سطور من الذاكرة\العدد مائة وتسعة وعشرون - ربيع الأول 1435 هـ
الوجه الآخر -2- علي شريعتي
السبت 4 يناير 2014

 سلسلة تتناول شخصيات شيعية معاصرة الْتبست حقيقتها على أهل السنة، فتكشف عن المجهول من معتقدها وفكرها، ونظرتها إلى السنة وأهلها.

2- علي شريعتي

إعداد: هيثم الكسواني _ كاتب أردني

 

يُعتبر الدكتور علي شريعتي أحد الشخصيات الشيعية المعاصرة التي الْتبست حقيقتها على أهل السنة، (وعلى الشيعة كذلك) والسبب الرئيس في ذلك يعود إلى:

1-   الانتقادات الشديدة التي وجهها شريعتي إلى التشيع وما فيه من خرافات، وإلى رجال الدين الشيعة، وما هم عليه من انحراف واستغلال للدين.

2-    السخط الذي كان يبديه تجاه الصفويين الذين جعلوا من إيران دولة شيعية في بدايات القرن العاشر الهجري (16م)، والدعوة إلى إزالة ما أضافوه على التشيع من أفكار ضالة ومتطرفة.

3-   بعض العبارات الإيجابية التي كان يقولها بحق بعض الصحابة أو الدول الإسلامية أو علماء أهل السنة وقادتهم بخلاف ما عليه معتقد الشيعة.

4-   دعوته إلى الوحدة الإسلامية، والتقريب بين السنة والشيعة.

 

وفي هذا المقال اقتراب أكثر من شخصية شريعتي، ودراسة لموقفه من الدين، ومنطلقاته الفكرية في نقد التشيع، والزاوية التي كان ينظر إليها إلى التشيع وطقوسه وعلمائه.

أولا: حياته ونشأته

ولد المفكر وأستاذ علم الاجتماع علي محمد تقي شريعتي في إحدى قرى منطقة خراسان في إيران، في العام 1933م، وعلى الدوام كان شريعتي معارضا لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، فقد انضم وهو صغير إلى جناح الشباب في الجبهة الوطنية المعارضة برئاسة محمد مصدق، وسُجن مدة ستة أشهر بعد فشل حركة المقاومة ضد نظام الشاه، ولم يكن شريعتي آنذاك قد تخرج من الجامعة.

وفي عام 1958م، تخرج علي شريعتي من كلية الآداب بالجامعة، وفي العام التالي، أُرسل في بعثة إلى فرنسا لإكمال دراسته العليا، فحصل فيها على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع الديني، كما حصل على دكتوراه أخرى في تاريخ الإسلام. وهناك استمر في نشاطه المُعارض لنظام الشاه، وأسس فرع أوروبا لـ (حركة تحرير إيران).   

وفي منتصف الستينيات من القرن الماضي عاد شريعتي إلى إيران، فاعتُقل فور وصوله، لكن أُفرج عنه بعد فترة، وعُيّن مدرسا في جامعة مشهد، وإزاء انتقاداته المتكررة لنظام الشاه ونشاطه السياسي والفكري تم نقله إلى منطقة نائية في إيران معلما في المدارس الابتدائية، لكن سرعان ما تم إعادته، لكن إلى العاصمة للعمل في جامعة طهران، ليكون قريبا من سمع السلطة وبصرها.   

وفي سنة 1973 أغلقت السلطات الإيرانية (حسينية الإرشاد) التي ساهم شريعتي في تأسيسها سنة 1969م، واتخذها منطلقا لمحاضراته ونشاطه، وقامت باعتقاله، هو ووالده، لمدة عام ونصف، ثم أفرجت عنه بعد وساطة جزائرية، وسُمح له في مايو/ أيار من العام 1977م، بالسفر إلى لندن، لكن بعد أقل من شهر عُثر عليه ميتا في شقته هناك، ولم يُسمح لجثمانه بأن يُدفن في إيران، فوافقت السلطات السورية - التي كانت على خلاف مع نظام الشاه – على أن يُدفن فيها، ودُفن – كما تمنى- بجانب ضريح السيدة زينب في دمشق([1]).

ثانيا: توجهاته ونشاطه

يوصف شريعتي بأنه "ملهم الثورة الإيرانية" رغم أنه لم يشهد قيامها في شباط/ فبراير من سنة 1979م، إلا أن أفكاره ومحاضراته وكتاباته الثورية كان لها الأثر الكبير في إلهاب حماس الجماهير الرافضة لنظام الشاه، الأمر الذي حقق لشريعتي شعبية كبيرة داخل إيران، خاصة بين الشباب، ما جلب عليه نقمة نظام الشاه، الذي قام في فترات مختلفة بسجن شريعتي وتعذيبه ونقله من عمله ووضعه تحت المراقبة ومنعه من ممارسة العمل السياسي، ثم اغتياله (كما يُعتقد) في لندن.

وفي المقابل، وبحكم ثقافته الماركسية (وهو ما سنفصل فيه بعد قليل) فإن شريعتي ناصَب رجال الدين الشيعة العداء، وبيّن ما هم فيه من ضلال وانحراف واستغلال للدين، ما أدى إلى نقمتهم عليه أيضا، فأصدروا (مثل مرتضى مطهري) الفتاوى بضلاله وتكفيره ولعنه، حتى امتد التكفير إلى حسينية الإرشاد التي أطلقوا عليها وصف (كفرستان) أي: معقل الكفر([2]).

إلا أن بعض رجال الدين (مثل الخميني) كان يتحاشى انتقاد شريعتي لمعرفتهم بشعبيته الواسعة، ودوره في معارضة نظام الشاه، في حين أن مجموعة أخرى منهم (وإن كانوا قلة) كانت تؤيد شريعتي، وتدافع عن أفكاره، وترى أن ما يوجهه للدين من انتقاد في حقيقته موجّه ضد الممارسات الخاطئة التي تُرتكب باسم الدين، وليس للدين نفسه.

 ومن أبرز هؤلاء الذين دافعوا عن شريعتي: محمود الطالقاني، الذي يُعتبر من رموز الثورة الإيرانية، والذي يقول: "كل يوم... كنّا نشهد معركة ضد شريعتي في أحد أحياء العاصمة. لقد شنّوا عليه حملات ظالمة مستمرة. كنّا نقول لأولئك المتحاملين: ماذا حدث؟ اذهبوا واسمعوا آراءه وناقِشوه، وقدّموا له الردّ الذي تريدون. لكن الأمر كان يجري على نحو آخر، إذ كان البعض يقتطع جملة أو فقرة من كتابٍ له، ويسخدمها لتشويه فكر شريعتي والتحريض ضده"([3]).

ويقول الطالقاني أيضاً :"... إن المرحوم شريعتي تميز بروحٍ مستقصية شكّاكة منذ بداية شبابه وأوائل عهده بالدراسة والتحصيل العلمي. كان يشكّ بكل شيئ، حتى بدينه؛ فقد كان يشكّ بالدين السائد بين الناس، أي بذلك الإسلام الممسوخ، ذلك الإسلام الذي حُوّل إلى دكان للارتزاق، ووسيلة للاحتراف وتربية (المريدين). كان لابد لشاب واعٍ مثل شريعتي أن يبدأ بالشك، لكنه لم يبقَ أسير الشك... بدأ بالدراسة، بحث في الأصول، قرأ في المناهل الأولى... فتوسعت آفاق فكره، حتى بلوَر مفهومه عن إسلام ثوري حي..."([4]).

ثالثا: وجهه الآخر

والحقيقة فإن موقف شريعتي من الدّين لم يلتبس على أهل السنة فقط، بل إن الشيعة وعلماءهم أنفسهم اختلفوا في أمره، لأنه - من جانب – كان يدعو إلى الإسلام ويحث الناس على التمسك به ويؤلف فيه الكتب، ويطالب بتنقية التشيع مما فيه من انحطاط وغلو وخرافة، ومن جانب آخر يتبنى الاشتراكية والماركسية ومناهجها وأدواتها في التحليل والفهم.

ثمة من يجيب على هذا التناقض بالقول بأن شريعتي "لم يرَ قط تناقضا بين كونه مسلما مؤمنا، وكونه اشتراكيا"([5])، وبأن الإسلام الذي يرغب شريعتي العودة إليه هو إسلام تقدمي واحتجاجي([6])، وبأنه "كرس حياته لمهمة إدماج الاشتراكية مع المبادئ التقدمية الموجودة في المذهب الشيعي"([7]).

اشتراكيته

أما بداية اعتناق شريعتي للاشتراكية فيُعتقد أنها جاءت نتيجة للتأثر بجماعة (نهضة الموحدين الاشتراكيين) "نهضت خدابرستان سوسياليست"، التي أسسها الدکتور محمد نخشب (1923-1976) بمعية حسين راضي، وهم شباب متدينون ذوو نزعة اشتراكية، وانصب اهتمام نخشب وجماعته على الأبعاد الأخلاقية والإنسانية في الدين، وعمل على إنتاج قراءة إسقاطية للنص والماضي والتراث، فخلع عليه صورة اشتراكية، وكان يحسب أن الاشتراكية الانسانية العملية تجسدت في صدر الإسلام.

ونتيجة للصراعات الداخلية وضغوطات السلطة اضطرت الجماعة إلى تغيير اسمها إلى: جمعية حرية الشعب الإيراني "جمعيت آزادي مردم إيران"، وقد أسس كاظم سامي وعلي شريعتي في مدينة مشهد فرعا للجمعية([8]).

وتزوج شريعتي أخت قائد طلابي معروف، وعضو في حزب "توده" الشيوعي كان قد قُتل في مظاهرات جامعة طهران سنة 1953([9]).

وعندما انتقل شريعتي للدراسة في فرنسا، راح يتردد على الأوساط اليسارية([10]) ويُصادق الاشتراكيين الجزائريين أمثال الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين، ويتابع صحف اليسار أو تلك التي تدعم القضايا اليسارية، ويترجم كتب اليساريين مثل "حرب العصابات" لإرنستو تشي جيفارا، ومن هنا جاءت الوساطة الجزائرية لتنقذه من السجن لاحقاً.

وبعد عودته من فرنسا، تعرف شريعتي على أعضاء حركة "مجاهدي خلق"، وهي حركة ماركسية مسلحة مناهضة للشاه. وقد أبدى شريعتي إعجابه بفكرهم رغم اختلافه معهم في بعض النقاط. وفي المقابل كانت محاضرات شريعتي تصب في صالح نشاط وأفكار الحركة وساهمت في توسيع عضويتها(.([11]

وبدأ شريعتي ينظر إلى الإسلام وفق منهجه الماركسي، ويفسره حسب مفاهيم الماركسية من صراع وطبقات وثنائيات، وبحسب تعبير د. الرفاعي: "استلهم شريعتي القواعد الأساسية للماركسية، وأقام عليها بناء إسلاميا. كل أولياته ومبادئه ماركسية، ولا يمكن العثور لديه على رؤية إسلامية عميقة"([12]).

ويؤكد نصر ولي على الفكرة السابقة، ويقول: "كان شريعتي جيد الإلمام باللاهوت والتاريخ الشيعي، لكن نظرته إلى العالم كانت من صياغة العقيدة الماركسية والنظرية العالمثالثية اللتين تعرّف إليهما في باريس. لقد اقتنع بالأفكار الماركسية وآمن بالصراع الطبقي والثورة واليوتوبيا الشيوعية. كتب عن الإسلام بمصطلحات ماركسية واضحة: "لألفٍ وأربع مئة سنة خلت، تبع نفرٌ قليل من العبيد وباعة التمر ومربّي البعير والشغّال دين محمد. أما اليوم، فهم العمال والفلاحون والتّجار والموظفون والطلاّب من يجب عليهم أن يُحبوا هذا الدين من جديد"([13]).

بدأ نَفَس شريعتي الاشتراكي مبكرا، وذلك من خلال روايته التي ترجمها عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، فعندما كان شريعتي في العشرين من عمره بدأ رحلته الفكرية بترجمة رواية مصرية للكاتب عبد الحميد جودة السحار عن أبي ذر إلى الفارسية ونشرها عام 1956 بعنوان "أبو ذر الغفاري: الاشتراكي المؤمن". أو "أبو ذر الموحد الاشتراكي" "أبو ذر، خدابرست سوسياليست". 

حيث رأى شريعتي في أبي ذر اشتراكيا منتقدا للخلفاء لإسرافهم في ملذات الدنيا. وظلت (اشتراكية) أبي ذر - كما رآها شريعتي- مثلا أعلى له، بشهادة والده بعد مماته. ووصفه مريدوه فيما بعد بأنه "أبو ذر إيران الحديثة"([14]).

وأكثر شريعتي من استخدامه للأدوات الماركسية في تحليل التراث الإسلامي بما لا يمت إلى النص بصلة، وامتد منهجه (الماركسي الاشتراكي) إلى تفسير آيات القرآن، فأسقط المادية التاريخية على القصص القرآني، كما فعل عندما حلل قصة ابني آدم بأنها صراع بين النظام الزراعي، والمِلكية الخاصة والفردية متمثلة بقابيل، ضد رعوية اشتراكية يمثلها هابيل، وأن هذا الصراع الطبقي يتكرر في كل المجتمعات بنتيجة حتمية تاريخية واحدة هي انتصار العدل(.([15]

وكذلك نظر إلى الآيات القرآنية المتعلقة بقصص الأنبياء، إذ فسرها تفسيرا ماركسيا طبقيا، إذ يقول: "إن الله وهو يروي لنا قصص الأنبياء، فإنه يقسم المجتمعات التي حدثت فيها ثورات الأنبياء إلى طبقات حاكمة ومستغلة من جهة، والناس من جهة أخرى. أما الله فهو يصطف دائما مع الناس في هذا الصراع"([16]).

يمكن القول بعد كل ذلك بأن شريعتي لم يكن يفهم الدين فهما ماركسيا فقط، أو أنه استعمل الماركسية لتحليل الدين، بل إن هناك من يشير إلى ما هو أخطر من ذلك وهو أنه استعمل الدين والتشيع لتمرير الأفكار الماركسية كي تكون مقبولة عند الناس "بالنسبة إلى شريعتي، التحدّي هو كيف السبيل إلى ترجمة الأفكار الماركسية إلى رموز ثقافية يُمكن للجماهير الشعبية أن تلتصق بها. بعبارة أخرى: كيف نجعل نزول ماركس إلى تحت أكثر سهولة من خلال إعطائه صبغة شيعية؟"([17]).

 نظرته للسنة

لا يرى شريعتي - بداية- صواب منهج أهل السنة، بل يعتقد بصواب مذهب الشيعة وأحقيته بالاتباع، كما يتضح من قوله: "إن الخلاف بين الشيعة والسنة هو في الأساس خلاف فكري وعلمي وتاريخي يرتبط بطريقة فهم حقيقة الإسلام، وكل ما يدّعيه الشيعة في هذا المجال – وهو ادّعاء وجيه – أنه ينبغي لمعرفة حقيقة الإسلام الاقتداء بأهل بيت النبي وعلي (ع) لأجل أن تكون المعرفة مباشرة ومن دون واسطة، وهذا بحدّ ذاته كلام معقول، كما يدّعي الشيعة أن مواصلة طريق الرسالة وروحها بعد النبي مرهونة باتباع علي (ع) والاعتراف به خليفة بعد النبي دون غيره ممّن عجزوا عن مواصلة الرسالة بروحها حتى آل أمر المسلمين إلى ما آل إليه مما يعرفه الجميع"([18]).

موقفه من الصحابة

أما موقفه من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكاد يختلف عن بقية الشيعة، فهو لا يرى في الصحابة (الذين رضي الله عنهم وأثنى عليهم وارتضاهم لصحبة نبيه) إلا مجرد مجموعة من ذوي المصالح، المنحرفين والبعيدين عن الدين والمبادئ، والمتآمرين على الإسلام، والغاصبين لحق علي في الخلافة، ولذلك نجدده يردد أكاذيب الشيعة بحق الصحابة كما في قوله:

 "الفارق الجوهري بين خط علي وخط أبي بكر يتمثل في هذه النقطة؛ مراعاة المصالح أم المبادئ. في منهج أبي بكر لابدّ من إعطاء شيء لعبد الرحمن بن عوف لكبح جماح شغفه العارم بالأموال! وهو بلا شك شخصية ذات نفوذ ومن قبيلة فيها رجال أصحاب وزن وتاريخ من أمثال سعد بن أبي وقاص، لذا يجب العمل على إرضائه لكي لا يتسبب في إيقاع بلبلة ومشاكل...

أما خالد القائد الذي قَتل مالك بن نويرة وضاجع زوجته الفاتنة في نفس الليلة، فلا بدّ أيضاً من كسبه أو تحييده على الأقل، فهو قائد عسكري مرموق ومقاتل بطل، ولا ضرورة لإقامة الحدّ عليه، بل في ذلك خطورة، والفرق كبير جدا بين أن يكون خالد معنا أو أن يكون ضدّنا!"([19]).

وعلى الرغم من موقفه هذا تجاه الصحابة، الذي يوافق معتقد الشيعة، إلاّ أن شريعتي ينكر على الشيعة سبّ الصحابة ولعنهم، لأن عليّا كره لأصحابه أن يكونوا لعّانين، ونجد شريعتي في بعض كتبه يورد ثناء علي على الفاروق عمر رضي الله عنهما (مع خلط ذلك بالمعتقد الشيعي إزاء الصحابة والإمامة)، يقول شريعتي: "إن منطق عليٍّ لم يسوغ له الإساءة إلى عمر والتقليل من شأنه، بالرغم من إهدار حقوقه وجعله حبيس الدار بتواطؤ سياسي بين عمر وأبي بكر، بل إنه لم يتنكّر للخدمات التي قدّمها عمر للدولة الإسلامية لأنه لا يريد أن يغمط حق الرجل على خلفية أخذ الخلافة منه بغير حق"([20]).

 موقفه من علماء السنة

يثني شريعتي أحيانا على بعض أئمة أهل السنة أو علمائهم، وعند العودة لهذه الأسماء يتبين أنها تتركز غالبا في العلماء الذين تساهلوا تجاه التشيع أو الناشطين في مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة أمثال: شيخ الأزهر السابق عبد المجيد سليم، وشيخ الأزهر السابق محمود شلتوت الذي أفتى بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية، وأنه كسائر المذاهب السنية الأربعة.

وفي هذا الصدد يثني شريعتي على الخطوات التي اتخذها الشيخ شلتوت تجاه مذهب الشيعة، ويقول: "كان الشيخ شلتوت قد أصدر فتوى بجواز العمل بالمذهب الجعفري أو العدول من المذاهب الأربعة إليه! مضافا إلى دوره في إدخال الكثير من الأحكام والفتاوى الشيعية في القانون المدني المصري مثل عدم قبول الطلقات الثلاث بلفظ واحد،... هذا هو أنموذج من المنطق المعتدل المنصف الذي يعدّ من سمات التسنن المحمدي كما هو سمة بارزة من سمات التشيع العلوي..."([21]). كذلك يثني شريعتي أحيانا على بعض علماء أهل السنة الذين يمدحون أهل البيت.

موقفه من الدول الإسلامية

يعتقد شريعتي، كالشيعة، أن الدول الإسلامية السنية كلها دول ظالمة وفاسدة ما دامت لم تقم على مفهوم الإمامة الشيعي، إذ يرى أنها قامت باغتصاب حق علي وبنيه في الحكم، فيقول: "تمكن جميع المستكبرين وطواغيت الزمان وأصحاب البيوتات من العرب والعجم والترك والمغول والتتار من بلوغ سدة الحكم والاستواء على مسند خلافة النبي ما عدا آل النبي وأهل بيته من أئمة الحق والهدى"([22]).

ويقول مثلا عن الدولة الأموية: "أما بنو أمية فصحيح أنهم يكنّون عداء تاريخيا للإسلام، وكل المصائب التي جرت على الدين كان لهم فيها اليد الطولى.."([23])، وعن الدولة العثمانية: "لا ينبغي الشك هنا في أن الحكومة العثمانية كانت حكومة فاسدة، ولم تكن تليق بحمل وسام الحكومة الإسلامية"([24]).

لكن شريعتي – ومِن منطلق سياسي- كان يثني على الدولة العثمانية أن تمكنت من توحيد مختلف الأقوام والأجناس تحت راية الإسلام (بالتأكيد لا يعتقد شريعتي هنا أنه الإسلام الصحيح) وشكلت منها كيانا سياسيا عسكريا منسجما، لمواجهة الخطر الأوروبي، وحماية أراضي المسلمين.

كذلك – ومِن منطلق سياسي كذلك- تمنى شريعتي لو يظهر صلاح الدين مرة أخرى في فلسطين، رغم عدائه للشيعة وأن يجرد خالد بن الوليد (الباغي) سيفه للهجوم على عساكر الروم([25]).

موقفه من الصفويين

يكاد شريعتي يتميز عن بقية الشيعة بنقده الشديد للدولة الصفوية التي نشرت التشيع في إيران بالقوة في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ودعوته إلى إزالة ما أضافته على التشيع من أفكار ضالة ومتطرفة.

إن شريعتي من منطلق فكره الماركسي الثوري، يرى أن الصفويين أساؤوا إلى التشيع إساءة بالغة وتآمروا عليه عندما حوّلوه من مذهب ثوري معارض يرفض الظلم والخنوع إلى مذهب رسمي يحظى بأقصى درجات دعم الدولة والحاكم، ويقول: "وإلى العهد الصفوي، ظلت كلمة الرفض (لا) هي المَعلم الرئيس الذي يميز بين الموالين لأهل البيت وأنصار علي وأتباعه وبين غيرهم"([26]). ويقول في موضع آخر: "للتشيع حقبتان تاريخيتان، بينهما تمام الاختلاف، تبدأ الأولى من القرن الأول الهجري حيث كان التشيع معبّرا عن الإسلام الحركي في مقابل الإسلام الرسمي والحكومي الذي كان يتمثل في المذهب السني، وتمتد هذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي، حيث تبدأ الحقبة الثانية والتي تحول فيها المذهب الشيعي من تشيع حركة ونهضة إلى تشيع حكومة ونظام"([27]).

كما يعتقد شريعتي بأن الصفويين أساؤوا إلى التشيع بما أدخلوه عليه من خرافات وغلو، أدت إلى إضعافه، ومنعت الناس من اعتناقه وتقبّله، إذ يرى أنه لا تشابه بين التشيع العلوي (الذي ينسبه الشيعة لعلي) والتشيع في نسخته الصفوية، لكأن شريعتي يقف هنا موقف الداعي إلى التشيع، وهو ما يكرره كثيرا، ويفتخر به بأنه من المنافحين عن التشيع والداعين إليه دائما، ومن الذين يعتقدون بصوابه، يقول شريعتي: "... أما أنا فتشهد جميع آثاري المطبوعة والمسموعة والتي هي الآن في متناول الجميع بأنها كانت تدور في الغالب على محور واحد هو الدفاع عن هذا المذهب. ويعزز ذلك أن أساس نظرتي الفلسفية والاجتماعية تبتني على رؤية شيعية واضحة، وكان أول كتاباتي صدر قبل ثمانية عشر عاما حول (أبي ذر) وآخرها كتاب (الشهادة رسالة الحسين) و(الدعوة رسالة زينب)، وإن ميولي الشيعية واضحة جدا، سواء في هذه الكتب أو في غيرها من القضايا الاجتماعية.."([28]).  

 



[1]- د. علي شريعتي، التشيع العلوي والتشيع الصفوي، ترجمة حيدر مجيد، دار الأمير، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ، 2002م، ومعظم المعلومات السابقة عن شريعتي مستقاة من تقديم للكتاب بقلم د. إبراهيم دسوقي شتا.

[2] - ريم نجيب، مقال "علي شريعتي: الإسلام والماركسية، هل هذا ممكن؟"، موقع أخبار الأدب، 3/8/2012.

[3] - د. علي شريعتي، مصدر سابق، فصل: قالوا في شريعتي، ص 11.

[4] - المصدر السابق، ص 9.

[5] ريم نجيب، مصدر سابق.

[6] - المصدر السابق.

[7] - د. وليد محمود عبد الناصر، الإسلاميون التقدميون .. عن وجه آخر للفكر والسياسة في إيران، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة الأهرام، القاهرة، 2008م، وأيضا: عرض للكتاب في مجلة السياسة الدولية - يوليو 2008.

[8] - عبد الجبار الرفاعي، مقال: اختزال الدين في الأيديولوجيا، صحيفة المثقف الالكترونية.

[9] - ريم نجيب، مصدر سابق.

[10] - ولي نصر، صحوة الشيعة، وأيضا: مقتطفات من الكتاب بموقع الراصد نت (نافذة: من بطون الكتب)، على الرابط التالي:  http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5587

 

[11] - ريم نجيب، مصدر سابق.

[12] - عبد الجبار الرفاعي، مصدر سابق.

[13] - نصر ولي، مصدر سابق.

[14] - ريم نجيب، مصدر سابق.

[15] - وليد الشرهان، مقال "علي شريعتي واللعبة الصفوية"، مجلة المجلة، 30/4/2013.

[16] - فاضل رسول، هكذا تكلم علي شريعتي، دار الكلمة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1987، ص 37.

[17] - نصر ولي، مصدر سابق.

[18] - التشيع العلوي والتشيع الصفوي، مصدر سابق، ص 76 - 77.

[19] - المصدر السابق، ص 52.

[20] - المصدر السابق، ص 116 – 117.

[21] - المصدر السابق، ص 116.

[22] - المصدر السابق، ص 26.

[23] - المصدر السابق، ص 52.

[24] - المصدر السابق، ص 67.

[25] - المصدر السابق، ص 69.

[26] - المصدر السابق، ص 25.

[27] - المصدر السابق، ص 63.

[28] - المصدر السابق، ص 81.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: