شيعة مصر والخداع.. هل يعي الإخوان الدرس؟
الأربعاء 4 ديسمبر 2013

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

ربما لم يحظ أمر من الأمور بانتقاد قدر ما حظيت السياسة، التي رسخت في أذهان الكثيرين بأنها لا تعدو عن كونها ألاعيب ومؤامرات وتحقيق المصالح ولو كان ذلك على حساب القيم والمبادئ، أو تجاهل الآخرين أو إصابتهم بالضرر، وهو ما دفع العاملين بها من الإسلاميين إلى تكرار القول بأن الفارق الجوهري بين ممارساتهم للسياسة وبين ممارسة غيرهم هو تمسكهم بالبعد الأخلاقي في هذه الممارسة، الأمر الذي يجعل من ممارستهم محاولة لتقصي المصلحة العامة وكل ما يمكن أن يحقق للجميع الحياة الأفضل.

لكن في المقابل فإن محاولات إظهار حسن النية والتزام قيم النزاهة والشفافية ليست هي في الحقيقة كل المعايير التي يفترض أن يتبناها العاملون في حقل السياسة من الإسلاميين، إذ أن ثمة معايير أخرى يجب أن يراعيها هؤلاء، وهي معايير تحفظية أكثر منها سيرا أو اتباعا لنهج النفعيين والبراجماتيين من السياسيين، فالخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -  كان يردد دائما "لست بالخب ولا الخب يخدعني"، وهي عبارة تعكس إلى أي مدى كان يتسم تعاطي الخليفة الثاني رضي الله عنه باليقظة مع كل من حوله دون أن يكون هو نفسه متمثلا لسلوك المخادعين منهم.

وتحقق ذلك يحتاج إلى أمرين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، يتمثل أولهما في اتباع نهج القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي تمنح المؤمنين بهما حصانة من الوقوع في فخ خداع المخادعين حيث الرؤية الشمولية المستندة لفهم عميق وواقعي لطبائع البشر ومكنونات النفس البشرية التي يغلب عليها الضعف أمام الشهوة والرغبة وهو أمر لطالما لفت القرآن الكريم إليه حتى أنه خصص له أكبر آياته وهي آية "الديْن" بسورة البقرة والتي جاءت لتفصيل الضمانات التي يجب أن تكون بين الدائن والمدين وفي مجتمع المؤمنين حيث جاء الخطاب فيها بـ "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فاكتبوه.." ولا يعني ذلك تشكيك القرآن في الدائن أو المدين ولكن مقصود القرآن – والله أعلم – هو اتخاذ إجراء استباقي يحول دون زلة النفس أمام الشهوات والرغبات.

أما الأمر الثاني فيتمثل في الاستعانة بأهل الخبرات وإدراك الواقع بما يشكل تصورا كاملا لدى العاملين والفاعلين بالأمور السياسية إذ لا يمكن لشخص واحد أو جماعة مهما كانت متابعاتهم وقدراتهم الإلمام بكل شيء، ومن ثم فإن العودة لأهل الاختصاص في كل منحى بات أمرا مسلما به لتقليل الأخطاء.

 

الإخوان والشيعة

السطور السابقة لم تكن ترفا فكريا بقدر ما هي مقدمة لازمة تكشف عن الخطأ الأفدح الذي ارتكبته جماعة الإخوان المسلمين خلال توليها لسدة الحكم في مصر طيلة عام كامل كما تكشف في ذات الوقت عن طبيعة المنهج الذي تبناه قيادات الشيعة المصريين في التعامل مع الإخوان والذي لم يتجاوز مفهوم الخداع والخديعة قيد أنملة إذ تأخذك الدهشة والعجب إزاء كل هذا الحقد وهذه الكراهية التي تقطر بها كتابات قيادات الشعية المصريين تجاه الجماعة وسياساتها بعد أن تدخل الجيش المصري بقيادة مجلسه العسكري لإقالة الرئيس الدكتور محمد مرسي من منصبه في نهاية يونيو 2013م على الرغم من كل ما فعله الإخوان المسلمون من أجل إرضاء عيون هؤلاء الشيعة الذين يمثلون أقلية لا تذكر ما كان سببا في دخولهم في خصومة مع رفقائهم من أبناء التيارات والقوى الإسلامية الأخرى التي كانت وما زالت تنظر لهؤلاء الشيعة بكثير من الحذر والتحفظ نظرا لعلاقات بعضهم بالدولة الإيرانية التي ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مشروعها في المنطقة مشروع طائفي توسعي بالدرجة الأولى.

ولعل أكبر دليل على ذلك موقفا الدولة الإيرانية والشيعة المصريين من تطور الأحداث فالدولة الإيرانية وكما أشرنا في مقال سابق كانت الأسرع في تغيير موقفها الرسمي فلم تكد تمر ساعات على رفضها لتدخل الجيش وإقالة الرئس مرسي حتى سارعت بعد ذلك إلى تأييد هذه الخطوة والاعتذار لمصر عن موقفها السابق معتبرة أن أحداث 30 يونيو ثورة شعبية وأن ما فعله الجيش ليس إلا استجابة لإرادة الشعب.

فيما لم يتوان شيعة مصر وقياداتهم ومنذ بداية التحرك المضاد لمرسي وجماعة الإخوان من التعاون والتنسيق مع كل القوى المناوئة لهم انتقاما من موقفهم من الثورة السورية فضلا عن أحداث قرية أبو مسلم بمحافظة الجيزة والتي أسفرت عن مقتل الشيعي حسن شحاته وأربعة من المتشيعين بالقرية حيث ربط قيادات شيعة مصر بين وقوع الحادث ولقاء الستاد الجماهيري الذي شارك فيه الرئيس مرسي وعدد من علماء السنة للإعلان عن موقف مصر من تطورات الأوضاع في سوريا.

والمحصلة أن أدق ما يمكن أن نصف به سلوك إيران وبعض الشيعة في مصر بشأن الإخوان قبل السقوط هو ما أشار إليه المثل الشعبي المصري "يضرب ويلاقي" فلا هم تماما ضد مرسي والإخوان المسلمين ولا هم بجملتهم يؤيدونهم وذلك كأداة من أدوات الضغط على نظامهم لابتزازهم والحصول على أكبر قدر من المكاسب الممكنة.

غير أن الأمور اتضحت تماما وانكشفت على حقيقتها المواقف الأساسية فما أن أقيل مرسي وأزيحت جماعة الإخوان حتى توالت مقالات وتصريحات وتعليقات قيادات الشيعة التي أكدت ملاحظتين يجب لفت الانتباه إليهما:

الأولى: أن الإخوان يجب أن يعيدوا النظر في موقفهم من الشيعة والدولة الإيرانية وأن يتجاوزوا حدود موقف الأستاذ حسن البنا الذي ربما لم يتح له فرصة التعرف على حقيقتهم.

الثانية: أن يتخلى الإسلاميون بجملتهم عن الاعتقاد بأن جماعة الإخوان المسلمين الأنضج فكريا وسياسيا بين الإسلاميين ومن ثم فهي الأولى بتصدر المشهد السياسي بعد أن ثبت بأنهم فشلوا في صوغ رؤية واقعية ومناسبة للتعامل مع الشيعة وإيران.

 

التشفي والاستعداء

المتأمل في كتابات بعض الشيعة المصريين البارزين لا يحتاج لكثير معاناة ومشقة في إدراك ما أشرنا إليه والأعجب أن بينها جميعا ما يشبه التوافق والانسجام وكأنها تنفيذ لخطة موضوعة بين هؤلاء جميعا في حال سقط الإخوان إذ وبين يوم وليلة يصبح الإخوان جماعة إرهابية وإقصائية وفاشلة وعميلة لأمريكا والغرب بل وصل الأمر بأحدهم وهو محمود جابر الأمين العام لحزب "التحرير" الشيعي إلى أن يدعو لتوجيه الاتهام لكل من يتحدّث عن مصالحة بين الجماعة الإرهابية – قاصداً جماعة الإخوان – والدولة والشعب في الوقت الذي تعيش فيه الجماعة حالة من الهجوم الشديد عليها تمثل في قتل واعتقال عناصرها.

بل اعتبر جابر في إطار تعليقه على حادثة كنيسة الورّاق أن ما أسماه بالإرهاب الأسود عاد ليُطلّ برأسه من جديد بعد أن مهّدت لازدهاره فترة حكم جماعة الإخوان المحظورة طيلة العام الماضي واستقدام الجماعة عددا من رموز الإرهاب الدولي من كل آفاق الأرض من أجل أن يتّخذوا من مصر قاعدة لهم يحمون من خلالهم نظام حكمهم ويهاجمون معارضيهم.

ولم يفتأ يردد جابر نفس الاتهام لجماعة الإخوان بالإرهاب في مقالاته متفقا في ذلك مع التيارات والقوى الليبرالية واليسارية التي اعتبرت أن ترويج هذا الاتهام أحد أهم أدوات التخلص من الإسلاميين وإقصائهم.

ففي مقال له نشر يوم 11/8/ 2013 بموقع الحوار المتمدن تحت عنوان "استقيموا يرحمكم الله"، قال جابر: "منذ حوالى أكثر من شهر وجماعة الإخوان وأخواتها يقيمون في رابعة العدوية وميدان النهضة بالجيزة وقاموا بتحويلهما من ساحة تظاهر إلى ساحات إرهاب وتخويف وتهديد لكل المصريين الذين خرجوا عليهم فى 30/6 /2013 من أجل خلع محمد مرسى".

وأضاف جابر: "رابعة والنهضة... أصبحا يمثلان مشروعا يهدد أمن مصر ويهدد السلم الاجتماعي ونحن لا نقول هذا الكلام انطلاقا من كراهيتنا للإخوان أو رفضنا لممارستهم السياسية والأخلاقية – وإن كان هذا صحيحا – ولكن وجود مجموعة بشرية من السكان تدعو إلى الخروج عن النظام العام وتعادي الشرطة والجيش وتعترف بأنهم هم من يقوم بدعم وعمل كل الأعمال الإرهابية ضد الجيش فى سيناء وكون هذه المجموعات تخزن سلاحا ووقودا للاستعمال في مقاومة الشرطة وتقوم باقتلاع الأرصفة وتبني سواتر وحوائط فى نهر الطريق العام واستجلابها للمجموعات من الإرهابيين من كل مكان من المعمورة وقيام هذه الجماعة بمخالفة العرف العام والتقاليد العامة وشرعنة نوع من أنواع النكاح لم يرد في الكتاب والسنة ولا في اجتهاد الأولين ولا الآخرين فهذه جريمة يحاسب عليها القانون وكون هذه الجماعة تحتل مداخل العمارات في تلك المنطقة وتؤذي سكانها والكثير منهم قد هجروا بيوتهم فهذه تضاف إلى قوائم الجرائم التي ترتكبها تلك الجماعة من الناس".

وكما هو واضح فإن جابر اعتبر أن كل الشائعات التي أثيرت من قبل الجهات الأمنية والمعادية للإسلاميين حول اعتصامي رابعة والنهضة حقائق ومسلمات لا جدال حولها فأوردها بمقاله دون نظر أو تعليق أو حتى الإيهام باحتمالية صحتها أو خطئها وذلك ليحقق الهدف والمراد من مقاله حيث استعداء الأجهزة الأمنية ضد الإخوان والإسلاميين فيقول "ولكن السؤال: من هو المسئول عن فرض النظام العام وتوقيف كل من يخالفه ومحاكمته؟! .. أين الحكومة وأين الداخلية وأين رئيس الجمهورية المؤقت؟ ثم أين الجيش الذى طالب رئيس المؤسسة من الجماهير المصرية النزول في 26/7/2013 وحسب التقارير الواردة والرسمية فإن أعداد الذين نزلوا تتراوح من 30 إلى 32 مليون مصري من أجل تفويض الجيش".

ثم يحاول جابر أن يبدو وكأنه يهدد الفريق عبد الفتاح السيسي الذي حصل على تفويض الشعب ذلك لأنه لم يتحرك كما يريد لفض اعتصامي رابعة والنهضة فيقول "وأقول للجميع من أصحاب المسئولية إن الشعوب لا توقع على بياض.. وإن التفويض الذى منحكم إياه الشعب في 26/7 يمكن أن يسحب منكم في أي وقت".

والموقف الذي تبناه جابر هو بالأساس موقف أستاذه وقائده الدكتور أحمد راسم النفيس، ففي "تويتة" له يوم 30/8 /2013 على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" يقول: "اقتراح مضمون يعيد مرسي إلى الكرسي: الجيش الإخواني الحر يضرب متظاهرين بالكيماوي وينادي وااا أوباماه واااااا أطلسياه والباقي معلوم...." وهي محاولة للسخرية من الإخوان المسلمين فضلا عن اتهامهم بالعمالة لأمريكا وحلف الناتو.

ولم يكتف الدكتور النفيس في توثيق موقفه من الإخوان بتعليقاته على حساباته أو مقالاته التي ينشرها في عدد من الصحف المصرية بل امتد ذلك إلى أن كتب كتابا صدر في شهر سبتمبر الماضي تحت عنوان "الإخوان المسلمون.. شعب الله المختار" اتهم فيه الإخوان بشكل صريح بأنهم يعتبرون أنفسهم أصحاب الحقيقة مستندا في ذلك إلى أقوال ومواقف مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا ومنها قوله: "نحن أيها الناس ولا فخر أصحاب رسول الله وحملة رايته من بعده ورافعو لوائه كما رفعوه وناشرو لوائه كما نشروه، وحاملو قرآنه كما حملوه ورحمة الله للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين" وهو ما علق عليه النفيس بقوله "إن الإخوان يرون ما عداهم من الأغيار ليس لهم حق إلا ما يقرره شعب الله المختار".

وفي تصريح له يوم 23/11/2013 أكد النفيس أن جماعة الإخوان جماعة إرهابية محظورة لأنهم هم من أسسوا ثقافة العنف والإرهاب والقتل والخراب.

وفي حوار آخر قال النفيس إن الإخوان المسلمين لا يمتلكون مشروعا فكريا أو سياسيا من الأساس وإن مشروعهم هو الوصول لسدة الحكم فقط وأنهم يعتبرون أنفسهم فقط المسلمين وغيرهم  كفار، مستبعدا إمكانية إقامة دوله خلافة الإسلامية.

ولا يخرج السيد الطاهر الهاشمي أحد قيادات الشيعة عن نفس الإطار فيقول في تصريح له إن تيار الإخوان والسلفيين بحكم جهله ورؤيته التكفيرية مستعد – بل ومتعطش - لسفك دم كل من يخالفه الرأي وهو أيضًا لا يخلُ من أجندة تابعة للكيان الصهيوني.

وفي حوار له وردا على سؤال حول رؤيته لحال ومستقبل الشيعة في مصر بعد رحيل الإخوان المسلمين؟ .. قال "لن يكون هناك أسوأ من أيام حكم الإخوان لمصر بشكل عام وللشيعة بشكل خاص لأن في عهده كان هناك تحريض واضح وصريح على قتل الشيعة واستهدافهم وبل قاموا بصياغة دستور يجعل من يقتل مواطنا مصريا شيعيا لا يُحاكم أو يأخذ له بالقصاص فالشيعة لن يروا أسوأ من الإخوان إلا إذا حكم السلفيون مصر فوقتها سترى الدماء في شوارع مصر ليس للشيعة فقط ولكن لكل من يعارضهم".

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: