فرق ومذاهب\العدد مائة وسبعة وعشرون - محرم - 1435 هـ
سلسلة رموز الإصلاح 19– العلامة محمد حامد الفقي (1310/ 1378هـ - 1892/ 1959م)
الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

 

 

 أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

تمهيد:

العلامة محمد حامد الفقي هو مؤسس جماعة أنصار السنة النبوية بمصر وهو العالم المحقق لتراث أئمة السلف، والمجاهد والمصلح والساعي لنهضة هذه الأمة، وأحد أئمة الحرم المكي برهة من الزمن، والعجيب أنه لم يحظ بترجمة وافية رغم أنه من المعاصرين، وأسس جماعة كبيرة لا تزال قائمة ونشيطة، ولكن هناك تقصير منها في حق رموزها وعلمائها أتمنى أن تتلافها الجماعة بأسرع وقت، ورغم البحث والتفتيش لم أعثر للفقي على صورة شخصية، وهذا من تقصير أبناء جيلنا بحق روادنا، والله المستعان.

مولده ونشأته:

ولد محمد حامد (وهو اسم مركب) الفقي بقرية نكلا العنب سنة 1310هـ / 1892م بمركز شبرا خيت بمديرية البحيرة في مصر، وكانت أسرته متدينة متعلمة فوالده الشيخ سيد أحمد عبده الفقي ممن درس بالأزهر ولكنه لم يكمل دراسته، وهو من زملاء الأستاذ محمد عبده، بل سكن وإياه في غرفة واحدة، وكانت والدته الوحيدة في القرية التي تحفظ القرآن وتجيد القراءة والكتابة، وكان له إخوة درسهم أبوه في الأزهر، بدأ الفقي بحفظ القرآن على والده، وختمه وهو ابن اثني عشر عامًا والذي علمه مبادئ الفقه أيضاً بحيث تهيأ للدراسة بالأزهر.

الدراسة بالأزهر:

كان والده قد وجه أولاده ليدرس كل واحد منهم مذهبًا فقهياً، فجعل الابن الأكبر مالكيًا، وجعل الثاني حنفيًا، والثالث شافعيًا، وأراد أن يدرّس الرابع وهو الشيخ محمد حامد الفقي المذهب الحنبلي، لكن الأزهر قبله في رواق الحنفية فدرس المذهب الحنفى.

التحق بالأزهر في عام 1322هـ - 1904م، وعلى طريقة الأزهر في ذلك الوقت، درس كتاب مراقي الفلاح في الفقه، وكتاب الكفراوي في علم النحو، وطريقتهم هي أنه متى اتقن الطالب فهم الكتاب انتقل منه لغيره، وهكذا انتقل في سنته الثانية لدرس كتاب الشيخ خالد في النحو وكتاب ملا مسكين في الفقه، ثم في السنة الثالثة، درس علم المنطق وفي الرابعة درس علم التوحيد ثم درس في الخامسة مع النحو والفقه علم الصرف وفي السادسة درس علوم البلاغة ودراسة الحديث والتفسير.

وقد نشأ الفقي كغالب طلبة الأزهر على عقيدة المتكلمين وانغمس في الطرق الصوفية، يقول الفقي: "ولقد كنت في حياتي الأولى سالكاً مع السالكين، وملبسا مع الملبسين، ومخرفاً مع المخرفين، وداعية إلى البدعة والجاهلية، وعبادة الموتى والخشب والنصب مع الداعين".

حتى قيض الله عز وجل فلاحا بسيطا ينير له الطريق، وذلك في قصة مؤثرة بليغة يرويها لنا الشيخ حماد الأنصاري أحد تلاميذ الفقي في مكة المكرمة.

تعرف الفقي على منهج السلف والتوحيد:

يحكي الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله: "اجتمعتُ معه عام 1367هـ، جئته وهو يدرّس "تفسير ابن كثير" عند باب علي بالمسجد الحرام، وكان عمري لا يتعدى الثانية والعشرين، وبعدمـا انتهى الدرس وصلّينا العشـاء، قلت للشيخ: يا شيخ أنا عندي سؤال؟ كيفَ صرتَ موحداً وأنت درست في الأزهر (وأنا أريدُ أن أستفيد والناس يسمعون).

فقال: والله إن سؤالك وجيه، أنا درست في الأزهر، ودرست عقيدة المتكلمين التي يدرسونها، ثم ذهبت إلى بلدي لكي يفرحوا بنجاحي، وفي الطريق مررت على فلاح، ولما وصلت عنده، قال: يا ولدي اجلس على الدكّة .. وكان عندهُ دكة إذا انتهى من العمل يجلس عليها، وجلست على الدكة وهو يشتغل، ووجدت بجانبي على طرفِ الدكة كتاب، فأخذت الكتاب ونظرت إليه ... فإذا هو كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" لابن القيم؛ فأخذت الكتاب أتسلى به، ولما رآني أخذت الكتاب وبدأت أقرأ فيه .. تأخر عني ... آخذ فكرة عن الكتاب، وبعد فترة من الوقت جاء وقال: السلام عليكم يا ولدي، كيف حالك؟ ومن أين جئت؟ فأجبته عن سؤاله، فقال لي: والله أنت شاطر، لأنك تدرجت في طلب العلم حتى توصلت إلى هذه المرحلة؛ ولكن يا ولدي أنا عندي وصية.

فقلتُ: ما هي؟

قال الفلاّح: أنت عندك شهادة تعيشك في كل الدنيا في أوربا في أمريكا، في أي مكان، ولكنها ما علمتك الشيء الذي يجب أن تتعلمه أولاً.

قلتُ: ما هو؟!

قال: ما علمتك التوحيد!

قُلتُ لهُ: التوحيد!!

قال الفلاّح: توحيد السلف.

قلتُ لهُ: وما هو توحيد السلف؟!!

قال لهُ: انظر كيف عرف الفلاّح الذي أمامَك توحيد السلف، هذه هي الكتب: كتاب "السنة" للإمام أحمد الكبير، وكتاب "السنة" للإمام أحمد الصغير، وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "اعتقاد أهل السنة" للحافظ اللالكائي، وعد له كثيراً من كتب التوحيد، وذكر الفلاح كتب التوحيد للمتأخرين، وبعد ذلك كتب شيخ الإســلام ابن تيمية وابن القِّيم.

وقال: أنا أدلك على هذه الكتب إذا وصلت إلى قريتك ورأوك وفرحوا بنجاحك، لا تتأخر ارجع رأساً إلى القاهرة، ادخل (دار الكتب المصرية) ستجد كل هذه الكتب التي ذكرتُها كلها فيها، ولكنها مكدّسٌ عليها الغبار، وأنا أريدك تنفض ما عليها من الغبار وتنشرها". باختصار من المجموع للشيخ حماد الأنصـاري (1/294-297).

وفعلا عاد الفقي للقاهرة وبحث عن هذه الكتب ونفض عنها الغبار وطالعها وآمن بما فيها من الحق، وكان الفقي محباً للقراءة يعكف الساعات الطوال على الكتب ينهل منها ويتعلم، فعكف على كتب التفسير والحديث ينهل من علومها ودررها، واستفاد كثيرا بمطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وأصبح ينشر هذه الكتب فيما بعد بالتحقيق والطباعة والتعليم والدعوة والكتابة، وكان هذا الفلاح من تلاميذ الشيخ محمد عبدالحليم الرمالي، خريج الأزهر والذي كان من دعاة التوحيد والسنة وأسس جماعة الاعتصام بهدي الإسلام سنة 1921م بدمياط، وقد توثقت الصله بينه وبين الشيخ الفقي، وأصبح يرأس هيئة علماء أنصار السنة المحمدية التي تكونت سنة 1356هـ/ 1936م.

وقد فتحت هذه الكتب للفقي الباب للتعرف والتعلم على يد أعلام السلفية في عصره بجوار دراسته الأزهرية، فقد استفاد الفقي من السيد رشيد رضا والأستاذ محب الدين الخطيب خاصة، وكان يكرر دوما لمن يحدثهم "أستاذنا رشيد رضا"، وأيضاً عمل الفقي بالمكتبة السلفية التي أسسها محب الدين الخطيب، واستفاد منها كثيراً، ويتضح هذا من مقارنة مجلته الأولى "الإصلاح" في مكة بمجلة المنار لرشيد رضا حيث صدرها بتفسير القرآن، وكان ينقل بعض مقالات الفتح وأخبارها ويعزو إليها، وأشاد في مجلة الإصلاح بتأسيس جمعية الشبان المسلمين التي كان محب الدين فاعلاً فيها وأمين سرها، وحين توقفت المنار بوفاة رشيد رضا سنة 1356هـ/ 1935م، أنشأ الفقي مجلة الهدي الإسلامي، وأكمل مقالات تفسير القرآن من حيث انتهى رضا.

وقد بدأ الفقي في هذه المرحلة بالتعرف على حملة منهج السلف في مصر ونسج العلاقات والصداقات التي ستستمر حتى الموت، ومن أهم هؤلاء طلبة مدرسة الدعوة والإرشاد التي أسسها رشيد رضا، والذين سيصبح أكثرهم من رموز جماعة أنصار السنة المحمدية لاحقاً، ومن هذه العلاقات تعرفه على السفير الأول للملك عبد العزيز بن سعود في مصر، الشيخ فوزان الفوزان، يقول الفقي في مجلة الهدي النبوي: "تعرفت عليه بواسطة أخي في الله الشيخ محمد ملوخية المدني في عام 1328هـ، إذ كنت طالبًا في الأزهر وكنا نذهب إليه كل يوم جمعة، فنصلي معه الجمعة، ثم يكرمنا بواجب الضيافة، ثم بعد ذلك يزودنا بالمعلومات والكتب العلمية"، وقد توثقت العلاقة بينهما ولم تنقطع أبدأ بل نجد الشيخ الفوزان يوصي عند وفاته في القاهرة عام 1373هـ  بأن يتولى الشيخ حامد الفقي غسله وتكفينه والصلاة عليه.

وبواسطة الفوزان تعرف الفقي على علماء السعودية ووجهائها من آل الشيخ وغيرهم الذين كانوا يزورون مصر، ومن ثم تعرف على الملك عبد العزيز نفسه، ولعل ذهابه للسعودية لاحقاً كان بسبب الفوزان.

وهكذا انتقل الفقي من عالم المتكلمين والتصوف لأنوار الوحي من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ثم بدأ ينصح لأصدقائه ومعارفه، فالتف حوله عدد من الأصدقاء والزملاء وجعلوه شيخاً لهم رغم أن سنه لم يتجاوزعندها ثمانية عشر عامًا، وكان ذلك سنة 1910م بعد أن أمضى ست سنوات من دراسته بالأزهر، وبقي على هذا المنوال حتى تخرج من الأزهر عام 1917م، وكان عمره عندها 25 سنة، ومن شيوخه بالأزهر والذين لهم مشرب إصلاحي: شيخ الأزهر مصطفى المراغي، والشيخ علي سرور الزنكلوني، والشيخ الشرشابي.

الفقي والدعوة للتوحيد:

كان الفقي إنساناً إيجابياً اختار أن يسير على منهج الأنبياء بالدعوة والإصلاح بعد تخرجه من الأزهر، يقول الفقي: "وكان من حق هذه النعمة وأداء شكرها، أن أقف حياتي لإرشاد الضال وهداية التائه، وإزالة الحجب عن القلوب، وإظهار الحق للناس قدر طاقتي في ثوبه الجميل، وبيان مكائد شياطين الجن والإنس التي كادوا بها للإسلام وأهله، حتى يحذرها إخواني من المسلمين كما حذرتها".

فانطلق يدعو في المساجد والمقاهي للتوحيد، فقد عين إماماً وخطيباً لمسجد شركس ثم مسجد هدارة بمنطقة عابدين بالقاهرة، فبث من على منبريهما دعوة التوحيد والسنة، وأيضاً كان يذهب للمقاهي التي كانت أماكن تجمع للمتعلمين وغيرهم، فكان يحدثهم عن الإسلام وعقيدته، وكان له درس مع زملائه في قهوة علي قاسم، ولما كان الفقي خطيباً مفوها يشد سامعيه وعالماً موفقاً فقد وفقه الله والتف حوله عدد من الناس يتعلمون عليه الإسلام وبقي معهم يواجه البدع والخرافات والجهالات.

يقول الشيخ أبو الوفاء درويش: "كان يفسر آيات الكتاب العزيز فيتغلغل في أعماقها ويستخرج منها درر المعاني، ويشبعها بحثًا وفهمًا واستنباطًا، ويوضح ما فيها من الأسرار العميقة والإشارات الدقيقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة. ولا يترك كلمة لقائل بعده. بعد أن يحيط القارئ أو السامع علما بالفقه اللغوي للكلمات وأصولها وتاريخ استعمالها فيكون الفهم أتم والعلم أكمل وأشمل".

والشيخ الفقي بنشاطه هذا انتقل بالدعوة السلفية خطوة للأمام في المجتمع المصري، فقط كانت السلفية موجودة بين العلماء والدعاة والمفكرين في الأزهر وفي الجمعيات والمجلات، ولكن الفقي نزل بها للشارع وللناس البسطاء في المساجد، وقد جرّ عليه هذا مشاكل كثيرة لكنه صبر عليها وصمد في وجهها بتوفيق الله، حتى استطاع مع لفيف من إخوانه بعد 10 سنوات من تخرجه من الأزهر والدعوة الفردية تكوين جماعة أنصار السنة المحمدية.

وأيضاً في هذه المرحلة كان له مساهمة إعلامية بنشر بعض المقالات في الصحف والمجلات، مثل مقالاته بمجلة الفتح سنة 1345هـ/ 1926م رداً على طه حسين وأعوانه ودفاعاً عن القرآن الكريم، وتوطدت علاقاته بعلماء وشيوخ الأزهر، فحين وقع خلاف بين الشيخ رشيد رضا وبين الشيخ يوسف الدجوي الصوفي الذي هاجم بشكل شخصي رضا في مجلة (نور الإسلام) التابعة للأزهر سنة 1351هـ، وجرت معاتبات ووساطات للإصلاح بينهما كان رسول مفتي مصر الشيخ عبد المجيد سليم لرشيد رضا هو الشيخ حامد الفقي، مما يدل على مقدار حضوره بين هؤلاء العلماء الكبار. 

تأسيس جماعة أنصار السنة المحمدية:

بقي الفقي مجتهدا في الدعوة إلى التوحيد والسنة في كل مكان ينزل فيه، فعقب تخرجه من الجامعة أصبح إماماً لمسجد شركس ومسجد الهدارة في منطقة عابدين، فاجتهد على نشر الدعوة وتعليم الناس وإرشادهم، ولقي في سبيل ذلك الكثير من العقبات والمعيقات لكنه ظل ثابتاً على مبادئه السنية، حتى تيسر له في سنة 1926م تأسيس جماعة أنصار السنة المحمدية، في منطقة عابدين بالقاهرة بمعونة عدد من زملائه وإخوانه.

والذي دعا الفقي لهذا القرار استشرافه لمستقبل الدعوة، وأنها إن بقيت مرتبطة بشخصه فهذا سيحد من انتشارها، وخاصة بعد أن أوقف الشيخ عن الدعوة بمسجد الهدارة بسبب وشاية الحاسدين والمغرضين من أصحاب البدع والضلالات، حيث أيقن ضرورة تكوين جماعة تحمل الدعوة، وذلك بعد أن كثر عدد أتباعه، وأصبح أصحاب البدع مستائين من دعوته، فرأى أن ينتقلوا لمكان خاص بهم، لا يمكن منعهم منه ابتعادا عن ضوضاء المقاهي التي ضاقت بهم، ويبدو أن الشيخ الفوزان، سفير السعودية، شجع على هذه الفكرة، فها هو الفقي يقول: "ففي داره وبيده غرست أنصار السنة، وفي داره وبيده ترعرعت أنصار السنة، حتى كانت يوم موته - رحمه الله - قرة لعينه".

وفعلاً استأجر الفقي دارًا بمنطقة عابدين قرب قصر الملك، ويحدثنا الشيخ محمد القاضي عن نشأة الجماعة سنة 1926م فيقول: "صليت الجمعة في أقرب مسجد وهو جامع شركس، فإذا بإمام طلق اللسان قوي الحجة واسع الاطلاع، يقول كلاماً لم أعهده من قبل في خطباء المساجد، فكأن كلامه السهم ينفذ إلى القلب، فأعجبت به ولم أنقطع عن صلاة من الصلوات ولا درس من الدروس.

وفي هذه المدة رأيت بعضهم يقفون أمام المسجد بعد صلاة العشاء، ويتحدثون في أمر إنشاء جمعية، فكانت فكرة طيبة قوبلت بالسرور، ثم خطوا بعد ذلك خطوة أخرى وأنشئت الدار في ديسمبر 1926 ففرح الكل بذلك فرحاً عظيماً واعتبروها نصراً من الله الذي ينصر من يشاء".

ويرى بعض الباحثين أن الفقي اختار هذا الاسم للجماعة تأثراً برشيد رضا الذي كان يستخدم هذه العبارة، وبدأ الشيخ مع إخوانه بالدعوة من خلال أنصار السنة المحمدية، ولكن تأسيس الجماعة لم يوقف المكائد ضده وضد دعوته، بل حاول بعض كبار موظفي قصر عابدين تحريض الناس ضده، ووصل الحال بهم لإغراء أحد السذج لقتله، ولكن الله نجاه!

وقد كانت الخطوة إضافة جديدة للدعوة السلفية في مصر حيث أنها جمعت شمل كثير من دعاة السنة والتوحيد بمصر سواء كانوا قد أسسوا جمعية خاصة أو لهم نشاط فردي، فبعد تأسيس دار أنصار السنة انضم إليها بقية الدعاة وأصبح مقر عابدين المركز العام.

ففي خارج القاهرة تأسس فرع دمياط والذي كان بالأصل جمعية الاعتصام بهدي القرآن التي أسسها الشيخ محمد الرمالي، وفرع الإسكندرية الذي أسسه الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وفرع سوهاج الذي أسسه الأستاذ أبو الوفاء درويش، وفرع الحوامدية الذي أسسه الشيخ محمد أحمد عبدالسلام.

ولكن بعد سنتين انتقل الشيخ للسعودية حيث عهد إليه برئاسة إدارة النشر بمكة المكرمة، مما أدخل الجماعة في مرحلة من الركود.

الفقي في الحجاز: 

هناك في الحجاز وعلى قلة بقائه إذ لم يمكث سوى ثلاث سنوات تقريباً، إلا أنه ترك بصمة قوية لا تزال لليوم آثارها في السعودية يكفي منها قول العلامة محمد صالح بن عثيمين عن الفقي: "أستاذنا"، وكانت إقامته هناك سببا لتوسيع دائرة علاقاته بعلماء المملكة ومن هؤلاء مثلاً: الشيخ السعدي الذي استمرت العلاقة بينهما مدة طويلة، يقول الفقي بهذا الصدد في مقاله (عرفت الشيخ السعدي) في رثائه له: "لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة فعرفت فيه العالم السلفي المحقق، الذي يبحث عن الدليل الصادق، وينقب عن البرهان الوثيق، فيمشى وراءه لا يلوي على شيء"، وقد كان بينهما مراسلات بلغت 50 رسالة.

قام الفقي في الحجاز بعدد من الأنشطة الدعوية والإصلاحية، منها إنشاؤه أول مجلة إصلاحية نصف شهرية في العهد السعودي وهي مجلة "الإصلاح" سنة 1347هـ والتي رفعت شعار (صحيفة دينية علمية اجتماعية أخلاقية)، ورغم أنها لم تعمر سوى سنة ونصف تقريباً إلا أنها تركت أثراً كبيرا على المجتمع السعودي آنذاك، واستقبلها العلماء والأمراء بالبشر والترحاب، وقد كان إنشاء المجلة رغبة من الفقي طرحها على الملك عبد العزيز الذي رحب بالفكرة، وقد بين الفقي في افتتاحيته للمجلة أن سبب اقتراحه شعوره بالدور الكبير للصحافة في نشر الإصلاح والدعوة الصحيحة بين الناس، وأهمية ذلك في محاربة الفساد والضلال المنتشر، وأن المجلات القائمة بالإصلاح لا تزال لا تغطي الدور المطلوب من ناحية الانتشار والمهام.

وقد رحب السيد رشيد رضا بصدور المجلة وأثنى عليها في المنار، وهذا يدل على مركزية دور الإعلام في تفكير الفقي الإصلاحي، وقد كان الفقي يكتب أغلب مواد الإصلاح، وشارك في الكتابة عدد من زملائه المصريين كالشيخ عبد الظاهر أبو السمح الذي كان قد سبقه للحجاز وأصبح إماما للحرم المكي، وأيضاً كتب في "الإصلاح" عدد من علماء المملكة وغيرهم.

وأيضاً في الحجاز كان للفقي دروس ومحاضرات في الحرم المكي والمعهد الشرعي بمكة، بل وقد تولى الإمامة في الحرم المكي بعض الوقت بالنيابة عن الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. 

عودته للقاهرة وقيادة جماعة أنصار السنة المحمدية من جديد

بعد سفر الفقي للحجاز ضعف نشاط الجماعة، وتبدل مقرها ثلاث مرات، ولكن بقي أعضاؤها على عهد شيخهم يترقبون أخباره وينتظرون عودته، ولما جاءت بعض النسخ من مجلته "الإصلاح" الحجازية، فرحوا بها جداً وتخاطفوها فيما بينهم، ولما رجع إليهم سنة 1349هـ عاودوا الالتفاف حوله من جديد، ومضوا في دعوتهم للتوحيد والسنة، ويمكن إجمال هذه المسيرة في المحطات التالية:

- تطوير الجماعة وتفعيلها: فبدأ الفقي بالعمل على بعث الجماعة من جديد ووضع لها قانوناً تسير عليه، وتواصل مِن جديد مع دعاة السنة في مصر الذين كان لكل منهم نشاط في ناحيته ومحافظته، وأصبح هذا النشاط ينظم للجماعة كمركز وفرع من فروعها، وأيضاً كانت هناك جولات على المدن والقرى للدعوة وكسب أنصار جدد، مما زاد في عدد أنصار الجماعة، وأصبح مركز عابدين هو المركز العام للجماعة، وتكونت فروع جديدة بالقاهرة وكان أول فرع لها هو فرع القبة ثم فرع الجيزة، ثم فرع مصر الجديدة، وبعد أن كان أعضاؤها نفرا محدودا بلغوا ألف عضو.

- تكوين هيئة علمية للجماعة: حيث قام الفقي بتكوين هيئة شرعية علمية لجماعة أنصار السنة سنة 1356هـ/ 1936م كان على رأسها الشيخ عبد الحليم الرمالي، وضمت في عضويتها: الشيخ أحمد شاكر، الشيخ محمد عبد السلام القباني، الشيخ عبد الوهاب عيسوي، الشيخ محمد محمد مخيمر، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ إبراهيم عبد الباقي، الشيخ محمد حمدي، الشيخ عبد الحميد عبد السلام، والشيخ الفقي.

ومن رقي أخلاق الفقي حفظه للود لشيخه الرمالي الذي كان سبباً في هدايته وتعرفه على التوحيد والسنة، برغم أن الكثيرين قد لا يعرفون الرمالي في ذلك الزمان ولا في هذا الزمان، ولكنه خلق الوفاء والصداقة المخلصة، التي يجب أن يتحلى بها دعاة الحق دوماً.

- تأسيس مجلة الهدي النبوي: وفي سنة 1356هـ (مارس 1936م) صدر العدد الأول من مجلة الهدي النبوي لتكون لسان حال جماعته والمعبرة عن عقيدتها والناطقة بمبادئها، لخص الفقي غرضه الإصلاحى من هذه المجلة فقال في افتاحية العدد الأول: "واعلم أنه لا يعود بالمسلمين سيرتهم الأولى ويرد إلى قلوبهم شجاعتهم وغيرتها إلا تضافر أيدي أولئك النفر الوسط المهتدين وجمع قواهم ونهوضهم إلى انتشال من أجتالتهم  الشياطين والعمل على إظهار محاسن الإسلام.

ولقد أصبح ذلك العمل غير ميسور على وجهه الأكمل إلا بواسطة الصحف التي تنتشر في البلاد وتدخل على كل أمير وعظيم وحقير وكبير وصغير، فإنشاء الصحف الإسلامية بلسان أولئك المصلحين من أنجع الوسائل في هذا الزمان لمعالجة أمراض المسلمين الدينية والأخلاقية،      ولطالما تمنت نفسي أن إصدار صحيفة دينية علمية تضم صوتها إلى صوت المصلحين وتدعو إلى الحق والرشاد والصلاح، ولقد حقق الله الأمنية وهو المستعان، فلقد أخرجت جماعة أنصار السنة المحمدية مجلتها المباركة (الهدي النبوي) لتحقيق ما سبق ذكره من معالجة الأمراض والأدواء التي تنخر جسم المجتمع الإسلامي في هذا العصر والله ولي التوفيق".

وفي نفس الوقت لابد أن نتنبه إلى أن الفقي أراد إكمال مسيرة مجلة المنار التي توقفت بموت رشيد رضا في نفس العام! ويدل على هذا قول الفقي في بداية العام السادس من مجلة الهدي النبوي: "نشر السيد رشيد رضا رحمه الله في العدد الأخير من المجلد (34) من المنار هذا البرنامج الذي وضعه لمجلته الغراء:

تفسير القرآن بطريقة تبين أحقية الإسلام وجماله وكماله وصلاحه لكل زمان.

شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان صحيحه وضعيفه وزائفه.

 دفع الشبهات وحل المشكلات، وذلك يكون في باب الفتاوى.

نقد المطبوعات التى فيها أخطاء علمية أو دينية ضارة.

بيان البدع والخرافات والتقاليد والعادات التى شوهت من جمال الإسلام.

الأدب والأخلاق، لأن أدب النفس واللسان أكبر أنصار الدين على التهذيب وتكوين الأخلاق. أ.هـ

ولمناسبة دخول (الهدي) في عامها السادس رأينا أن ننشر هذا البرنامج، ويظهر أن طريق الإصلاح الحق لكل داع إلى سلوكها واحدة، فقد كانت مجلة المنار هي المثل الأعلى فيما دعا إليه صاحبها رضوان الله عليه، ثم قفتها مجلة الهدي مِن أول نشأتها من السير على هذا المنهج والحمد لله. ولعلها توسعت في بعض بنوده بما لم تداينها فيه مجلة أخرى".

ومن هنا رأينا الفقي يواصل مسيرة رشيد رضا في تفسير القرآن الكريم، فرشيد رضا توفي عند الآية 101 من سورة يوسف، وقام الشيخ محمد بهجت البيطار بإكمال تفسير سورة يوسف، ثم قام الشيخ الفقي بإكماله فبدأ بتفسير سورة الرعد ثم إبراهيم ثم الحجر فالنحل، ومات بعد أن فسر إحدى عشرة آية من سورة الإسراء في مجلة الهدي النبوي، وكانت آخر آية فسرها هي قوله تبارك وتعالى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11]، وقد فسرها رحمه الله في العددين 6 و7 لسنة 1378هـ في حوالي 22 صفحة.

وتابع التفسير من بعده الشيخ عبد الرحمن الوكيل، ثم الشيخ سيد رزق الطويل، كما أخبر بذلك الأستاذ فتحي عثمان، وكيل جماعة أنصار السنة والخبير بتراثها وعلمائها، وما أجمل أن تشيع هذه الروح الجماعية التكاملية بين العلماء والعامة فتنهض بها الأمة وتسعد.

وتنوعت مقالات المجلة بين القضايا الشرعية والأدبية والاجتماعية والسياسية، وكان لقضية فلسطين حضور بارز على صفحاتها، وكذلك أحوال البلاد الإسلامية.

وكانت (الهدي النبوي) تتشرف بمقالات عدد من الأعلام، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أحمد محمد شاكر، الأستاذ محب الدين الخطيب، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، والشيخ أبو الوفاء محمد درويش، والشيخ صادق عرنوس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، والشيخ خليل هراس، الشيخ محمود شلتوت.

وقد تولى الفقي رئاسة تحرير (الهدي النبوي) منذ نشأتها حتى وفاته، وفي في سنة 1370هـ، عهِد مجلس إدارة الجماعة للشيخ أحمد شاكر بتولي منصب مدير التحرير بالمجلة، لكنه لم يستمر بسبب عودته للقضاء.

وكانت (الهدي النبوي) توزع في مصر وخارجها، وكانت سفيرَ الجماعة للعالم الإسلامي، وأصبح لها مشتركون وأنصار من بلاد عديدة، كتب الفقي في افتتاحية السنة الثانية من المجلة: "ولقد لقيت مجلة الهدي النبوي في عامها الماضي تعضيضا ومساعدة على نشرها وإذاعتها وترويجا في الأوساط المختلفة ما لم تكن تحلم به، حتى لقد كانت تنفد بعض أعدادها في أسبوع واحد وذلك بهمة إخواننا أنصار السنة المحمدية المنتشرين الآن بحمد الله في نواحي كثيرة من مصر والسودان والحجاز ونجد والشام والهند وجاوا والعراق والمغرب كثر الله سوادهم وأيدهم بروح من عنده، وجزاهم عنا أحسن الجزاء"، وفي السنة الثانية عشرة من عمرها كانت تطبع 2500 نسخة، منهم 600 مشترك من خارج مصر، وهو رقم كبير بمقاييس ذلك الزمان.    

- تأسيس مطبعة أنصار السنة: مع زيادة نشاط الجماعة أنشأ الشيخ الفقي مطبعة السنة المحمدية لنشر كتب السلف وبوجه خاص كتب ابن تيمية وابن القيم.

محطات متفرقة من حياة الفقي:

- شكّل نشر العلم والدعوة للتوحيد الشغل الشاغل له رحمه الله، وقام بنشر الكثير من كتب السلف وخاصة ابن تيمية وابن القيم وكذلك علماء الدعوة النجدية، وقائمة كتبه في ذلك تطول، وهي مشهورة، وقد تسببت تلك الجهود المباركة بقيام أهل البدع بحربه بالباطل كأحمد وعبدالله الغماري وعبد الفتاح أبو غدة، ووقعت له قصة ضخمة حين طبع كتاب (رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي) سنة 1358هـ، فقام بعض أهل الضلال وخاصة عبد المجيد اللبان ويوسف الدجوي بالتشنيع على الشيخ في الصحف والمجلات حتى أصبحت قضية كبيرة، وتم تحويلها لجماعة كبار العلماء بالأزهر وعلى رأسها الإمام الأكبر الشيخ المراغي للنظر في الكتاب.

 ولم ينتظر أهل الضلال تقرير هيئة العلماء بل أشاعوا أن الفقي سوف تُسحب منه شهادته العالمية الأزهرية، مما أثار قلق إخوانه، إلا أن قرار اللجنة كان في صالح الشيخ الفقي، ولكن أعداءه لم ييأسوا وأعادوا إثارة الموضوع حتى صدر تقرير ثانٍ يميل لهم، وحسماً للخلاف طلب شيخ الأزهر من الشيخ محمد شلتوت كتابة تقرير ثالث ينهي به القضية فكتب تقريراً فند به التقرير الثاني وختمه بقوله: 

"كان أولى بنا بدل أن نقرأ هذا التقرير الذي ينظر في مقدمة الناشر (الفقي) نظرة تخرجها عن واقعها، وتحولها عما أراده منها صاحبهاـ كان أولى بنا أن نقرأ تقريراً آخر في الكتاب وما تضمنه من الآيات والأحاديث وما فيه من انحراف، لينبه على هذا كله ويناقش فيه، ويبين للناس وجهه الحق، ثم يطلب من الجماعة العمل على إلزام ناشر الكتاب بنشر هذا البيان، وقد سبق مثل ذلك يوم أريد نشر الكتاب تاريخ بغداد فوجد فيه طعن باطل على الإمام الأعظم أبي حنيفة رضى الله عنه، فصودر الكتاب حتى وضع حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير مفتي الديار المصرية تعليقا في تفنيد ما جاء في الكتاب خاصاً بالطعن على أبي حنيفة وإلزام ناشر الكتاب بنشر هذا التعليق معه، وكان هذا سبباً في الافراج عن الكتاب. إلا أن جماعة كبار العلماء لو فعلت هذا لقامت بواجبها من غير أن يؤول عملها بأنها تصادر حرية التأليف والنشر.  

لهذا أقترح على الجماعة الموقرة أن تصرف النظر عن هذه المسألة، لئلا تثير مشاكل لا فائدة للإسلام والمسلمين من إثارثها، لا بالنسبة إلى الكتاب، ولا بالنسبة إلى ناشر الكتاب"، هكذا أسدل الشيخ شلتوت الستار على القضية لصالح الفقي، وهذا مثال على ما كان يعانيه الفقي وإخوانه في سبيل نشر التوحيد والسنة ونقض الشرك والبدعة في ذلك الزمن.

ويقول الشيخ صفوت نور الدين (الرئيس السادس لجماعة أنصار السنة) عن بعض ما كان يعانيه الفقي في دعوته للتوحيد من بعض مشايخ الضلال: كان الشيخ عبد ربه سليمان في درسه يقول (الجاحد الشقي) يعني به الشيخ حامد الفقي، فيسمع تلامذته هذا الكلام فيأتون للشيخ حامد ويسمعون فيجدون أحاديثه هي: قال الله، وقال الرسول؛ يدعو بدعوة التوحيد؛ فالكثير منهم ممن جاء لأنصار السنة جاء بهذا السبيل"!!

- كانت له صلات واسعة بالعلماء والدعاة وخاصة أهل التوحيد والسنة منهم والوجهاء والساسة في عصره في مصر وخارجها، فكانت له علاقات واسعة بالأزهر وشيوخه وعلمائه خاصة الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ مصطفى المراغي والشيخ شلتوت والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر ووالد المحدث أحمد شاكر، حيث كان يحضر دروسهم ويزورهم ويستضيفهم لإلقاء المحاضرات في جماعة أنصار السنة ويدون بعض دروسهم وينشرها في مجلة الهدي النبوي ويستكتبهم في مجلة أنصار السنة المحمدية.

- وكانت له علاقات بدعاة التوحيد والسنة خارج مصر مثل: الشيخ محمد بهجة البيطار، الذي كان أول مفتٍ لمجلة الهدي النبوي حيث ترسل له الاستفتاءات ليجيب عنها من دمشق، وكان للفقي تواصل مع الشيخ نسيب الرفاعي، وكذلك مع الشيخ الألباني، حيث كان شاباً حين طلب منه الفقي المساعدة في نسخ وتحقيق رسالة العقود لشيخ الإسلام ابن تيمية، وطبعت باسمهما معاً، قال الفقي في مقدمته: (فكتبت إلى الاخ السلفي البحاثة الشيخ ناصر الدين الارنؤوطي بدمشق أطلب إليه معاونتي في العثور على نسخة أخرى فكتب إلي أن عند آل الشطي الأمجاد نسخة جيدة سليمة فأرسلت إليه النسخة بالطائرة فراجعها مراجعة دقيقة وكمل مواضع النقص فيها، وعندئذ اطمأننت إلى أني أستطيع أن أخرج الكتاب النفيس باسم نظرية العقد)، كتب هذا في شوال سنة 1368هـ/ أغسطس 1949م، وحين جاء الألباني لمصر رتب له محاضرة في دار أنصار السنة.

وكانت للفقي صلات جيدة بأهل الحديث في الهند، فضلاً عن علاقاته القوية بالسعودية وعلمائها.

- جهاده: يقول عنه الشيخ عبد الرحمن الوكيل: «لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله أكثر من أربعين عامًا مجاهدًا في سبيل الله. ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب واعتاد النصر على الأحداث، وإرادة تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ به، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يُدهن في القول ولا يداجي ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدًا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقًا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا".

وكانت له مشاركة في الجهاد ضد الاحتلال البريطاني لمصر قبيل الحرب العالمية الثانية، إذ كان يحرّض الناس على المقاومة وكان يطبع ويوزع البيانات ضد الاحتلال سراً. وأسس جماعة (أنصار فلسطين) للجهاد ضد اليهود.

قال الفقي عن إلغاء المعاهدة مع بريطانيا: "فإليكم ما سجلته في رسالتي التي أرد بها على شيخ الأزهر: "لقد ألغت الحكومة مشكورة هذه المعاهدة المشئومة التي عقدتها مصر مع إنجلترا الفاجرة، ونحن أنصار السنة نؤيد هذا الموقف الشجاع الجريء الذي استطاعت به حكومة مصرية أن تقول للإنجليز لا، أيها الطغاة الغاصبون، لن نستكين بعد اليوم لذلة، ولن نمكن نير ظلمكم من أعناقنا مرة ثانية. ولكن يجب أن تبرم القلوب عهداً مع الله أن لا تخون عهده، وأن تكون النفوس له وحده في العبودية والجهاد، ولقد نبذنا في قوة وعزة محالفة الإنجليز، فلنعاهد الله أن ننبذ الحلف مع الشيطان"، فنحن نؤيد الحكومة كل التأييد، ونعتبر من لا يؤيد ذلك ليس خائنا للوطن فحسب بل قبل ذلك خائنا لله ودينه ورسوله".

- لم تقتصر دعوته على مصر، فبسبب وجود الأزهر الذي يستقبل الطلبة من مختلف البلدان، فقد تأثر بدعوة الشيخ الفقي عدد من الطلبة الذين نشروا فكر أنصار السنة المحمدية في بلادهم، وأسسوا جماعة أنصار السنة في بلادهم كما في السودان ووأرتيريا وأثيوبيا والصومال وليبريا وتايلند.

قال سعد صادق في بيان تأثير دعوة الفقي: "لم ينحصر تأثير دعوة الشيخ حامد داخل دائرة مصر ومدنها وقراها فحسب ... بل تجاوزها إلى خارج الحدود المصرية، تجاوزها في إفريقيا إلى السودان وإرتريا والصومال، وفي الشام: سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين، وفي آسيا إندونيسيا وسيام. بل لا نكون مغالين إذا قلنا إن تأثير هذه الدعوة امتد إلى بعض دول أوروبا في أمريكا ولندن وفرنسا وسويسرا حيث توجد هناك جاليات مسلمة، تسامعت بدعوة الشيخ عن طريق من يسافرون إلى تلك المدن الأوروبية في مهمات عملية وعلمية وعن طريق مجلة الهدي النبوي التي كانت تصل إلى تلك البلاد ويقرأها كثير من المتعطشين إلى معرفة العلم الصحيح النابع من القرآن والسنة".

وفاته:

توفي رحمه الله فجر الجمعة 7 رجب 1378هـ، الموافق 16 يناير 1959م على إثر عملية جراحية، فبعد أن نجحت العملية أصيب بنزيف حاد وعندما اقترب أجله طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها. وبعد ذلك طلب من إخوانه أن يُنقل إلى دار الجماعة حيث توفي بها.

 

مراجع للتوسع:

1-   جماعة أنصار السنة المحمدية، د. أحمد محمد الطاهر، دار الهدي النبوي بالقاهرة ودار الفضيلة بالرياض، ط 1، 1425هـ/ 2004م.

2-   جهود الشيخ محمد حامد الفقي في تفسير القرآن الكريم، محمد عاطف التاجوري، مكتبة السنة النبوية، القاهرة، ط 1، 1433هـ/ 2012م.

3-   العلامة محمد حامد الفقي رائد الدعوة السلفية، الأستاذ فتحي أمين عثمان، وكيل أنصار السنة المحمدية، غير منشور. 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: