سطور من الذاكرة\العدد مائة وثلاثون - ربيع الثاني 1435 هـ
الوجه الآخر 3- محمد مهدي الخالصي
السبت 1 فبراير 2014

سلسلة تتناول شخصيات شيعية معاصرة الْتبست حقيقتها على أهل السنة، فتكشف عن المجهول من معتقدها وفكرها، ونظرتها إلى السنة وأهلها.

3- محمد مهدي الخالصي

إعداد: هيثم الكسواني - كاتب أردني

خاص بالراصد

يُعتبر الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي من الشخصيات الشيعية المعاصرة التي الْتبست حقيقتها على أهل السنة، والسبب الرئيس في ذلك يعود إلى محاربة الخالصي لبعض البدع ومظاهر الشرك والغلو الموجودة في التشيع إضافة إلى سعيه للتقريب بين السنة والشيعة.

وفي هذا المقال اقتراب أكثر من شخصية الخالصي، وعقائده، ونظرته إلى السنة والصحابة.

أولا: حياته وتوجهاته

ولد الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي في مدينة الكاظمية في العراق، في سنة 1306هـ (1888م)، وبدأ بطلب العلم في فترة مبكرة من حياته، وتتلمذ بشكل رئيسي على يد والده محمد مهدي الخالصي، وعلى عالِم آخر من علماء الشيعة هو محمد تقي الشيرازي.

وفي شبابه، شهد محمد الخالصي الاحتلال البريطاني للعراق على أنقاض الحكم العثماني، وقد وقف الخالصي ضد هذا الاحتلال، كما وقف ضد الحكم الملكي للعراق الذي قام في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، فقررت سلطات الاحتلال إبعاده إلى إيران، وكان ذلك في سنة 1922م.

 وفي العام التالي تم إبعاد والده مع مجموعة من كبار رجال الدين الشيعة إلى إيران أيضا، من أبرزهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، ومحمد حسين النائيني، حيث كانت السلطات في العراق (سواء البريطانية أو الملكية) ترى أنه لا يجوز للمراجع الشيعة الإيرانيين التدخل في شؤون العراق.

وفيما يتعلق بأسرة الخالصي، فالمعروف أنها أسرة عربية، لكن أفرادها حصلوا على الجنسية الإيرانية خلال العهد العثماني لتجنب التجنيد([1]).

وفي سنة 1924م، سُمح للمراجع الشيعة بالعودة إلى العراق شريطة التعهد بعدم التدخل في شؤونه السياسية، حينها كان الخالصي (الأب) قد توفي، أما الخالصي (الابن) فقد بقي في إيران مدة 27 سنة تقريبا لرفضه التوقيع على التعهد.

وفي إيران، انتقل الخالصي من نفي إلى نفي، وسجن إلى سجن، نتيجة نشاطه السياسي، لكن في نهاية الأربعينيات سُمح له بالعودة إلى العراق للقيام بدورٍ في مقاومة الشيوعية التي كانت تسري في العراق كالهشيم، وتشكل تهديدا للحكم الملكي للعراق، حيث اشتهر عن الخالصي بأنه عدو لدود للشيوعية([2]).

وظل محمد الخالصي في العراق، واتخذ من الكاظمية مقرا له إلى أن توفي في سنة 1963م.

ثانيا: موقفه من انحرافات الشيعة

رفض محمد الخالصي الكثير من انحرافات الشيعة، مثل الاعتقاد بمعرفة الأئمة للغيب، وقدرتهم على التصرف في الكون، وأنكر الالتجاء إلى غير الله، والاستغاثة بالأولياء والأئمة، والقول بتحريف القرآن، والاحتفال بعيد النيروز كما يحتفل به المجوس، وتعطيل صلاة الجمعة، والشهادة الثالثة في الأذان([3])..إلخ، ما جرّ عليه سخط فئات كثيرة من الشيعة اتهمته بالجنون والعمالة والتسنن والوهابية وحب الزعامة ومخالفة ضروريات الدين([4])، وليس ذلك بمستغرب على الشيعة إذ أنهم دائما ما يقفون بوجه أي تصحيح داخل طائفتهم.

ويعزو خالد البديوي هذه التحولات عند الخالصي ورفضه لبعض انحرافات قومه إلى سببين رئيسين:

الأول: أثر والده، الذي كان لديه بعض الأفكار الإصلاحية، مثل رفض ما يقوم به الشيعة في مواكب العزاء الحسينية في عاشوراء.

الثاني: رغبته بتخطي إطار الطائفة، وتبني دعوة عالمية، لذا لا بد هنا للخالصي من أن يتبنى "تشيعا بعيدا عن الغلو والخرافة الظاهرة، حتى يقدم مذهبا مقنعا للبشرية التي دخلت في مرحلة جديدة تتسم بالتقدم الذي لا يقبل التخلف والخرافة والغلو"([5]).

ويرى الخالصي أن الغلو دخل إلى التشيع من ثلاث جهات:

-       بعض الرواة الكذابين المتقدمين.

-       طوائف كالشيخية والبهائية والصوفية.

-       الخطباء الجهلة الذين ينشرون أحاديث الغلاة، والذين يتخذون المنبر وسيلة للارتزاق.

ومن الملاحظ أنه تغافل عن دور علماء الشيعة الكبار وأعلام المذهب مثل محمد باقر المجلسي([6])، شيخ الدولة الصفوية، وغيره الكثير ممن كان لهم دور في زيادة نسبة الغلو والخرافة في التشيع.

ثالثا: وجهه الآخر

لكن صورة رفض الخالصي لانحرافات الشيعة ليست بتلك "الوردية"، إذ أنه – في المقابل- حمل عددا من لوثات الشيعة وعقائدهم ودافع عنها، ومنها على سبيل المثال:  

1- موقفه من السنة

يرى الخالصي – بداية - بأن التشيع هو الإسلام، ويقول: "عرّفني أبي الإسلام في كتاب الله والسنة الصحيحة من طريق آل البيت عليهم السلام، ولم أجد الإسلام مجموعا عند غيره إلا في رجل واحد وهو (محمد تقي الشيرازي) وقد درست عليه شيئا قليلا.."([7]).

ويعتقد بأن التشيع القائم على الإمامة هو الذي يجب اتّباعه، لأن الإمامة –عنده- من العقائد الثابتة والبدهيات التي لا تحتاج إلى دليل، ويقول: "والعقائد الخمس هي التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، كلها ثابتة بالبداهة.."([8])، واعتبر إمامة الإثنى عشر من أركان الإيمان، وبناء على ذلك أفتى بكفر من لم يعتقد بإمامتهم، كما يتضح من قوله: "الإئمة الإثنا عشر أركان الإيمان، ولا يقبل الله تعالى الأعمال من العباد إلا بولايتهم"([9]).

2- موقفه من الصحابة وأمهات المؤمنين

لا يكاد الخالصي يختلف في نظرته إلى صحابة رسول الله صلى عليه وسلم عن معتقد الشيعة، إذ يرى أن الصحابة (الذين رضي الله عنهم وأثنى عليهم وارتضاهم لصحبة نبيه) غصبوا الإمامة من علي رضي الله عنه، مع علمهم بالنصّ الإلهي على إمامته، وأن عائشة رضي الله عنها خرجت على علي رضي الله عنه لتسقط ولايته الواجبة، ولذا فإن الخالصي لم يتردد في القول بأن الصحابة يستحقون اللعن لأنهم (يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب) وأدخلهم في قوله تعالى (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)([10]).

وقد كان للخالصي مراسلات مع علامة الشام آنذاك محمد بهجت البيطار رحمه الله حول موضوع الصحابة، وعلى الرغم من أن البيطار ذكر للخالصي الفضائل التي ذكرها القرآن للصحابة، إلا أن الخالصي لم يقتنع، وكان يجد تأويلات يخرج بها من إثبات الفضائل للصحابة في القرآن([11]).

وكان الخالصي يرى أن على رأس المطعون فيهم من الصحابة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، كما كان يشكك بدخول الصحابة في قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)([12])، ويقول: "وإن قالوا إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نصّ على الرضى عنهم القرآن في قوله (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) قلنا: لو أنه قال: لقد رضي عن الذين يبايعونك تحت الشجرة لكان في الآية دلالة على الرضى عن كل مَن بايع، ولكن لمّا قال (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك) فلا دلالة فيها إلا على الرضى عمن محض الإيمان"([13]).

كما وقف الخالصي موقفا سلبيا من قصة الغار، وصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، فرأى أن رفيق النبي في الرحلة يمكن أن يكون كافرا، وأن حزن أبي بكر دليل على الوهن في العقيدة([14]) إلى غير ذلك من الأباطيل.

وطالت نظرته السلبية أيضا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، إذ جعل قوله تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط)([15]) مثلا مضروبا لعائشة وحفصة رضي الله عنهما([16])، ووصف حفصة بأنها امرأة (مهتوكة الستر)([17]).

 

 



[1] - شيعة العراق، إسحاق نقاش، دار المدى، دمشق، الطبعة الثانية، 2003م، ص 155.

[2] - المصدر السابق، ص 239.

[3] - يستغرب الأستاذ محمود الملاح (في كتابه: تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب، ص 158) كيف أن الخالصي يرفض الشهادة الثالثة في الأذان (إضافة عبارة: أشهد أن عليّاً ولي الله بعد الشهادتين) ويصلي على أذانها؟! ويقول: "والخالصي مع تنديده بالشهادة الثالثة ولعنة مبتدعيها من فرقة (المفوضة) كان يصلي عليها! فأيهما التقية؟ نهيه عنها أم صلاته عليها؟ (ص 58).

[4] - أعلام التصحيح والاعتدال، خالد بن محمد البديوي، الطبعة الأولى، 1427هـ (2006م)، ص 324 – 326.

[5] - المصدر السابق، ص 298- 300.

[6] - المصدر السابق، ص 333.

[7] - المصدر السابق، ص 278.

[8] - المصدر السابق، ص 336، نقلا عن (الإسلام سبيل السعادة والسلام) للخالصي.

[9] - المصدر السابق، ص 335، نقلا عن مسألة التقريب للشيخ ناصر القفاري.

[10] - سورة البقرة، آية 159.

[11] - أعلام التصحيح والاعتدال، ص 331.

[12] - سورة الفتح، آية 18.

[13] - أصول مذهب الشيعة، الشيخ الدكتور ناصر القفاري، دار الرضا، الجيزة، مصر، الطبعة الثالثة، 1418هـ، 1998م، ص 1336، نقلا عن (إحياء الشريعة في مذهب الشيعة) للخالصي.

[14] - تاريخنا القومي بين السلب والإيجاب، محمود الملاح، ص 19، نقلا عن كتاب إحياء الشريعة للخالصي.

[15] - سورة التحريم، آية 10.

[16] - في معرض ردّه على الخالصي في هذه النقطة، يقول الأستاذ الملاح: "فإن كانت امرأة نوح وامرأة لوط مثلين مضروبين لامرأتين هما زوجا النبي صلى الله عليه وسلم، فمَن المرأتان المضروب لهما مثلا امرأة فرعون وابنة عمران؟ نعرض هذا السؤال على من زعموا أن المثل الأول تعريض بأمي المؤمنين! فمن المعرض به في المثل الثاني على التعيين؟".

[17] - تاريخنا القومي، ص 29. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: