخوف وفي أي لون من ألوانه، فالكمال والسلامة من الخوف" كما ذكر طه في كتابه رسالة الصلاة، ص 62.

فالحزب الجمهوري في السودان حزب منحرف عن الإسلام، عمد مؤسسه إلى إفراغ المصطلحات الإسلامية من مدلولاتها الشرعية ووظف حياته لهدم الإسلام وتحريف أصوله وسلك طريقاً ينأى بأتباعه عن الدين الصحيح بتلبيس الحق بالباطل مستفيداً من أفكاره ومستعيناً بمصادر أخرى غير إسلامية من الفلسفات الإغريقية، وتابع غلاةَ الصوفية في المناداة بوحدة الوجود وألبسها طابعاً علميًّا لتجد سبيلها إلى نفوس الشباب وبعض المنبهرين ببريق العلم، وانتهى أمره بأن غالى فيه أتباعُه واعتقدوا بأنه المسيح المنتظر وأقرهم على ذلك ولم يعترض عليه.

وضع الحزب بعد إعدام زعيمه:

نشأ هذا الحزب وترعرع في السودان، وأنصاره بلغوا بضع عشرات من الألوف، لكن عددهم انحسر وتقلص كثيراً جدًّا عقب إعدام زعيمهم، ويرى كثير من المراقبين أن إعدامه أسدل الستار على نشاطات أكثر الطوائف الآيديولوجية نشاطاً وحيوية في ذلك الوقت بالسودان، ومن أكثرها اهتماماً بالطرح الفكري والجدل، فقد كانوا يواصلون دعوتهم بلا كلل ولا ملل، وفي صبر واحتمال عجيبين، ولا شك أن جهد الواحد منهم كان يساوي جهد عشرين عاملاً في الحركات الآيديولوجية الأخرى، ولكن الآن اختفى هذا النشاط، ولكنه بدأ يظهر من جديد، بعد البدء في مراسم تدشين الحزب الجمهوري من جديد رسمياً بالسودان. 

كان الجمهوريون يراهنون علناً أن زعيمهم لن يموت حتى يقيم دولته، وتعمّ فكرته الآفاق، وقد زخرت أشعارهم وأفكارهم بهذا المعنى، ولذلك فقد أُصيبوا بصدمة عنيفة من جراء الإعدام، وبدوا مذهولين وكأنهم غير مصدقين لما وقع، رغم أنهم رأوه رأي العين، وقد توقفوا عن الجدل العلني منذ ذلك اليوم وأعلن بعضهم عن ردته عن الفكر الجمهوري، كما أعلن بعضهم أنه قد بدأ يعيد النظر في إيمانه وولائه لتلك الأفكار.

وقد رأى مراقبون آخرون أن إعدام محمود محمد طه، في سبيل مذهبه، ربما زاد من قداسته في نظر أتباعه، وربما زادت هذه الحادثة من إيمان الجمهوريين بالفكرة والزعيم، ولا سيما أن الزعيم لم يتزعزع قط، لا في المحكمة التي رفض التعاون معها، وابتسم لها ساخراً حينما نطقت بالحكم، ولا في منصة الإعدام التي تقدم إليها رابط الجأش.

ومن غريب معتقدات بعض الجمهوريين أنهم يرون أن زعيمهم دبّر عملية إعدامه، فتقول ابنته أسماء: "أنا أعتقد أن الأستاذ دبر كل هذه المسائل، وهو هيأنا لذلك، فحينما حكمت عليه المحكمة كانت لديه فرصة للاستتابة والرجوع، إلا أنه رفض ذلك. وابتسامته على مقصلة الإعدام خير دليل على ذلك، كما أنه ترك لنا وصية منذ الخمسينات، وهي (لا أكفن ولا يُناح عليّ، ولا توضع على قبري علامة)، وهذه أشياء توضح إلى أي مدى ذهب.

وقد ذكر البروفيسور شوقي بشير المتخصص في الفكر الجمهوري، أن الجمهوريين انطلاقاً من إيمانهم بنظرية التطور وعقيدتهم في وحدة الوجود المادي، ربما رأوا في موت الزعيم مرحلة من مراحل السعي في سلسلة الوجود، وبداية لدورة جديدة لجسمه حيث تسعى أجزاؤه للوصول للكمال المطلق.

فالجمهوريين يؤمنون بأن عمل الإنسان لا ينقطع بالموت، وأن الإنسان قد يصل إلى نقطة «الوصول»، في خلال حياته، أو عند موته، أو بعد الموت. وفي هذه الحالة فإن اختفاء الزعيم لن يُحدث تأثيراً سلبياً على دعوته، وسيظل هو يكافح وهو ميت، كما سيواصلون هم الكفاح في كل الأحوال!

من أبرز رموز الجمهوريين داخل السودان وخارجه:  

يلاحظ الوجود المكثف للجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية، والتى لجأ إليها كثير منهم بعد إعدام زعيمهم محمود محمد طه، وقد فتحت لهم الجامعات الأميركية أبوابها، فنالوا فيها الشهادات العالية، وكشف الأستاذ الصحفي الطيب مصطفى أن عدداً من الجمهوريين عملوا مترجمين ضمن القوات الأمريكية العاملة في العراق إبان الاحتلال، وقد تمّ استقطاب العديد من أتباع محمود محمد طه في الولايات المتحدة، وكشف بعض الصحفيين السودانيين أن الوقف الوطني للديمقراطية الذي توفِّر ميزانيته الحكومة الأمريكية الفيدرالية، عبر وزارة الخارجية، والذى أُنشئ عام 1983م في عهد الرئيس رونالد ريغان، حيث أُوكِل إليه أن يقوم علناً بتنفيذ العمليات التي كانت (CIA) تنفذها سرَّاً، قد موّل هذا الوقف منظمات ومراكز وشخصيات سودانية ذات صلة بالحزب الجمهوري منها مركز الخاتم عدلان بالخرطوم الذي كان يديره د. الباقر العفيف المعروف بانتمائه للجمهوريين.

يرى د. شوقي بشير أن دعوةً بهذا التعقيد الفكري، والتصميم الحركي، جديرة بأن تصبح محط أنظار أعداء الإسلام في كل مكان، ولذلك فقد رشحوها بديلاً لحركات الدعوة الإسلامية في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وعملوا على تلميعها وانتزاع شهادات التزكية لها من مختلف الأوساط الفكرية الاستشراقية وأوساط عملاء اليسار الماركسي المستخدمين أمريكيا في الوقت الحالي.

وظل معظم الجمهوريين بالخارج على ارتباط بالسودان، سواء عبر الكتابات أو الزيارات، ومن أبرز هؤلاء:

1- أسماء محمود محمد طه: وهي ابنة صاحب الفكرة الجمهورية، تخـرجت من كليـة القانـون بجامعـة الخـرطـوم وعملت مستشــارة بديـوان النائب العـام، وهي متزوجة من الجمهوري د. النـور حمــد، وكانت تعيش بالولايات المتحــدة، قبل أن تستقر حالياً بالسودان، وتسعى لتسجيل الحزب الجمهوري كحزب سياسي، وهي التى يتوقع أن تقود الحزب الجمهوري في السودان بعد تسجيله رسمياً.

2- د. النور حمد:  حاصل على دكتوراه التربية في التربية الفنّية من جامعة إلينوى، وماجستير التربية الفنّية من جامعة ميامي، ودبلوم الفنون الجميلة من كلّية الفنون الجميلة والتطبيقيّة في السودان. درَّس في جامعات شرق واشنطن، ومانسفيلد، في الولايات المتحدة الأميركيّة، وعمل رئيسًا لقسم التربية الفنية في جامعة قطر. نُشرت له دراسات متنوّعة في الدوريّات الأكاديمية المحكّمة في الفكر والتعليم والسياسة. وقد ألّف عدّة كتب في الفكر والثقافة والسياسة وحرّر كتبًا أخرى.

وهو عضو في عدّة منظمات علمية وثقافية، وتتركز اهتمامات حمد البحثيّة في تيارات الروحانية المماثلة للتصوّف الإسلامي، كما تشمل اهتماماته البحثية الخصائص الثقافية للسودان.

يعمل الدكتور النور حمد باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، ومشرفًا علميًّا على الموقع الإلكتروني للمركز، ومسؤولًا عن قسم التحرير، ومديرًا لتحرير مجلة "سياسات عربية" التي يصدرها المركز، وهو متزوج من الابنة الكبرى لمحمود محمد طه (أسماء).

3- د. محمد أحمد محمود: المحاضر في قسم الأديان المقارنة بجامعة تفتز الأمريكية، بوستون، وهو صاحب كتاب:

 (Quest for Divinity - A Critical Examination of the Thought of Mahmud Muhammad Taha, Syracuse University Press, 2006) وترجمته: "في السعي إلى الذات العليا.. دراسة نقدية في فكر محمود محمد طه"، عن مطبعة جامعة سيراكيوز، في ديسمبر 2006، ضمن سلسلة التاريخ الفكري والسياسي الحديث للشرق، ويقع في296  صفحة من القطع المتوسط، تناول فيه حياة محمود محمد طه، حيث كشف عن علاقة الاستمرار والانقطاع بين مشروع طه الفكري والمصادر التراثية (خاصة الصوفية) والحديثة التي تأّثر بها. وتناول نظريته الصوفية عن الصلاة ومنهجه في تفسير القرآن، وموقفه في مسألة التخيير والتسيير، وبرنامجه الحداثي في ما يدعي أنه إصلاح جذري لرسالة الإسلام السياسية والاجتماعية (ما أطلق عليه الرسالة الثانية من الإسلام)، ورؤاه في تحديث الشريعة وموقف الإسلام من العلم (خاصة نظرية التطور) ومن الفنون.

4- د. أحمد المصطفى دالي: ولد عام 1951 بالحديبة بوسط السودان، دخل كلية العلوم بجامعة الخرطوم في عام 1969، وتخرج منها في عام 1975، أما دراساته العليا فكانت بالولايات المتحدة، حيث تحصل على ماجستير العلاقات الدولية بجامعة أوهايو عام 1993، ثم نال شهادة الدكتوراه عن مناهج وطرق التدريس بالجامعة نفسها عام 1997.

كان يلقب بخليفة محمود محمد طه، وكان من أبرز المتحدثين الجمهوريين في الجامعات السودانية في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي إبان دراسته الجامعية، قبل انتقاله للولايات المتحدة الأميركية، وقد جاء في التسعينيات إلى واشنطن العاصمة، وأقام في منطقة جامعة جورجتاون، ثم غادر إلى ولاية تكساس، وهو متزوج من ابنة محمود محمد طه الصغرى (سمية).

5- الدكتور عبدالله أحمد النعيم: يعمل حالياً أستاذا للقانون في كلية الحقوق بجامعة (إيموري) بمدينة أطلانطا بولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذى ترجم كتاب (الرسالة الثانية) لمحمود محمد طه إلى الإنجليزية، وله العديد من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية. وكانت حصيلة مشروعه البحثي عن علاقة الدين بالدولة والسياسة محل جدل وحوار في العديد من الأوساط الأكاديمية المعنية، وقد تضمن كتابه الذي صدر عن دار ميريت بالقاهرة تحت عنوان «الإسلام وعلمانية الدولة» بعض الآراء الغريبة للنعيم، مثل أنه يرى أن الشريعة الإسلامية إيجابية ولها مستقبل زاهر، ويعبر عن ذلك بقوله: "إن الشريعة لها مستقبل، وهذا المستقبل يكمن في الدولة العلمانية وليس في الدولة الإسلامية. ونظريتي في ذلك أن فكرة الدولة الإسلامية ما هي إلا فكرة نشأت بعد الاستعمار وكانت نتاج العلوم السياسية الأوروبية والقضاء الأوروبي. وهذا ما لا يتماشى مع طبيعة الشريعة الإسلامية ولا مع تاريخ المجتمع الإسلامي".

حيث يرى أن الشريعة التي ولدت في القرن السابع الميلادي لا تتماشى صورتها الأصلية بكل بساطة مع واقع الحياة في القرن الحادي والعشرين. وعلى المرء أن يعيد صياغتها من جديد، لأن تطبيق الشريعة الذي ينادي به المتشددون في الوقت الحاضر يتعارض مع القانون الدولي المعاصر، وهو عين ما يراه محمود محمد طه صاحب الفكرة الجمهورية.

وللنعيم كذلك كتاب بعنوان "مستقبل الشريعة الإسلامية" يرفض فيه فكرة الدولة الإسلامية في الوقت الحاضر رفضا باتا، ويرى أنها تناقض التقاليد الإسلامية، ويقول عن ذلك: "لقد كان هناك فصل دائم بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، حيث كان الأمراء والسلاطين حكاما سياسيين ولم تكن لهم سلطة دينية. كما أن الشريعة تطورت في ميادين الفقهاء المستقلة وكان هذا التطور بعيدا عن نفوذ الدولة. وكانت الدولة كلما تحاول استقطاب رجال الدين كانت تفسد عليهم أخلاقهم، وكانت تخلق صراعا واضطهادا للأقليات الدينية من المسلمين والديانات الأخرى".

6- د. عمر أحمد القراي: من مواليد مدينة عطبرة، بشمال السودان، تخرج من جامعة الخرطوم في الاقتصاد والاجتماع، وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة الخرطوم، كما حصل على ماجستير آخر في الدراسات الدولية من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أوهايو في التربية – تخصص علم المناهج، وكان عنوان رسالته للدكتوراه ”مشاكل وآفاق تعليم حقوق الإنسان في العالم العربي الإسلامي- مصر حالة دراسة” وحصل عليها عام 2000م.

عمل بوزارة المالية والتخطيط وبنك الادخار السوداني ومركز القاهرة لحقوق الإنسان، ودرّس في معاهد وجامعات أمريكية، وعمل كأستاذ مشارك بجامعة الأحفاد للبنات بالسودان، حيث كان يدرّس طالبات الماجستير في معهد دراسات المرأة والنوع، كما عمل في منظمات عالمية وتعاون مع مراكز دراسات وبحوث ومنظمات نسوية داخل وخارج السودان. يعمل الآن مستشارا خاصا في مجال التعليم والمرأة وحقوق الإنسان ويسكن حاليا في الخرطوم.

من أقوال عمر القراي: "وليس في الشريعة الاسلامية دستور، لأنها لا توفر حق الحياة وحق الحرية لكل مواطن، فقد أحكمت الشريعة القتل في المشركين، لا يدفع عنهم إلا إذا قبلوا الدخول في الإسلام .. ويقول أيضاً: ولما كان ذلك المجتمع يقوم على عرف حكم شيخ القبيلة فقد جاءت الشريعة بحكم الفرد - الخليفة - مجاراة للواقع".

7- د. الباقر العفيف: تخرج من جامعة الخرطوم، ثم أكمل تعليمه فوق الجامعي بالمملكة المتحدة، وعمل أستاذا للغة الإنكليزية بـجامعة الجزيرة بوسط السودان في الفترة (1988- 1990م)، وعمل في كثير من المنظمات العالمية بأمريكا وبريطانيا، كما كان المسئول الإقليمي للحملات بمنطقة الشرق الأوسط بالأمانة الدولية لـمنظمة العفو الدولية بلندن (2001-2005م)، وأيضا عمل خبيرا بمعهد السلام الأمريكي (2005-2006م)، وعمل أستاذاً لعلوم الشرق الأوسط بجامعة الميتروبوليتان بمانشستر (1996-2001م)، شارك بالكتابة في عدد من الدوريات العربية والمراكز الحقوقية فنشرت له مجلة رواق عربي، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ودعي لعدد كبير من المؤتمرات العالمية التي تناقش قضايا حقوق الإنسان وتَقارب الأديان. ومنذ العام 2007م يعمل مديراً لمركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية بالخرطوم.

من مؤلفاته: كتاب ما وراء دارفور: الهوية والحرب الأهلية في السودان، باللغة الإنجليزية، ترجمة: محمد سليمان، ونشره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بجانب كتاب حقوق الإنسان في فكر الإسلاميين، ونشره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كذلك.

مستقبل الجمهوريين في السودان:

ظل الجمهوريون في حالة بيات منذ مقتل زعيمهم، وظل معظم نشاطهم يتركز حول الاحتفال بذكرى إعدامه، مع بعض المقالات الصحفية وعلى المواقع الإلكترونية، وخرجت القيادات الجمهورية المعروفة من السودان واستقر معظمهم بالولايات المتحدة الأميركية، ولكن بدأ الجمهوريون هذه الأيام تأسيس حزبهم السياسي من جديد رسمياً، حيث أعلن مجلس شؤون الأحزاب السياسية في السودان، الجهة المسؤولة عن تسجيل الأحزاب السياسية، بتاريخ 10 فبراير 2014م عن تأسيس حزب سياسي بموجب المادة 15 (4) من قانون الأحزاب السياسية لعام 2007م، والمادة 11 (1) من لائحة تسجيل الأحزاب السياسية، تعديل لسنة 2012م ، تحت مسمى الحزب الجمهوري.

ولخص مجلس شؤون الأحزاب السياسية في السودان أهداف الحزب في تغيير البيئة السياسية من الصراع حول السلطة إلى بيئة تتحاور فيها الأفكار من أجل الوصول لرأى عام مستنير ومذهبية رشيدة للحكم، ونشر ثقافة السلام ونبذ العنف، وترسيخ قيم الحوار، والجمع بين الاشتراكية والديموقراطية في نظام حكم واحد، بجانب محو الفوارق الحضارية والثقافية بين الريف والمدن.

ويتوسل الحزب لتنفيذ أهدافه بجملة وسائل منها: إشاعة الفكر ليكون وقوداً لتطوير المجتمع وهو مايطلق عليه الحزب (الثورة الفكرية)، والدعوة للأخلاق الكريمة لتكون مرادفة للعمل المجود (الثورة الثقافية)، واستخدام كل أنواع المنابر الحرة المسموعة والمرئية والمقروءة.

وتصدرت ابنة مؤسس الفكرة الجمهورية (أسماء محمود محمد طه) أسماء الذين تقدموا بطلب تسجيل الحزب الجمهورى، ويُلاحظ على الأسماء أن عددا كبيراً منها يضم أشخاصاً من أُسرة واحدة، وقد وصل عددهم إلى 682 شخصاً، ويمثلون عدة ولايات سودانية، تركزت على الخرطوم، والجزيرة ونهر النيل والبحر الأحمر.

وترى أسماء محمود محمد طه أن هذا هو الوقت المناسب لفكر والدها، لأن المجتمع نضج أكثر، كما أن التجربة الدينية في فترة الحكم الحالي (الإنقاذ)، وسقوط (الإخوان المسلمين) في العالم، هذه كلها أشياء توضح أن الناس باتوا في حيرة تحتاج إلى مخرج، والناس لن يتخلوا عن دينهم، فهم يحتاجون للإسلام، فهل يوجد طرح الآن يمكن أن يستوعب حاجة الناس ويحل مشكلتهم؟! هنا يبرز فكر الأستاذ "محمود"، فهذا زمانه والوقت الذي يمكن أن يتقبله فيه الناس.

وقد خالف بعض الجمهوريين فكرة تسجيل الحزب من جديد كحزب سياسي، حيث يرى الجمهوري خالد الحاج عبد المحمود، في مقاله: (التغيير بين الأستاذ محمود وأسماء وحزبها) أن الحزب الجمهوري الذي تأسس في عام 1945 ورئيسه الأستاذ محمود، هو الحزب السياسي، وتوقفت مسيرته بعد 1951 أي بعد ظهور الفكرة الجمهورية.. وكانت مسيرته الأساسية، تقوم على ملء فراغ الحماس الوطني ضد الإنجليز، مشيرا الى أن المسيرة بعد 1951 مسيرة دينية، وليست سياسية، والمسيرة الدينية نهجها يختلف بصورة جذرية عن المسيرة السياسية السابقة.

ويرى عبد المحمود أن هنالك خلطا واضحا جداً، ومتعمدا، في أقوال (أسماء وحزبها).. فهم يتحدثون عن حزب سياسي، ومسيرة سياسية، ثم يقومون بتغطية أغراضهم السياسية، بالجانب الديني للفكرة الجمهورية، مع الإبعاد التام للمنهج الديني الذي تقوم عليه الفكرة، وهو (طريق محمد) صلى الله عليه وسلم.. بمعنى آخر، هم يتحدثون عن الجانب السياسي للفكرة، مع فصله من الجانب الديني، مع استخدام عبارات الجانب الديني بصورة مضللة. هم يزعمون أنهم يهدفون إلى إحداث تغيير جذري في حياة أفراد المجتمع السوداني، وأنهم سيعملون جاهدين من أجل تحقيق هذا المجتمع الصالح.. يضخمون من ذواتهم بصورة محيرة، ويزعمون لأنفسهم أنهم سيحققون ما لم يحققه الأستاذ محمود!!

ويرى عبد المحمود أن دعوة (أسماء وحزبها)، ومن يلف لفّهم، هي مجرد (إسلام سياسي)، في الوقت الذي فشلت فيه تجربة الإسلام السياسي، في العالم بصورة نهائية.. والشعارات السياسية التي يأخذونها من الفكرة ويرفعونها، هي ليست أكثر من شعارات.. وهي نفسها موجودة في الفكر السياسي العلماني.. وقد فشل الفكر السياسي العلماني في تحقيقها بصورة نهائية، لخلل أساسي في تصوراته لطبيعة الوجود والطبيعة البشرية ومعرفة الغايات، والأهداف الكلية.. فما تقدمه الفكرة، تعجز عنه العلمانية.. شعارات السياسة، هذه سطحية شديدة جداً، في فهم الفكرة، وتحريف لها وانحراف عنها.

ويصف الجمهورى عبد المحمود أعضاء الحزب الجديد بمن فيهم ابنة الزعيم: "أنتم أساساً علمانيون مهما قلتم خلاف ذلك، ومهما لبستم أقوالكم عبارات الفكرة.. العبرة ليست بالعبارات وإنما بالمحتوى.. والعبرة ليست بالنص، وإنما بفهم النص. ثم يقول: وأكرر أنه من المستحيل أن يتم تطبيق الفكرة على مستوى الدولة، في أي بلد من البلدان.. كما أنه من المستحيل نشر الفكرة على مستوى العالم، في المستوى الذي تبشر به، ما لم يأت الإذن الإلهي والمأذون، كما ذكر الأستاذ محمود، فالموضوع هو أكبر بعث ديني، في تاريخ البشرية، وتتويج لجميع حركة التطور، ولجميع الحضارات الإنسانية، بمدنية الإنسان، ولأول مرة في التاريخ. ثم يصف قيام الحزب من جديد بأنه: مفارق لجوهر الفكرة، وهو عمل، مع حسن الظن، يدل على اليأس من أمر الله".

يمكن أن نتوقع أن يستقطب هذا الحزب بعض الأنصار، ولكنه لن يكون مؤثرا على المدى البعيد، وقد يكون له أثر فكري وثقافي لاهتمام الجمهوريين بالثقافة، سيما الثقافة المرتبطة بالحداثة وما بعد الحداثة، فقد أسسوا (مركز محمود محمد طه الثقافي) بأم درمان، وتم افتتاحه رسمياً في 18 يناير 2010م، ليتوافق مع الذكرى الخامسة والعشرين لإعدام محمود محمد طه، ويهدف المركز لإشاعة ما يسميه (الفكر الإنساني المتقدم) عن طريق ترسيخ المنابر الحرة، المسموعة، والمقروءة، والمرئية، والمساهمة في ترسيخ التنوع الثقافي، والفكري.. وترسيخ ثقافة السلام، و(اللاعنف) بحسب رؤيتهم، ونشر ثقافة الاهتمام بتنمية الطفل، والمرأة، والأسرة، ونشر ثقافة الدفاع عن حقوقهم. وقد نشط هذا المركز في نشر المؤلفات، والدراسات، والأبحاث التى تدور حول الفكر الجمهوري، ونظم عددا من الندوات، والمحاضرات، والمنتديات الثقافية وغيرها.

على الجانب السياسي لا يُتوقع أن يكون هناك تأثير كبير لهذا الحزب، وقد يحدث تقارب بينه وبين بعض التيارات العلمانية واليسارية، فهناك روابط قديمة معهم، وكانوا يشاركون في احتفالات إعدام زعيمهم ويسمونه شهيد الفكر الحر.

المراجع:

1- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، نسخة إلكترونية بموقع الكاشف: www.alkashf.net.

2- قيصر موسي الزين، حركة الإخوان الجمهوريين بالسودان: الاتجاهات والمآلات، ورقة قدمت في ورشة مستقبل الحركات الإسلامية، مركز التنوير المعرفي، الخرطوم، مارس 2007م.

3. موقع الفكرة الجمهورية على الانترنت : http://www.alfikra.org/index.php

4- عبد المحمود نور الدائم، مقال بعنوان: المخابرات الأمريكية وتمويل العمل السياسي المعارض في السودان، صحيفة الانتباهة السودانية، بتاريخ: 25 أبريل 2013م.

5- موقغ مركز محمود محمد طه الثقافي على الإنترنت: http://alustadhcenter.org/index.php

6- شوقي بشير عبد المجيد، التأويل الباطني عند فرقة الجمهوريين بالسودان، مجلة دراسات دعوية، جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم، العدد 9، فبراير 2005م.  

7- صحيفة الأهرام اليوم السودانية، بتاريخ: 23 فبراير 2014م، إعلان بأسماء الأعضاء المؤسسين للحزب الجمهوري.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: