سطور من الذاكرة\العدد مائة وثمانية وعشرون - صفر - 1435 هـ
الوجه الآخر 1- الوجه الآخر
الأربعاء 4 ديسمبر 2013

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

[سلسلة تتناول شخصيات شيعية معاصرة إلتبست حقيقتها على أهل السنة، فتكشف عن المجهول من معتقدها وفكرها، ونظرتها إلى السنة وأهلها].

 

خاص بالراصد

يُعتبر المرجع الشيعي اللبناني محمد حسين فضل الله مِن أكثر الشخصيات الشيعية المعاصرة التي الْتبست حقيقتها على أهل السنة، ذلك أن الإعلام، على اختلاف توجهاته، دأب على تقديم فضل الله بوصفه مرجعا عربيا معتدلا ومنفتحا، ومشكّكا في بعض الخرافات الشيعية التي تعيق الوحدة مع أهل السنة، ورافضا لولاية الفقيه الإيراني.

وفي هذه الحلقة اقتراب أكثر من شخصية فضل الله، ودراسة لتوجهاته ومدى التزامه بعقيدته الشيعية ونظرته إلى مذهب أهل السنة، وحقيقة ما يوصف به من أنه مع الوحدة الإسلامية والتقارب مع السنة.   

أولا: حياته ونشأته

ولد محمد حسين فضل الله في مدينة النجف بالعراق العام 1354هـ (1935م)؛ حيث مكث والده عبدالرؤوف فضل الله هناك مدةً تقارب الثلاثين عاماً، للدراسة والتدريس. وفي النجف درس الابن على يد أبي القاسم الخوئي، ومحسن الحكيم (وهو خال والدته)، ومحمد باقر الصدر، وعمل مع هذا الأخير على إنشاء حزب الدعوة.

وفي سنة 1966 عاد فضل الله إلى لبنان للاستقرار فيه، وأسس هناك (المعهد الشرعي الإسلامي) في منطقة النبعة في العاصمة بيروت، والذي كان منطلق حركته ونشاطه. كما أسس بعد ذلك العديد من الحوزات والمؤسسات الاجتماعية، والثقافية، والإعلامية([1]).

ثانيا: توجهاته ونشاطه

كان لفضل الله نشاط قوي في أوساط الشباب الشيعي في بيروت بوجه خاص. وهو يعد الأب الروحي لحزب الله، رغم أنه لم يتسلم فيه موقعا قياديا أو يرتبط به بعلاقة تنظيمية([2])، وقد استطاع خلال وجوده في لبنان أن يكوّن قاعدة من الأتباع والمقلدين امتدت إلى خارج لبنان، ساعده في ذلك النشاط الفكري والإعلامي الكبير الذي قام به، وامتد حوالي أربعة عقود عبر الخطب والمحاضرات والكتب والمجلات والصحف، إضافة إلى نشاطه السياسي وقدرته على بناء قاعدة حزبية عريضة، وتربية كوادر قيادية في (حزب الدعوة الإسلامية) و(حزب الله).

ومنها كذلك: الموقع الاستراتيجي في لبنان، والذي أعطاه القدرة على الحركة والعمل والامتداد إلى مناطق الثروة الشيعية كالخليج والقدرة على جمع المال (الخمس والزكاة) من المريدين، وتمويل المشاريع الخيرية والمؤسسات الثقافية، وما إلى ذلك([3]).

وقد توفي فضل الله في 4/7/2010م.

ثالثا: الصورة الدارجة عنه

وتتلخص في:

1-  الاعتدال، والانفتاح على مذهب أهل السنة.

2-  رفضه للعديد من الخرافات الشيعية، مثل الشهادة الثالثة في الأذان، وتشكيكه في كسر الفاروق عمر رضي الله عنه لضلع فاطمة الزهراء.

3-  رفضه لولاية الفقيه الإيراني.

رابعا: وجهه الآخر

عند التمحيص في كتابات فضل الله وفتاواه يتضح أن ثمة بوناً شاسعاً بين الصورة الدارجة عنه وبين حقيقته، كما يتضح ذلك في:

نظرته إلى أهل السنة ومذهبهم

ففضل الله لا يعتبر مذاهب أهل السنة مساوية لمذهبه الشيعي، بل لا يعتبرها على حق، فقد سئل السؤال التالي: هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟

فأجاب: "لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة"([4]).

وفي موضع آخر يَعتبر فضل الله التشيعَ الحقَّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في حين يعتبر مذهب أهل السنة اجتهادات ووجهات نظر، كما يتضح ذلك من إجابته على السؤال التالي:

تقولون - وبحسب عقيدتنا الإمامية - إن نسبة الشيعة إلى المذهب الجعفري غير دقيقة، فكيف تفسرون ذلك؟

وبالرغم من طول الإجابة إلاّ أننا نضعها أمام القارئ الكريم لخطورتها. يجيب فضل الله على ذلك بقوله:

"تعرفون أن هناك مذهبا شافعيا وحنبليا ومالكيا وحنفيا، ويقولون أيضا عن المسلمين الشيعة إنهم ينسبون إلى المذهب الجعفري. وبحسب عقيدتنا نحن الشيعة الإمامية أن الأئمة من أهل البيت (ع) ليسوا مجتهدين كبقية المجتهدين. فأبو حنيفة مثلاً - حتى عند من يقلده ويتبعه- يُصيب ويخطئ. وكذلك ابن حنبل وغيرهما، وبعض المسلمين من غيرهما من المجتهدين يقلدونهم – كما نقلد نحن السيد الخوئي (قده)- فأئمة المذاهب يقلّدهم من يرى أنهم مجتهدون، أما نحن عندما نتبع أئمة أهل البيت (ع) إنما نفعل ذلك لاعتقادنا بعصمتهم وأنهم لا يُخطئون أبداً، ولذا فإنهم (ع) ليسوا أصحاب مذهب، فمذهب أبي حنيفة يسمى وجهة نظر.

ولكن مذهب الإمام الصادق (ع) ليس وجهة نظر يمكن أن تخطئ ويمكن أن تصيب، بل هي على صواب دائماً فهو يقول (ع): "حديثي حديث أبي([5])، وحديث أبي حديث جدي([6])، وحديث جدي حديث الحسين([7])، وحديث الحسين حديث الحسن([8])، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين([9])، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله عن قول الله عز وجل".

فنحن عندما نستمع الى رأي الإمام الصادق (ع) في مسألة ما، فكأننا نستمع الى رأي رسول الله (ص) الذي لا يُخطيء مطلقاً.

ولذلك ليس مذهب الشيعة مذهباً اجتهادياً يخضع كغيره للصواب والخطأ، بل هو مذهب الإسلام الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)([10]) في المصادر الأصيلة الثابتة – بشكل موثق- عن الأئمة (ع)"([11]).

 

موقفه من ولاية الفقيه

لا يكاد موقفه من ولاية الفقيه الإيراني تختلف عمّا سطره الخميني وغيره من علماء الشيعة، من حيث إعطاء الفقيه السلطات الواسعة، ومساواته بالأنبياء، وجعله فوق الشريعة والقانون، إذ يقول فضل الله: "إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي للأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فالإمام هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم"([12]).

ويقول في موضع آخر: "فالواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها؛ وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية من انتخاب الناس له، وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيره من المؤسسات الدستورية في الدولة"([13]).

كسر ضلع الزهراء

وملخص هذه القضية أن الشيعة يزعمون أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكسر ضلعها، وأسقط جنينها، ويستغل الشيعة هذه الفرية لتوجيه مزيد من الكره واللعن للفاروق رضي الله عنه. وعند النظر في موقف فضل الله من هذه الفرية لا نجده ينكرها، بل يقول حولها كلاما ملتبسا يهدف إلى دغدغة عواطف السنة، إضافة إلى استمراره في النهج الشيعي في الإساءة إلى عمر رضي الله عنه كما يتضح ذلك من قوله:

"أنا من الأساس لم أقل: إنه (أي عمر) لم يكسر ضلع الزهراء عليها السلام، وكُلُّ من ينسب إليَّ ذلك فهو كاذب، أنا استبعدت الموضوع استبعاداً، رسمت علامة استفهام على أساس التحليل التاريخي، قلت: أنا لا أتفاعل مع هذا؛ لأن محبة المسلمين للزهراء عليها السلام كانت أكثر من محبتهم لعلي وأكثر من محبتهم للحسن والحسين، وفوقها محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: إنه من المستبعد أن يُقْدِمَ أحدٌ على فعل ذلك، مع الإقرارِ بوجودِ نوايا سَيِّئة ومُبيَّتة، ليس لبراءة فلانٍ من الناس، بل خوفاً من أن يهيج الرأي العام الإسلامي، وفي هذا المجال هناك روايات مختلفة، فبعضهم يقول: دخلوا المنزل، والبعض الآخر يقول: لم يدخلوا، فقلت: أنا أستبعد ذلك ولا أتفاعل مع الكلمة نفسها"([14]).

 

مقام أبي لؤلؤة

حاول فضل الله إيجاد أعذار للحكومة الإيرانية في إبقائها على مقام أبي لؤلؤة المجوسي (قاتل الفاروق عمر) في إيران، كما لم يخلُ كلامه من لمز عمر والطعن فيه، إذ يقول:

"نحن نرفض أن يكون لأبي لؤلؤة مقام أو مشهد، لأنه لا يمثل قيمة إسلامية تفرض على المسلمين أن يقدروه وأن يحترموه. أما مسألة اغتياله للخليفة عمر بن الخطاب فإنه لا يمثل مسألة فقهية إيجابية في هذا المقام، بل قد يمثل مسألة سلبية ... نحن تحدثنا مع بعض المسؤولين في إيران لأن هذا يمثل مسألة سلبية في نظرة العالم السني إلى الجمهورية الإيرانية .. نحن ندعو الجمهورية الإيرانية بقيادتها الكبيرة أن تزيل هذا الموقع كجزء أو كلون من ألوان التوفيق بين المسلمين جميعا، ولكننا نعرف أن بعض المشاكل الداخلية العاطفية الانفعالية المتعصبة قد تمنع القيادات الإسلامية الإيرانية من القيام بذلك"([15]).

 

الشهادة الثالثة

وتعني قول "أشهد أنَّ عليّاً وليّ الله" في الأذان والإقامة. وبالرغم من رفض فضل الله لإضافة هذه العبارة في الأذان لأنها لم تكن عند الشيعة الأقدمين، إلاّ أنه يعتبر أن ولاية علي من "العقائد الحقة"، ثم يكيل الاتهامات إلى الصحابة معتبرا أنهم نازعوا عليا في الإمامة، وغصبوا حقه فيها، كما في قوله:

"الشهادة لمولانا أمير المؤمنين (ع) بالولاية هي من العقائد الحقّة، لكن لم يرد ذكرها في فصول الأذان والإقامة في النصوص الواردة عن النبي (ص) وآله الأطهار (ع)، كما أنه لم يرد ذكرها في كتب قدامى الفقهاء، بل ورد عند بعضهم، كالشيخ الصدوق (ره)، النهي عن قولها في الأذان والإقامة، لأنها من صنع الغلاة والمفوضة حسب كلامه.

وعلى هذا الأساس، رفضنا إضافة "الشهادة الثالثة"، رغم اعتقادنا الجازم بإمامة علي(ع)، وكونه الوصي المنصوص عليه من النبي (ص) بالخلافة والوصاية والإمامة بعده دون فصل، وبأن من نازعه في ذلك هو غاصب لحقه عمداً وظلماً وإصراراً على مخالفة ما يعلمه من وصية النبي (ص) حقاً"([16]).

 

موقفه من الإمامة والرجعة والمهدي

لا يختلف موقف فضل الله من الإمامة عن موقف بقية الشيعة الإثنى عشرية، وكذلك موقفه من عقائد الشيعة الأخرى كالمهدي والرجعة والعصمة، وعندما حاول الباحث الشيعي أحمد الكاتب الإشادة بأفكار فضل الله (الإصلاحية) الجريئة والجديدة، ومراجعته للتراث الشيعي، تصدى له مكتب فضل الله وفنّد ما ذهب إليه الكاتب، معتبرا أن ما ورد في مقاله مغالطات ينم عن عدم معرفة ودراية أكيدة بفكر فضل الله.

وذكر القائمون على مكتب فضل الله أنه يعتبر الشهادة الثالثة من حقائق الإيمان والتشيع، وأن العصمة ثابتة ولا نقاش فيها، وكذلك عقيدة الشيعة في المهدي من المسلمات التي لا نقاش فيها، وأما الرجعة فالكلام حولها في التفاصيل وليس في المبدأ، أما مسألة البداء فاعتراضه هو على التسمية([17]).

 



[1] - الموقع الرسمي لفضل الله على شبكة الإنترنت (بيّنات).

[2] - انظر المزيد: التجمعات الشيعية في بلاد الشام، أسامة شحادة وهيثم الكسواني، ص 65 – 68.

[3] - مقال: "السيد محمد حسين فضل الله يقود ثورة ثقافية ويشكو من الإرهاب الفكري"، أحمد الكاتب، صحيفة الحياة بتاريخ 25/1/1999.

[4] - مسائل عقدية، ص 110.

[5] - أي محمد الباقر، الذي يعتبره الشيعة خامس أئمتهم المعصومين.

[6] - أي علي بن الحسين زين العابدين، الذي يعتبره الشيعة رابع أئمتهم المعصومين.

[7] - الحسين بن علي رضي الله عنهما، الذي يعتبره الشيعة ثالث أئمتهم المعصومين.

[8] - الحسن بن علي رضي الله عنهما، الذي يعتبره الشيعة ثاني أئمتهم المعصومين.

[9] - أي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي يعتبره الشيعة أول أئمتهم المعصومين.

[10] - سورة فصلت: 42.

[11] -  فقه الحياة، ص 278، 279.

[12] - حقيقة المقاومة ص 61،  نقلا عن: ولاية الفقيه، ص 55.

[13] - حقيقة المقاومة ص 61، 62، نقلا عن: ولاية الفقيه، ص 24.

 

[14] - كتاب الزهراء المعصومة، أنموذج المرأة العالمية" محمد حسين فضل الله ص 55.

 

 

[15] -  كتاب "التقارب السني الشيعي، بين حق الاختلاف ودعوى امتلاك الحقيقة"، ص 183.

[16] - موقع بيّنات.

[17] - مقال: "السيد محمد حسين فضل الله يقود ثورة ثقافية ويشكو من الإرهاب الفكري"، وردّ مكتب فضل الله على المقال.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: