السياسات الشيعية الإقصائية في العراق وإيران تجاه سنة العراق
السبت 4 يناير 2014

 

 صباح العجاج – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

شهدت محافظة الأنبار، يوم السبت 21/12/2013 مقتل قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي، العميد الركن محمد الكروي، ومجموعة من مرافقيه السنة، بتفجير عبوة ناسفة خلال قيامه بمطاردة عناصر تنظيم القاعدة، بعدها بيوم طالب رئيس الحكومة نوري المالكي معتصمي الأنبار "بالانسحاب من خيم الاعتصام لتبقى عناصر القاعدة فيها فقط"، وشدد على أنه "لن يسمح ببقاء مقرات الاعتصام مقرات للقاعدة" بعدها بيومين أطلق نوري المالكي عملية كبيرة أمهل فيها الجيش أسبوعاً كي يقضي على تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، في هذا المقال سنحاول البحث عن دوافع وأسباب هذه العملية ؟ وعلاقة الحكومة العراقية بملف الإرهاب في العراق ؟ وكيف أن القاعدة متورطة بتنفيذ مخططات إيران والشيعة ؟

منذ أكثر من سنتين وتنظيم القاعدة ينخر في جسم المناطق السُنيّة؛ فهو ليلاً المسيطر الأول والأخير عليها؛ فمحافظة نينوى أصبحت السيطرة فيها لعناصره برغم وجود جيش شيعي كبير([1])، وأصبحت الصحراء والحدود السورية العراقية مستباحة لتحركات القاعدة بشقيها (النصرة قديما وداعش حاليا)، والمناطق السُنيّة هناك مُستباحة لهم فمعدل ما تفرضه القاعدة هناك من أتاوات شهريا 7 ملايين دولار، وامتدت هذه الجباية إلى محافظة صلاح الدين التي غدت هي الأخرى مسرحا للقاعدة، وهوجمت محافظة صلاح الدين إلى درجة أصبحت الرؤوس المقطعة في كل صباح تنتشر في الساحات الرئيسية في بلدات المحافظة، وكل المقتولين سنة؛ ولأسباب شتى، أما محافظة الأنبار فهي ليلا بيد القاعدة ونهاراً بيد الجيش العراقي؛ هذه هي المحافظات السنية الثلاث التي لها حدود مع سوريا.

 

ومن المعلوم أن تنظيم القاعدة في العراق مخترق منذ سنين، أدركنا ذلك منذ سنة 2004، صحيح أن كثيرا من المجاهدين السنة لم يدرك ذلك إلا بعد مضي سنين، لكنهم جميعا أدركوا خطره الآن، والجديد هو اعتراف أحد منظري القاعدة الدوليين (عبد الله محمد)([2]) بذلك([3])، الذي اعترف كذلك أن أصل وجود القاعدة في سوريا هو من صناعة عراقية، وأن القيادات المخترقة هي من أسس داعش في سوريا.

 

مرحلة التأسيس نعرفها أكثر من عبد الله محمد فقد كان السيناريو واضحًا منذ البداية في العراق؛ فقد تم تهريب سُجناء القاعدة من سجون متعددة، ولم يتم التحقيق في ذلك، ثم تم تهريب المسؤول عن تهريبهم لخارج العراق وهكذا، والقاعدة بأفعالها تؤدي خدمات جليلة لإيران من جهة وحكومة المالكي في العراق، وحكومة بشار في سوريا، حتى لو لم تكن مخترقة فكيف مع الاختراق؟

والقاعدة لم تُخترق إيرانياً فقط، بل أُخترقت من عدة جهات، نذكر منها ما يخص العراق فالقوات الكردية ومخابراتها (الآسايش) كانت مسيطرة عليهم في نينوى، وتوجههم ضد العرب السنة بشكل واضح، لكن بعد تفجيرات أربيل في (7/10/2013) تضررت العلاقة بينهما؛ والقائد عمر حديد كانت له منذ الأشهر الأولى صلات مع المخابرات الروسية وتم تجهيزه بصواريخ ستريلا المضادة للطائرات والتي تحوي على كاميرات بواسطة إيرانيين في العراق، والزرقاوي كانت له صلات بالمخابرات الإيرانية، وتملك أجهزة المخابرات في الدول العربية وثائق خطيرة وكثيرة عن هذه العلاقات لكن الجميع لا يريد كشفها الآن.

مخطط داعش في سوريا والعراق مع إيران ومصلحة الطرفين:

تعمل (داعش) اليوم وفق مخطط كبير، فهي تعمل على تكوين قوس كبير يمتد بين العراق (المناطق السنية الحدودية) وسوريا، ويشمل مناطق البوكمال والرقة والحسكة صعودا إلى مناطق حلب وإدلب، والغاية هي السيطرة على مداخل الحدود العراقية والتركية وتكوين دولتهم وهي مصلحة مشتركة بينها وبين إيران، فإيران تريد إرسال رسائل إلى أمريكا وأوربا مفادها ما يلي:

أ – إن الإرهاب في حال سقوط بشار الأسد يكون قد وصل إلى الساحل الآخر من البحر المتوسط.
ب – إن القاعدة إذا ما سيطرت على سوريا فإن أمن إسرائيل والدول العربية الحليفة لأمريكا والغرب والمجاورة لسوريا لن تكون بمأمن من خطر الإرهاب.

وهذه الدولة الجديدة للقاعدة وجودها من مصلحة إيران وشيعة العراق، إذْ ستبقى مناطق السُنّة في المحافظات السنية الخالصة المحاذية لسوريا (نينوى، وصلاح الدين، والأنبار) قلقة ومسيطرا عليها من قبل القاعدة ومنبوذة دولياً (بسبب ربط العرب السنة بالتطرف والإرهاب) كي تبقى هيمنة الجيش الشيعي على مناطق أهل السنة في العراق.

 أمّا سوريا فستبقى في احتراب داخلي بعد نهاية حكم بشار الأسد، في حالة تشبه حرب فصائل الأفغان بعد خروج الروس، وهذه قضية تم الاتفاق عليها في صفقة سان بطرسبرغ وتوافق بشأنها أركانها الأربعة (تل أبيب وواشنطن وطهران وموسكو) لتصفية الثورة السورية بعد عدّة محاولات باءت بالفشل مع مجموعة خطط إيرانية وإسرائيلية([4]).

لكنّ العامل الجديد هو قدرة إيران على الإمساك بزمام الأمور بمساعدة روسيا أكثر من قدرة الأمريكان والإسرائيليين على ذلك، مما أخاف الجانب الأمريكي أن تتولد بؤرة من القاعدة غير مسيطر عليها، وتخوفت أكثر عندما بدأ تراجع السياسة الأمريكية في المنطقة على حساب سياسة روسيا، وتولدت عدة بؤر من الصراعات تشبه صراعات الحرب الباردة ، فأمريكا تضغط على روسيا في أوكرانيا، مما أدى لرد روسي بالتعاون مع إيران وحليفها في جنوب السودان لتفجر انقلابا بدعم روسي ضد حليف أمريكا هناك سلفاكير، ومن ضمن هذا الصراع الساحة العراقية والسورية.

 لا تزال ورقة المالكي ورقة أمريكية إيرانية، والمالكي لا يستطيع أن يستمر بولاية ثالثة إلا بموافقة الدولتين، والانتخابات العراقية على الأبواب (نيسان/ أبريل 2014)، والمالكي في زيارته الأمريكية واجه عدّة مشاكل ووجهت له انتقادات بشكل واضح، وقد استعرض موقعCFR) ) الأمريكي بعض التحليلات عن مستقبل المالكي، ولفت الموقع إلى أن رئيس الوزراء الحالي يضع عينه على فترة ثالثة من الحكم، كما أشار إلى أنّ احتمالية فوز المالكي بالانتخابات القادمة قليلة جداً؛ وأن وضع حزبه (حزب الدعوة) في انتخابات مجالس المحافظات كان صعباً جداً في 2013، حيث أصبح ممثلو بقية الأحزاب الشيعية (الصدر+ الحكيم) هم الأغلبية المسيطرة على مجالس المحافظات في المناطق الشيعية وبغداد.

والغرب يريد المالكي بشكل مختلف، فنظام المالكي يشكل مصدر قلق واضطراب أمني في العراق لكونه يرعى مجموعات إرهابية ويمدها، ولكنه يضبطها أيضاً ويساوم واشنطن وحلفاءها عليها، والثمن الذي يطلبه مقبول أحياناً وغالٍ أحياناً أُخرى (كما يعبرون)، وهم قد لا يريدون تغييره كما يظن البعض، لكن المطلوب هو ترويضه وتحسين سلوكه عربياً وإقليمياً.

واليوم ومع الضغط الأمريكي على المالكي لضرب القاعدة والميليشيات، وضغط إيران التي زارها بتاريخ 4/12/2013، والتي أخبرها بالمطلب الأمريكي، أصبح المالكي في وضع لا يحسد عليه، ولكي يبقى عليه أن ينفذ أوامر الدولتين، فكانت عملية صحراء الأنبار بالسيناريو الآتي:

قامت القوات الإيرانية([5]) بتسهيل اغتيال العميد الركن السُني محمد الكروي للتخلّص منه كعسكري سنّي([6])، والأمر الآخر هو: التمهيد لشنِّ عملية واسعة في الأنبار تقضي على القاعدة (داعش) في الظاهر إرضاء لأمريكا التي زوّدته من خلال الأقمار الصناعية بمواقع تواجد داعش ومعسكراتها في الصحراء، والأمر الثالث هو أن العملية دعاية انتخابية فأصبحت داعش الدعاية الجديدة للمالكي في الانتخابات، التي ترضي الأمريكان عليه، وترضي ما ستفعله إيران من خلال العملية، ولكن السؤال، هل هذه العملية مفيدة للمخطط الإيراني؟

والجواب: إنّ إيران لا تصنع الأحداث وإنما تحاول توظيف الحدث لصالحها، إيران تشعر يوماً بعد يوم أن الثورة السورية تُفقدها حليفها في المنطقة (بشار الأسد) وأنّ ثمة حديثا من وراء الكواليس الدولية كمقدمات لمؤتمر  جنيف 2 أن لا مكان للأسد في حكم سوريا، وأن انتخابات سورية في 2014 اقتربت، ولابدّ من أن تملك إيران بيدها أوراقاً جديدة قوية، وما تريده إيران هو أن تُسيطر على منطقة حلب التجارية؛ لأنها منطقة استراتيجية اقتصادية أكثر من دمشق؛ لذلك ركّزت منذ فترة على منطقتين:

 الأولى: (الساحل) لتأمين الدولة العلوية إن وجد سيناريو التقسيم.

الثانية: على منطقة فعالة في سوريا فكانت حلب هي المنطقة القادمة.

ولتطبيق هذا السيناريو ركّز النظام في الأيام السابقة على ضرب ريف حلب بالبراميل لتحطيم معنويات المقاومة السورية هناك، في ذات الوقت يريد أن يتقدم ليسيطر على تلك المناطق دون أن يخفف وجوده في جبهته في دمشق وريفها، إذاً هو لا يريد سحب قوات من حزب الله ولا قوات أبي الفضل العباس العراقية؛ لذا كانت هذه العملية في صحراء العراق الغربية (الأنبار) لتأمين دخول كم كبير من الجنود والميلشيات من الحدود السورية العراقية تحت غطاء العملية العسكرية ولكي تبدو التحركات العسكرية في الأقمار الأمريكية المراقبة للحدود العراقية السورية وكأنها عمليات لقوات عراقية تلاحق داعش في الصحراء وصولا إلى الحدود، وهذا ما تمَّ عملياً في الأيام الماضية وتمَّ إدخال عدد كبير من الرجال الشيعة والإيرانيين والجنود العراقيين.

أما الداخلون لسوريا فهم متطوعون من شيعة الخليج قَدِموا قبل أسابيع لزيارة كربلاء بمناسبة عاشوراء وغيرها من مناسبات الشيعة عبر مطار النجف بصحبة عوائل شيعية، مع قوات شيعية عراقية من الجيش والشرطة؛ ففي العراق تم تسجيل هروب أعداد كبيرة من الجيش والشرطة (بلغ عدد الهاربين أكثر من 87 ألف جندي وشرطي) ولكن حقيقة هؤلاء أنهم في أداء الواجب في سوريا أو بانتظار دوره، وهؤلاء هم وقود المعارك في الشام بإشراف، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، المتواجد حاليا في سوريا ليدير العمليات هناك([7]).

السنة في العراق والقاعدة:

فضحت مأساة أهل السنة في العراق على يد القاعدة وتجربة المقاومة حقيقة فكر القاعدة ومفاسده، فالسنة هم أول من حاربه فكريا، وعلى أرض الواقع كذلك من خلال الصحوات، وخف بشكل كبير احتضان البئية السنية لهم، لكن الذي أدى إلى رجوعهم في المناطق السنية هو الإقصاء الطائفي التي تمارسه الدولة على السنة متبعة عدة أساليب:

سياسة (فرق تسد):

مارست إيران بواسطة  أتباعها (المالكي وغيره) تجاه الساسة والنخب السنية سياسة التفريق، وهذا ليس تجنيا على المالكي بل طرحه تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في آب 2013م بعنوان: "سنة العراق والدولة: فرصة كبرى أو خسارة فادحة"، فقد زرع المالكى صراعا بين خصومه السنة حتى استمال بعضهم وترك البعض الآخر، مستخدما النفوذ والمال، وهذا مارسه في أماكن متعددة وفي المنظمات السياسة والمدنية والدينية، وهو ناجح نوعا ما في هذه السياسة، لكنه مع اقتراب موعد الانتخابات يزداد تشنجاً خوفاً من فقدان المنصب؛ لذلك هدد المالكي -أثناء كتابة هذا المقال-  بحرق خيم المعتصمين إذا لم يغادروا ساحات الاعتصام، والحديث موجه لأهل الأنبار وسبب ذلك أنه يخشى الأنبار وسنتها أكثر من غيرها، رغم أن مناطق الأنبار مناطق عشائرية ورؤوس العشائر- في الغالب- قوم يلهثون وراء المناصب والمال والنساء، ولا يهمهم الوطن، لكن في العشائرية ميزة اجتماعية تحسب لها وهي العصبية والعصبة العشائرية؛ لذلك تفنن المالكي في طرق محاربتها؛ مرة بالوعود الكاذبة، ومرة بالتفريق بين شيوخ العشائر، ومرة بإيواء القاعدة، فاستطاع شراء ذمم الكثير منهم.

التحرش الطائفي:

تدعم إيران تكوين الميليشيات وعمليات التفجير من أجل اعتقال المزيد من السنة، وهي تخطط للسيطرة على كل من محافظتي بغداد وديالى وإفراغهما من السنة بمخطط مدروس، وتسعى لإقصاء السنة فتهينهم وتستفزهم بشتى ألوان الاستفزاز.

ولأنه لا حل لتحسين وضع أهل السنة في العملية السياسية ولا في الحراك فكأنما يقال لأهل السنة لا حل لكم إلا بالثورة والسلاح، وبما أن حركات المقاومة ما وجدت للاحتراب الطائفي وإنما لمقاومة المحتل، فهي قد ابتعدت وذهبت إلى رفض الصراع الطائفي، وهذا ما يحسب لها، ولكن سلوك الحكومة المستفز يدفع الناس إلى الفصيل الجاهز لهذه المشاكل وهو القاعدة فكان حال أهل السنة كما قال الشاعر: "فما حيلة المضطر إلا ركوبها" وهو مركب دفعوا إليه قصدا، ليكون فخا ومقتلا لهم وقد حصل شيء من ذلك.

يراد لمناطق السنة أن تنشط فيها القاعدة ليصح تبرير الحكومة للاعتقالات، بزعم أن مناطق السنة حاضنة القاعدة، وبحجة محاربة الإرهاب سيُصفى السنة، إنها خطة يراد لها أن تبقى، وللإنصاف فقد مارس الأكراد في شمال العراق بواسطة أجهزتهم الأمنية ذلك في محافظة نينوى فمكنوا القاعدة واستعملوها، ضد العرب في نينوى وكذلك في كركوك، وهكذا اضطر العرب في هاتين المحافظتين للاستعانة بالقاعدة ثم استعانوا بالحكومة المركزية (الشيعية) ضد الأكراد.

 



[1] - يبلغ تعداد الجيش والشرطة الشيعية أكثر من مليون مجند.

[2] - هو أحد منظري القاعدة، خاصة بالشؤون الجزائرية، له مدونة شؤون استراتيجية.

[3] - في مقاله الذي نشره بتاريخ الجمعة 02 جمادى الثانية 1434هـ، في (شؤون استراتيجية): هل "دولة العراق الإسلامية" مخترقة؟

[4] - مقال "الثورة السورية تواجه (داعش) والمخابرات العالمية" مهنا الحبيل، الجزيرة نت، 24/10/2013.

 

[5] -  عناصر الاستخبارات والجنود الإيرانيون متواجدون في صحراء الأنبار منذ أشهر عديدة.

[6] -  وإن كان عمل للحكومة العراقية ضد الإرهاب، فهذا مصير كل سني أيّا كان ولاؤه للحكومة العراقية.

[7] - ولكي يموّه على تواجد قاسم سليماني بدأ مقتدى الصدر يصرح بأنه أقوى رجل في العراق، وصرح آخر بأن قاسم يشرف على تدريبات في مناطق إيرانية، والغاية من ذلك كله التمويه على وجوده في سوريا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: