هل سيتحول العراق إلى خطر يزعزع استقرار دول المنطقة
السبت 1 فبراير 2014

 

 عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

 

خاص بالراصد

تمر بسُنّة العراق أيام عصيبة جداً، حيث تدور رحى معارك قوية مع الجيش العراقي الطائفي في محافظة الأنبار، وبدأ أهالي مدينة الفلوجة بمغادرتها والنزوح إلى الضواحي والمدن الآمنة في المحافظة هربا من القصف العشوائي.

ومن جانب آخر يبدو أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في حالة من التشنج والانفعال كما يظهر من تصريحاته الطائفية، حيث أعلن أن أنصار الحسين سيقفون ضد أنصار يزيد!

ثم نسمع قبل أيام أن مجلس الوزراء وافق على تحويل أربعة أقضية إلى محافظات جديدة، هي تلعفر وسهل نينوى في محافظة نينوى، وطوزخرماتو في محافظة صلاح الدين، والفلوجة في محافظة الأنبار.

 إنها معركة إحماء للانتخابات في شهر نيسان/ أبريل القادم بعد أن فشل المالكي في كسب قوائم سنية، فتحول لافتعال معركة طائفية قد تتسبب في إدخال البلاد في وضع أمني قد يؤجل الانتخابات، لأن وضع المالكي الانتخابي لا يسر.

ربما يقال: ما شأن هذا الوضع الداخلي العراقي بعنوان المقال؟ ونقول جوابا على هذا السؤال: إن الشأن العراقي لم يكن يوماً شأنا داخليا محليا؛ فالعراق بلد محوري في المنطقة العربية والإقليم ومَن يسيطر عليه أو يحكمه يمتلك مكانة في المنطقة يحسب حسابها الجميع.

وعراق ما بعد الاحتلال ليس عراقا شيعيا وحسب، بل عراقا بيد الأحزاب الدينية الشيعية، وبلد تتربع إيران في أحضانه؛ بلد به أكثر من 15 مليون شيعي، وأحزاب راديكالية شيعية طائفية، وموارد العراق النفطية الهائلة ستكون في خدمة العراق الشيعي الجديد وهو ما يعني أيضاً أن يكون في خدمة إيران، فالعراق الشيعي سيحارب بالنيابة عن إيران، وسيكون مدخلا إلى كثير من الدول العربية، وهذا سيزعزع كل المنظومة الإقليمية من حوله، وهذه حقيقة بدأت بعض الدول العربية تشعر بنتائجها، لكن للأسف لا تزال الدول العربية تتصرف على اعتبار أن شأن العراق أمرا داخلي يخصّه وحده!

وحتى تتضح صورة المخاطر المتوقعة والقادمة على المنطقة من تحول العراق ليكون عراقاً شيعياً يتربع في حضن إيران، سنفصل الحديث في الدول التالية:

الأردن:

يوما بعد يوم تحاول الحكومة العراقية انتزاع قطعة كبيرة ومهمة من محافظة الأنبار السُنية لضمّها إلى محافظة كربلاء الشيعية لأهداف داخلية وخارجية، وهو ما يشكل تهديدا للأردن، أن تكون الحدود العراقية الأردنية هي حدود مع محافظات شيعية، وليست مع محافظة سُنية (الأنبار)، والمعنى الحقيقي لهذا التغيير على تركيبة المحافظات، هو أن الأردن سيصبح جاراً حدوديا لإيران!! وذلك لأن إيران تسيطر على المحافظات الشيعية الممتدة من حدودها إلى حدود الأردن، عندها سيكون الأردن عرضة لعدد من المشاكل كتصدير المخدرات والسلاح والإرهاب، وهذا يهدد الأمن القومي للأردن.

ومعلوم الحرص الإيراني على اختراق الأردن([1])، عبر إغراء الأردن بصفقات نفطية وتبادل تجاري، مقابل فتح السياحة الدينية (مدخل للتشيع الديني والسياسي، وإيجاد موطئ قدم)، وفتح مكاتب تجارية وشركات، واستثمارات.

السعودية:

أيضاً السعودية مهددة بوصول إيران لحدودها عبر تغيير تبعية مناطق المحافظات، عبر إلحاق قضاء النخيب بمحافظة شيعية.

وبواسطة الزيارات الشيعية إلى النجف وكربلاء ستتولد علاقة سهلة بين شيعة السعودية وإيران من خلال العراق، مما يزيد من مخاطر تهريب المخدرات والسلاح، وتزويد الخلايا الشيعية داخل السعودية بالمال العراقي.

الكويت:  

تشعر الكويت اليوم بقلق حقيقي من العراق الشيعي([2]) لا سيما أن 20% من سكانها الكويتيين من الشيعة، وسيكوّن العراق الشيعي التابع لإيران عنصر ضغط عليها على جميع الأصعدة، ويفتح الباب مستقبلا لتحقيق الحلم الإيراني/ العراقي باحتلال الكويت، مع تولد علاقات قوية بين الأحزاب الشيعية العراقية والشيعية الكويتية، بواسطة الزيارات الشيعية إلى النجف وكربلاء مما يسهل بناء خلايا إيرانية نائمة جديدة في الكويت، وعمليا حصل جزء من هذا.

القضية الفلسطينية:

تسعى إيران إلى أن تملك القضية الفلسطينية كورقة تفاوض بها إسرائيل مباشرة أو تلوح بها في وجه أمريكا لتكون طرفاً في ماراثون عملية السلام.

ومع سيطرة إيران على مقدرات العراق فستحاول احتواء الفصائل الفلسطينية الإسلامية والعلمانية واليسارية، من خلال العراق كدعم عربي!

وربما يستخدم الجانب السني كوسيط مطمئن في البداية، إذ أن كثيرا من سنة العراق -بسبب اليأس من تحسن أحوال السنة- تحول إلى ألعوبة بيد الشيعة، وأصبح عميلا أو تابعا للحكومة الشيعية، وقد كان النظام السوري هو من يقوم بهذا الدور سابقاً، لكن مع بداية الثورة السورية تغيرت المعادلة واحترقت هذه الورقة بيد إيران.

لبنان:

تتحكم في لبنان قوى شيعية متمثلة بالدرجة الأولى بحزب الله وبشكل أقل حركة أمل، وقد بنى حزب الله علاقات خاصة واستراتيجية مع الساسة الشيعة في العراق، وكان مصدرا لتهريب المال المزور (الدولار) وبيع المخدرات وغسيل الأموال، ولا يستبعد أن يتولى العراق الشيعي عبأ تمويل حزب الله، خاصة مع وجود فساد مالي في العراق بمئات المليارات، ومستقبلا سيكون العراق مركز جذب للشركات اللبنانية الشيعية للمقاولات والتصدير والاستيراد والمصانع.

سوريا:

سوريا (بشار الأسد) هي حليف استراتيجي لنظام المالكي، وفي معركتها الحالية كان العراق (الشيعي) داعما لبشار بالمال والنفط والسلاح والرجال (كتائب أبي الفضل العباس)، كما أن العراق الشيعي ساند وأسس المنظمات المتطرفة كـ(داعش)؛ حيث سهلت الأجهزة الأمنية في العراق هروب قيادات القاعدة من السجون العراقية لتأسيس داعش، ومناطق العراق المحاذية للحدود مع سوريا تمثل ملاذا آمنا لداعش وللمتطرفين([3])، إضافة للموقف السياسي العراقي الداعم للحكومة السورية.

وفي حالة إزاحة بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية فهناك مخاطر على سوريا من العراق الشيعي:

وذلك بتأمين مأوى للمتطرفين (داعش والقاعدة) في أراضيه، لزعزعة المرحلة الانتقالية وفرض حالة عدم الاستقرار، وأيضاً إيواء أعضاء النظام السابق كمعارضة ضد سوريا مدعومة من العراق، فضلا ً عن مخاطر إغراء التجار السوريين بصفقات لشراء ذممهم، لا سيما وأن سوريا بعد التحرر أو الحكومة الانتقالية سيكون البناء الاقتصادي هو الأساس لدى الشعب السوري.

البحرين:

لا نحتاج إلى جهد كبير لدراسة تأثير العراق الشيعي على البحرين فقد بدأ التأثير واضحا على كل المستويات ودعم الحكومة والأحزاب الشيعية العراقية لشيعة البحرين واضح.

وترغب إيران في زج العراق في الشأن البحريني، بسبب الجذور العميقة للأحزاب العراقية في التاريخ البحريني فهم المؤسسون لحركة التشيع  السياسي في البحرين.

تركيا:

تركيا بلد إقليمي كبير ومنافس لإيران في المنطقة بحجمه وسكانه وتاريخه، والعراق يشكل لها شريكا اقتصاديا جيدا، ولذا تقيم تركيا علاقات جيدة مع شمال العراق (إقليم كردستان)، وبمرور الوقت سيتمكن العراق من أن يكون ضاغطا قويا على الأتراك بواسطة هذه الحكومة الشيعية، وسيكون العراق ورقة ضغط إيرانية ضد تركيا، وربما حتى في دعم حزب العمال الكردستاني ضدها.

دول الخليج بصورة عامة:

سيشكل العراق مع إيران في السوق النفطية ضغطا في منظمة الأوبك أو الأوابك للتحكم في السياسة النفطية، وسيكون العراق ممرا إلى أجندات الصين وروسيا (المعسكر الشيوعي) للوصول إلى المياه الدافئة في الخليج.

خاتمة

ضيعت الدول العربية – مع الأسف – كثيرا من الفرص وساهمت بشكل أو بآخر في ضياع العراق، لكنها لا تزال تستطيع أن تستدرك بعضا من ذلك، فلا يزال سُنّة العراق العرب، مع السنة الكرد قوة لا يستهان بها، وقادرة على قلب المعادلة لفائدة كل الدول، ومنع العراق الشيعي من أن يكون خطراً على بقية الدول في المنطقة.

إن سياسة إيران وإسرائيل كلاهما تركز على عدم استقرار الدول العربية، وشكلت سوريا وإيران بؤر زعزعة للمنطقة، اليوم سيكون العراق هو العامل الاقتصادي البشري مع إيران ليشكل عامل عدم استقرار للمنطقة.

المطلوب:

مساندة حقيقة لسنة العراق، فكما قاتل العراق إيران 8 سنوات، فسنة العراق قادرون على منع العراق من أن يكون عامل هدم وقلق لهذه الدول، إذا وجدوا الدعم والمساندة.

ولابد من إشغال الشيعة العراقيين والأحزاب بمعركة داخلية تمنعهم من التمكن، والتوجه إلى غيره من الدول السنية لزعزعة الدول لحسابات دول أخرى كإيران وإسرائيل أو الغرب.



[1] - يحتل الأردن أولوية بالنسبة لمحاولات إيران في اختراق الدول، لتكمل سيطرتها على الشام، ولمحاصرة السعودية.

[2] - شعر بعض الكويتيين بالخطر فقد طالب عضو لجنة الداخلية والدفاع البرلمانية محمد طنا الحكومة بالإعلان عن استعداداتها لمواجهة أي تطور قد يطرأ على الأحداث في العراق، خصوصا وأن الأحداث تجري في منطقة لا تبعد كثيرا عن الكويت، داعيا الحكومة إلى الاستعداد التام تحسبا لأي تصعيد مفاجئ، لافتا إلى أن أخذ الحيطة والحذر أفضل من الانتظار حتى وقوع ما لا تحمد عقباه، وعلينا توقع غير المتوقع.

[3]  - ولا يتناقض هذا مع حملة الحكومة العراقية العسكرية في الأنبار ضد داعش، ففي الحالتين يتم تأسيس ودعم بؤرة تطرف، تمرر السياسات الطائفية الإقصائية بحق الشعب السوري والعراقي من قبل النظام الطائفي. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: