الحركة النسوية المغربية على مفترق الطرق
السبت 4 يناير 2014

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

تقف المرأة المغربية اليوم على مفترق طرق بين فكر الحداثة الغربي بفلسفته الفكرية المتكاملة التي تقوم على العلمانية في إدارة الحياة والليبرالية والحرية المطلقة في إدارة حياة الأفراد، وبين منهج إسلامي حضاري يقوم على مرجعية الدين الخاتم حيث أحد أوجه إعجازه صلاحيته لكل زمان ومكان وتوازنه وتكامله، فعلى الرغم من قوة الحركة الإسلامية المغربية بدليل اكتساحها للانتخابات إلا أنه ثمة مؤشرات متعددة لانتصارات جزئية للعلمانية هناك خاصة على صعيد قضايا المرأة والأسرة.

 فمدونة الأسرة المغربية الصادرة عام 2004م احتوت على عدد من المخالفات الشرعية المتوافقة مع الرؤية العلمانية واتفاقية سيداو، ومن ذلك:

- منحت المرأة حق تزويج نفسها دون العودة للولي حيث نصت المادة 25 من المدونة على أن: (للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها).

- كما رفعت المدونة سن الزواج لثماني عشرة سنة حيث نصت المادة 19 على أنه: (تكتمل أهلية الزواج بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية ثماني عشرة سنة شمسية).

- كذلك وقفت المدونة موقفا بالغ التشدد إزاء قضية تعدد الزوجات حيث لا يمكن للرجل أن يتزوج مرة ثانية إلا بعد الحصول على إذن من المحكمة، وقد نصت المادة 41 من المدونة على  أن (لا تأذن المحكمة بالتعدد: إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي. إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة).

- ومن القضايا اللافتة للانتباه موقف المدونة من الطلاق فقد جعلت الطلاق حقا لكل من الزوجين فقد نصت المادة 78 من المدونة على أن: (الطلاق حل ميثاق الزوجية يمارسه الزوج والزوجة كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقا لأحكام هذه المدونة).

- والطلاق لا يمكن أن يقع إلا بقرار من المحكمة فقد نصت المادة 79 من المدونة على أنه (يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة)، فإذا ما قبلت المحكمة بالطلاق وكان الطالب هو الزوج وجب عليه أن يقوم خلال ثلاثين يوما بإيداع جميع مستحقات الزوجة والأطفال في خزانة المحكمة دفعة واحدة وإلا اعتبر متراجعا عن طلبه الطلاق فقد نصت المادة 82 من المدونة على أنه: (إذا تعذر الإصلاح بين الزوجين حددت المحكمة مبلغا من المال يودعه الزوج بكتابة الضبط بالمحكمة داخل أجل أقصاه ثلاثون يوما لأداء مستحقات الزوجة والأطفال)، أما المادة 83 فقد نصت على أنه: (إذا لم يودع الزوج المبلغ المنصوص عليه في المادة 83 أعلاه داخل الأجل المحدد له اعتبر متراجعا عن رغبته في الطلاق).

وعلى الرغم من أن جميع هذه المواد أدخلت على مدونة الأسرة المغربية بحيث تتماشى مع اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) يتم الادعاء في ديباجتها على احترام أحكام الإسلام حيث يرى واضعوها أنها (متطابقة مع أحكام الإسلام السمحة ومقاصده المثلى واضعة حلولا متوازنة ومنصفة وعملية تنم عن الاجتهاد المستنير المتفتح).

تشويه الاجتهاد

ولعله لا توجد كلمة شُوهت أكثر من كلمة الاجتهاد، التي أصبحت مرادفا للتغيير والتبديل والتحريف وتتبع الآراء الشاذة والساقطة من أجل التوافق مع المقررات الأممية التي هي المثل الأعلى بالنسبة لهؤلاء غير أن صاحبات التوجه النسوي وحلفاءهن من العلمانيين الاشتراكيين أو العلمانيين الليبراليين يطمحون في المزيد، ويريدون إسقاط حتى ورقة التوت ويبذلون جهودا وحركة دؤوبة من أجل تلك التيارات التي تجاهر بمرجعيتها اللادينية لتغيير معالم المغرب الحضارية، هذه التيارات العلمانية هي في حلف وائتلاف واحد مع أنصار الحركة النسوية في المغرب.

 إنهم يجتمعون ويعلنون بصراحة مطلقة أن الفكر النسوي وما يتعلق به من تغيير لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق العلمانية الشاملة واعتبار أن التيار الإسلامي هو العدو الذي ينبغي أن يحطموا مكتسباته وليس العادات والتقاليد الظالمة.

تقول نجاة الرازي: (من القضايا الأساسية، التي تمحورت حولها النقاشات السياسية النسائية، تلك المرتبطة بالعلاقة بين النسائية "Féminism" والديمقراطية والحداثة والعلمانية، والدفاع عن الحريات الفردية، فبرزت تساؤلات تتعلق بدور الحركة النسائية في التغيير الاجتماعي، وبالضمانات السياسية المتاحة اليوم، لتفعيل المساواة بين النساء والرجال، في ظل وصول   التيارات الإسلامية إلى الحكم، وما يشكله ذلك من تهديد للمكتسبات الحقوقية، ومن تقييد للحريات الفردية)([1]).

إنهم يدعون صراحة لفصل الدين عن الحياة العامة حتى تكون الأرض ممهدة لغرس الأفكار النسوية فيها فتضيف الرازي: (هل تحمل الحركة النسائية اليوم، مطلب فصل الدين عن السياسة والتشريع، لتحصين المكتسبات، وانتزاع الحقوق وفق قيمة المساواة بين الجنسين، وهل يمكن للحركة النسائية، في ظرفية الصعود السياسي والامتداد المجتمعي للتيارات المعادية للمساواة، أن تلعب دورا تنويريا في مواجهتها للتقليد والانغلاق، وهل تستند الحركة النسائية إلى قاعدة اجتماعية تدعم الاختيار الحداثي، أم أنها تعمل ضمن سياق اجتماعي محافظ يناهض مشروعها ، وهل النخبة المثقفة العلمانية قادرة على المساهمة في تعبيد هذه الطريق مع الحركة النسائية، وما هي الأحزاب التي قد تتحالف حول مشروع مجتمعي علماني صريح، ووفق أي أجندة سياسية ممكنة؟).

في هذا المناخ أصبح المغرب بلا أي خطوط حمراء فأصبحت قضية كميراث المرأة التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة محل جدل، بل إذا شئنا الدقة محل استنكار ورفض، (فقد تعهد إدريس لشكر، الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي المعارض بحماية حقوق النساء ومكتسباتهن السياسية والاجتماعية، وإلغاء جميع القوانين التمييزية ضدهن.

وطالب لشكر بفتح نقاش بشأن المساواة في الإرث، وهو المطلب الذي تتبناه المنظمات النسائية ذات التوجه اليساري. وقال لشكر: «بكل جرأة لا بد من فتح حوار جاد حول مطلب النساء بخصوص المساواة في الإرث» كما طالب بإلغاء جميع القوانين التمييزية ضد المرأة، مشيرا إلى أنه حان الوقت «لتجريم تعدد الزوجات بمنعه من مدونة (قانون) الأسرة، وتجريم تزويج القاصرات، وجميع أشكال العنف ضد النساء»([2]).

فلو أخذنا قضية تعدد الزوجات كمثال سنجد أن كل التضييق الذي مارسته المدونة لا يكفيهم وكأن نشر الأسرار الخاصة في قاعات المحاكم لا يشبع تطلعهم للقضاء على كل آثار هذا التشريع فهم يريدونه زواجا كاثوليكيا حتى يكون حقوقيا بامتياز، إنهم ببساطة يدعون لـ (تجميع النخبة النسائية والحداثية للتصدي لتهديدات الفكر الظلامي والنكوصي، ووضع استراتيجية لبناء تحالفات عضوية وهيكلة العمل)([3]).

أهداف ووسائل

النجاحات التي حققتها الحركة النسوية في المغرب فتحت شهيتها للمزيد من النجاحات والطموحات التي يرفعن من سقفها حتى الدرجة القصوى فهن يطالبن بـ :

* (رفع التحفظات على الفقرة 2 من المادة 9 وعلى المادة 16 من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" وإعلان الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الملحق بها خاصة حظر ومناهضة جميع أشكال التمييز المبني على النوع الاجتماعي، والمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق المدنية، وتكريس المناصفة وإنشاء هيئة المناصفة ومجلس الأسرة والطفولة.

* اعتماد كوتا تمكن من الوصول إلى نتيجة الثلث على الأقل للنساء في جميع الوظائف والانتدابات المنتخبة انسجاما مع الدستور ومع العتبة الضرورية المخصصة للنساء من قبل الأمم المتحدة.

* سحب المغرب لإعلاناته التفسيرية على المادة 2 والفقرة 4 من المادة 15 من اتفاقية سيداو والتي لم يعد لها أي مبرر بالنظر لمقتضيات الدستور)([4]).

وهذه الأهداف المعلنة والمدعومة سواء من الدولة أو من الجهات المانحة تترجم لوسائل كثيرة كالندوات والمقالات بل وحتى التعليم، فمنذ عام 2004، تركز الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة نشاطها على التعليم.

وأطلقت مجموعة من النشطاء برنامجا ينتقلن فيه بواسطة قافلة في المناطق الريفية في المغرب لتقديم دورات محو أمية ونشر المدونة المعدلة واستثمار التطور الذي طرأ على بعض مقتضيات الدستور المغربي في ما يتعلق بالحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين، لمنحه محتوى واقعيا وتطبيقيا في صالح حقوق النساء كأفراد وكمواطنات.

 فحتى برامج محو الأمية للنساء تعمل بمضامين نسوية حتى تصل الأفكار للقاعدة الشعبية من النساء اللاتي يتم تحريضهن من أجل هذا التغيير وبمنهجية تتناقض تماما مع المقررات الدينية التي لا يشار إليها ولو حتى من باب الاجتهاد المشوه (يعتبر التغيير في موقع النساء في المجتمع، سواء بالتوافق أو بانتزاع هذا التغيير من الجهات الوصية، إنما يدل إن دل على شيء على تغير نظرة المجتمع. و بالتوازي مع هذا التغيير، فإن علاقات القوة التي بقيت لصالح الرجل الذي احتفظ بالسلطة على المرأة، سواء أكان ذلك إراديا أو لا، سمحت بإثارة تشكيل الأدوار التي تؤطر فكرة إعادة تشكيل النظام المجتمعي في عمومه.

وفي هذا الصدد لا يمكن فصل ما هو عام عن ما هو خاص، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع على مستوى التأطير بدءا من الميدان السياسي وصولا إلى علاقات إعادة الإنتاج  وحق تصرف المرأة في جسدها)([5]).

"حق تصرف المرأة في جسدها" هذا الذي يدندنون حوله فينفونه أحيانا ويؤلونه أخرى ويعلنونه في أحيان كثيرة فهل تعي ذلك المرأة المغربية في أن معركتها على مفترق الطرق؟



[1] - نجاة الرازي، الحركة النسائية المغربية تبحث صيغا وحدوية تتصدى للفكر النكوصي.

[2] - (قيادي حزبي مغربي يدعو إلى المساواة في الإرث وإلغاء القوانين التمييزية ضد النساء)، جريدة الشرق الأوسط 22/12/2013.

[3] - نجاة الرازي، مصدر سابق.

[4] - نقلا عن بيان الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب بمناسبة اليوم الوطني للمرأة.

[5] - خنساء بكير، ترجمة يسين العمري، الحركة النسائية المغربية ما بين المطالب السياسية والنضال الحقوقي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: